نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..
سليم المصمودي
فنأتي الآن إلى تحرير ما نحن فيه وما نريده من مسألة نقل المذاهب لقول أهل الظاهر، وكيفية ذلك، وكيفية تحقيقه، فنقول وبالله تعالى التوفيق:
أولاً: المذهب الحنفي ونقل فقه أهل الظاهر:
المسألة الأولى: أول كتاب نقل قول أهل الظاهر عند الحنفيين:
إن من أوائل الكتب التي نقلت قول أهل الظاهر هو المبسوط للسرخسي الحنفي، والنقل المراد هو ذكره حين ورود المسألة ليس بقصد الرد، وإنما بيان أقوال العلماء فقط، وإن كان السرخسي يجيب عما ذكره أهل الظاهر من دليل.
وهذا بخلاف كتب الجصاص الحنفي، فإنه يذكر أهل الظاهر للطعن فيهم، ويتقول على داود ما لم يقله، كقوله عن داود: أن حجج العقول ليست بحجة، وهذا باطل عن داود، وقد ذكر بعض أهل العلم من غير أهل الظاهر فساد هذا المعنى المحكي عن داود، وكذا سنراه فيما جمعت من فقهه ووقوفه على حجج العقول.
المسألة الثانية: دقة النقل عن أهل الظاهر عند الحنفيين:
المذهب الحنفي هو مذهب بضد منهج أهل الظاهر تماماً، فأهل الظاهر أهل نص وأثر، ولا يدخلون الرأي والظن في اجتهادهم، وهذا بخلاف المذهب الحنفي، فهو مذهب أصحاب الرأي والظن.
لذلك سترى في كتب أصحاب هذا المذهب قلة النقل عن أهل الظاهر، كما تلاحظ قلة النقل عن أئمة الحديث أيضاً، وخاصة المتأخرين منهم وأصحاب الشروح، فقليلاً ما يشيرون إلى قول أهل الظاهر.
والملاحظ على كتب الحنفيين: عدم الدقة في النقل، ويرجع ذلك إلى عدم النقل من كتب أهل الظاهر في الأغلب.
فلم أقف حين جمعي لفقه أهل الظاهر من كتبهم إلى إشارة أحدهم لبعض كتب أهل الظاهر، أو أنه نقل ذلك من كتاب كذا للظاهري فلان، وأغلب النقل يكون عن النووي في مجموعه الذي شرح به المهذب للشيرازي.
أي أنهم ينقلون عن غيرهم من كتب المذاهب في الأغلب، رغم أن النقل عن الغير قد يكون غير دقيق أيضاً، إلا المتقدمين من الحنفيين فإنهم ينقلون قول أهل الظاهر دون الإشارة إلى الكتاب الذي نقلوا عنه.
وفي الجملة: لا يتجاوز النقل عن أهل الظاهر في كتب الحنفيين المائة مسألة أو أقل، وأكثرها مكرر، وتجد أكثرها في بدائع الصنائع للكاساني، وشرح فتح القدير لابن الهمام، والبحر الرائق، وحاشية ابن عابدين، أما غيرها فهي إما أنها تنقل عن هؤلاء، وإما من كتب المذاهب الأخرى، وهو بكل حال نقل شحيح.
المسألة الثالثة: الاستعانة بكتب الحنفيين في تحقيق قول أهل الظاهر:
ينبني على مسألة دقة النقل، مسألة صحة الاستعانة بنقلهم، فالذي ظهر لي عدم صلاحية الاستعانة بكتب الحنفيين لتحقيق أي قول هو قول أهل الظاهر عامة، أو أي قول هو قول داود من المنقول عنهم.
ومن الملاحظ على كتبهم: اهتمامهم بنقل مناظرة البرذعي مع داود الظاهري، وهي مهملة بغير إسناد، ورغم التمويه الذي فيها، وإظهار البرذعي على أنه انتصر على داود فيها، ولم أجد أحداً منهم رد هذا التمويه، وبين فساده إلا بعض الإشارات عند ابن الهمام الحنفي، الذي بين وجه الجواب على ما ذكره البرذعي، ولم يفصح عن بطلان ما سأل عنه، والله أعلم سبب ذلك، وقد ذكرت هذا في موضوع خاص بينت فيه وجه هذه المناظرة، وأن البرذعي لا يفحم داود بمثل هذا السؤال، وأظنه في قسم الفقه.
فداود احتج بهذه المسألة بأن قال: أجمعنا على جواز بيع أم الولد قبل أن تكون حاملاً بطفلها، ويجب أن يستمر هذا الجواز حتى يأتي دليل يبطله.
فقال البرذعي: ولكنا أجمعنا أنها حين كانت حاملاً لا يجوز بيعها، فوجب الاستمرار على هذا الإجماع حتى يأتي ما يبطله، فذكروا أن داود انقطع حين قال البرذعي ذلك !
وهذا الاعتراض من البرذعي تمويه فاسد ؛ لأننا إذا أجمعنا على عدم جواز بيعها حال حملها لطفلها، فالإشكال ليس هنا، وإنما بعد أن ولدت وصارت أم ولد، فنعود بعد ولادتها إلى ما أجمعنا عليه من جواز بيعها حين لم تكن حاملاً، وهذا الذي يجب أن يستمر عليه لا التمويه الذي ذكره البرذعي.
ولم أجد من الحنفيين من بين فساد احتجاج البرذعي هذا، ولكن كما هو معلوم عند انتصار رجل على رجل آخر من مذهب يخالفه، فإن جميع من على مذهب المنتصر هذا يفرحون بمثل هذه القصص، ويطيرون بها، ويشنعون على خصومهم بها، وربما اتهموهم بعدم الفهم والفقه من أجلها.
لكن الحق يجعلنا نقول: بأن ابن الهمام الحنفي هو الوحيد الذي أشار إلى فساد احتجاج البرذعي صاحبهم، لكنه لم يصرح ببطلانه، وإنما قال: يمكن أن يجاب على كلام البرذعي .. فذكر بعض ما يفسد به اعتراض البرذعي، لكن هذا الإفساد مهمل عند الحنفيين، ولم أجد من ينبه عليه بعد ابن الهمام، فاستغلوا هذه الحادثة للتشنيع على خصمهم فقط.
وعلى كل حال: فنقلهم كما سترى في ( موسوعة فقه الإمام داود ) وفي كتاب ( الجامع لذهب أبي سليمان ) نقل سيء، وفيه تغيير أحياناً غير مقصود، وسياق على سبيل الاختصار المخل، والمغيّر لحكم المسألة، فلا يصلح لترجيح الصحيح من قول أهل الظاهر أو داود في مسألة من المسائل إذا وجد معارضها عند غيرهم من المذاهب في الأغلب، والله أعلم.
يتبع....