
24-01-2023, 05:26 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,819
الدولة :
|
|
رد: نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..
نقل المذاهب الفقهية لقول الظاهرية وأيها المتعمد وكيفية التصحيح ..
سليم المصمودي
فأبدأ أولاً بمسألة الإشارة إلى موافقات السلف لقول أهل الظاهر، ثم نشرع في بيان الكلام على كتب المذاهب بحسب الترتيب الزماني للمذاهب، فأقول وبالله تعالى التوفيق.​
* * *
النبذة الأولى: موافقات الظاهرية للسلف الصالح.
قد طلب مني بعض الأحباب وهو أبو محمد المصري الظاهري أن أشير إلى هذه الموافقات بحسب عملي في فقه داود خاصة، وفي فقه أهل الظاهر عامة، وأقد استجبت له في ذلك، وسأبين ذلك على سبيل الاختصار ؛ لأني ذكرت له أنني لم أقيد أرقام هذه المخالفات، وإنما سأذكر ذلك على سبيل الإجمال، فإن أحصيتها بينت ذلك في مقدمة كتابي الذي فرغت منه ( موسوعة فقه داود ) إن شاء الله تعالى.
فالذي نقوله في هذا المقام: إن أكثر موافقات الصحابة لأهل الظاهر عامة، أو لداود خاصة في مسائل الفقه فهي موافقات سأذكرها بحسب الكثرة، وهؤلاء دائماً يكون قول داود موافقاً لقولهم في أصل المسألة.
وهذه الموافقات مع: علي بن أبي طالب، ثم ابن عباس، ثم عمر بن الخطاب، ثم أبي بكر الصديق، ثم عثمان بن عفان، ثم عبد الله بن الزبير، ثم أبي هريرة، ثم ابن مسعود، ثم يأتي أصحاب الموافقات القليلة، وهم كثرة.
أما من بعدهم من التابعين وغيرهم فأكثر الموافقات فهي مع: ابن سرين، ثم الزهري، ثم الحسن البصري، ثم عطاء، ثم ابن المسيب، ثم ابن جبير، ثم مجاهد، ثم عمر بن عبد العزيز.
أما من فقهاء الأمصار، فأكثر الموافقات فهي مع: الأوزاعي، ثم الليث بن سعد، ومن بعدهما أبو ثور، ثم أحمد، ثم الشافعي، ثم مالك، ثم النعمان، ثم الطبري، ثم المزني.
فهذا ما يحضرني في هذه الموافقات، وإن شاء الله أحصي ذلك في مقدمة الموسوعة عن داود، وأبين بالأرقام كل ذلك، ولعله يتغير عن هنا قليلاً، أو كثيراً، لأن الاعتماد هنا على العمل والذاكرة، ولعلي أخطأت، أو زدت، أو أنقصت، فالإحاطة بكل هذه الأقوال ومدى الموافقة أمر يعسر بلا تقييد عدد.
النبذة الثانية: قول أهل الظاهر في كتب المذاهب الأربعة:
قبل الشروع في بيان ذلك أحببت الكلام عن أمور، وهي:
الأمر الأول: حكاية عدم الاعتداد بخلاف الظاهرية عند بعض الشافعيين.
فهذا القول الحادث لا معنى له أصولياً، ولا فقهياً، إذ من قال بهذه البدعة مقلد شافعي، وباتفاق بين المجتهدين إذا تساهلنا معهم بحسب أصولهم: أن الاجتهاد هو اتفاق مجتهدي عصر من العصور على شيء ما.
أي: أن الاجتهاد هو أساس اعتبار قول الرجل، وكونه انطبق عليه شرط الاجتهاد، وداود وغيره انطبقت عليهم شروط الاجتهاد، فهذا أولاً.
أما ثانياً: فإذا اتفقوا على أن مجتهدي عصر من العصور إذا اتفقوا على شيء فهو حجة كما يقولون: فالجويني الأشعري، ومثله الإسفراييني ليسوا من أهل الاجتهاد المطلق أصلاً، ولا يوضعون ضمن المجتهدين المطلقين، ومن وضعهم فهو إما جاهل، وإما مكابر.
أما ثالثاً: فلم يجمع أحد من مجتهدي عصر من العصور على أن الظاهرية ليسوا من أهل الاجتهاد، ولا قال بهذا غير صاحب هذه الدعوى المبتدعة، ولا برهان له بها، فسقطت.
أما رابعاً: فإن قول الجويني والإسفراييني وهما مقلدة لأصول الإمام الشافعي قول مقلدة في إخراج إمام مجتهد شهدت له الأمة من قبلهم ومن بعدهم بالإمامة والتقدم في الديانة، وسعة العلم، والاجتهاد المطلق، فلا يقبل منهما هذا القول حتى يقيما برهان على دعواهما، وإلا بطلت.
واعلم ما يفيدك في هذا الباب: فإن الشافعيين في الراجح عند حذاقهم يقولون: الإجماع السكوتي ليس بحجة، وهو القول الذي قيل من أحد الفقهاء، واشتهر، ولم يردنا إنكاره عن غيره.
فكل ما ينقلون فيه إجماعاً لا قطع فيه فهو ليس بحجة، ولا يعتمد في إثبات الأحكام عندهم، فإذا علمت ذلك، فاعلم أيضاً ما يقطع لهم هذه البدعة:
أن قول العلماء بالاعتداد بقول العلماء المجتهدين هو لمعرفة أهل الإجماع، فمتى ما خرج أحدهم عنهم، أو لم يعلموا قوله، أو علموا أن في القرن هذا علماء من أهل الاجتهاد، ولا يعلمون قولهم في مسائل كثيرة أو قليلة: فلا يكون هذا إجماعاً أصلاً، بل هو العلم بعدم الخلاف، وهذا الذي قال عنه الإمام أحمد من ادعى الإجماع فيه فقد كذب، وما يدريه لعل الناس اختلفوا.
فإذا صح ذلك: فلا معنى لقول قائل: لا يعتد بخلاف فلان ؛ لأن الأئمة الذين هم من أهل الاجتهاد منهم من علم بالاسم، ومنه من علم بالوصف، أي استحق الاجتهاد بما اتصف به من فقه وعلم بالكتاب والسنة.
فتارة نقف على اتفاق العلماء باسمهم، وتارة لا نقف، كما أننا تارة نقف على قول مجتهد لم نسمع به من قبل، وتارة لا نسمع، فلا حاجة أصلاً لتحرير مدى إجماعهم وعدمه.
وخاصة أن هؤلاء وغيرهم من المعاصرين قد نصوا على عدم إمكان تحقق الإجماع ؛ لتعذر الوقوف على كل قول قائله مجتهد في ذلك الزمان.
فصحيح أن هناك وسيلة اتصال اليوم، إلا أنها ليست عند كل عالم مجتهد، فلذلك كانت هذه المقولة باطلة فاسدة يراد منها التشنيع، والفرار من اعتراض الخصم فقط.
وجلهم يعتمد على نقل غير مسند عن ابن سريج الشافعي صاحب محمد بن داود الظاهري أن من أوصى بثلث ماله على الفقهاء: فالظاهرية يخرجون من الوصية !
وحجتهم الأولى في ذلك: أن الظاهرية ليسوا من أهل الاجتهاد، لأن الاجتهاد هو القياس، وهذا باطل فاسد.
فالاجتهاد هو طلب حكم الله تعالى بعد إفراغ الجهد والبحث، وهذا باعتراف جميعهم، فوضعوا معنى الاجتهاد على معنى القياس فقط دون غيره، فأخرجوا الظاهرية وغيرهم من مبطلي القياس عن اسم المجتهد، وهذا كما ترى شغب وتمويه فاسد.
فكل من استحق وصف المجتهد فإن قولهم معتبر ومحترم بمعنى أن نقول: قاله وله أجر وإن أخطأ ؛ لأنه استكمل أدوات الاجتهاد، أما مسألة الاعتداد التي يراد منها تركيب إجماع متوهم كما يفعل هؤلاء فلا والله لا يصح ذلك من كل وجه.
وهكذا قول الجويني والإسفراييني بأن الظاهرية ليسوا بمجتهدين، لذلك لا يعتد بخلافهم !
وحجتهم الثانية هي ما نقل عن الباقلاني ومن أخذ بقوله في قوله: إن الفقه مبني على الظنون، فأسس هؤلاء مسألة الاعتداد على أن الظاهرية لا يقولون بالظن، فليسوا بفقهاء !
فجعلوا معنى الفقه: القول بالظن، وكأن الفقه ليس منه قول باليقين الذي عمل به الظاهرية، فكان ينبغي عليهم أن يقولون: الظاهرية نصف فقهاء ! لا أن ينفوا الفقه جملة عنهم، فهذا من بديع وسواسهم لنصرة ما يؤسسون له من باطل.
فإن كان الفقه مبني على الظن: فما الدليل الموجب العمل به ؟ وما الدليل المبيح لاستخراج الحكم عن طريقه ؟ وما الدليل الموجب أن من خالفه آثم ؟ فهذا لا يجده أحد من هؤلاء إلا بالإلهام !
فإذا وقفت على الشغب في قولهم هذا، حيث جعل الاجتهاد هو القياس فقط، وجعل الفقه هو العمل بالظن فقط: علمت فساد طريقتهم، وكيفية احتجاجهم على خصومه، فلا أفلح من تعصب وتحزب لغير اليقين من الكتاب والسنة، نسأل الله السلامة من ذلك.
أما الأمر الثاني الذي أردت الكلام عنه، فهو التنبيه على بعض حيل أهل المذاهب في التشنيع على الخصم.
فإنهم إذا أرادوا التشنيع على مخالفهم نقلوا قوله، ولم ينقلوا قول غيره ممن سبقه من العلماء، ويأخذون بالتشنيع عليه لمخالفة الأمة كما يقولون، أو لمخالفة الجمهور.
وتارة يقولون: لم يشذ في ذلك أحد إلا فلان، وهو محجوج بالإجماع أو بالاتفاق، ونحو ذلك من عبارات.
فاعلم علمني الله وإياك: إن أكثر هذه المسائل التي جمعتها ونسبت إلى داود لم يكن القائل الأول بها، وإنما كان قوله متأخر عن قول الصحابي الذي قال به، أو أكثر من صحابي قالوا به، أو تابعي، أو تابع تابعي.
فأخرج أصحاب المذاهب هؤلاء السلف، وحكوا قول داود وحده ليشنعوا عليه، ويبينوا أن مذهبه غريب عجيب لم يقل به أحد لبيان تفرده الشاذ !
وهذا كثيراً ما تجده عند الشافعيين، والحنفيين، والمالكيين، ونادراً ما تجده عند الحنبليين، فإنهم كما سترى بعد قليل أكثر الناس دقة في النقل عن داود، وأكثرهم احتفالاً بذكر آرائه.
فهذه الطرق لا يراد منها إلا التشنيع على داود، أو أهل الظاهر بغير حجة، ويغطون خلاف الصحابي، أو التابعي، ويرمونه بالشذوذ والتفرد، ناسين ومتناسين أن الخلاف فيه قديم، ومن جهل هذا فكان الأولى به أن لا يتجرأ ويزعم أن هذا لم يخالف فيه أحد إلا داود، فهذا من الكذب إن تعمده، وكان يعلم أنه لا يعرف أقوال السلف.
واستبعد أن يكون هؤلاء لم يقفوا على الاختلاف القديم ؛ لأن هذه الكتب التي يكثر فيها التشنيع تنقل قول داود من الكتب التي نقلت قوله مع قول الصحابي الموافق، أو التابعي، أو تابع التابعي، فلا عذر ها هنا أصلاً.
لذلك ستجد في كتابي ( موسوعة فقه داود ) قول داود، ثم في الهامش قول من وافقه من الفقهاء، سواء صحابي، أو تابعي، أو تابع تابعي، أو من فقهاء الأمصار، لبيان عدم شذوذه فيما ادعي عليه الشذوذ، وأنه تفرد بهذا القول.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|