عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 23-01-2023, 11:06 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله



تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَعراف
المجلد السابع
صـ 2911 الى صـ 2925
الحلقة (368)







الثاني: روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن لله تسعة وتسعين اسما، من حفظها دخل الجنة، والله وتر يحب الوتر» ، وفي رواية: « من أحصاها » ، قال البخاري : أحصيناه: حفظناه. وأخرجه الترمذي وزاد سوق الأسماء معدودة: [ ص: 2911 ] ثم قال: ولا نعلم في كثير من الروايات ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. ورواه ابن ماجه أيضا. فسرد الأسماء بزيادة ونقصان.

قال الحافظ ابن كثير : والذي عول عليه جماعة من الحفاظ، أن سرد الأسماء في هذا الحديث مدرج فيه، وإنما ذلك كما رواه الوليد بن مسلم وعبد الملك بن محمد الصنعاني ، عن زهير بن محمد أنه بلغه عن غير واحد من أهل العلم أنهم قالوا ذلك، أي أنهم جمعوها من القرآن، كما روي عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وأبي زيد اللغوي . انتهى.

وقال النووي : اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى. وليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما المقصود من الحديث الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها، لا الإخبار بحصرها. ولهذا جاء في الحديث الآخر: « أسألك بكل اسم سميت به نفسك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك » . وقد ذكر الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي عن بعضهم، أن لله ألف اسم. انتهى.

وقال السيد اليماني في (إيثار الحق): عادة المتكلمين أن يقتصروا هنا على اليسير من الأسماء، ولا ينبغي ترك شيء منها، ولا اختصاره ! فإن ذلك كالاختصار للقرآن الكريم، ولو كان منها شيء لا ينبغي اعتقاده ولا ذكره، ما ذكره الله تعالى في القرآن العظيم.

وعادة بعض المحدثين أن يوردوا جميع ما ورد في الحديث المشهور في تعدادها، مع الاختلاف الشهير في صحته. وحسبك أن البخاري ومسلما تركا تخريجه مع رواية أوله. واتفاقهما على ذلك يشعر بقوة العلة فيه، ولكن الأكثرين اعتمدوا ذلك تعرضا لفضل الله العظيم في وعده، من أحصاها بالجنة كما اتفق على صحته. وليس يستيقن إحصاؤها بذلك إلا لو لم يكن لله سبحانه اسم غير تلك الأسماء. فأما إذا كانت أسماؤه سبحانه أكثر من أن تحصى، بطل اليقين بذلك، وكان الأحسن الاقتصار على ما في كتاب الله، وما اتفق على صحته بعد ذلك، وهو النادر وقد [ ص: 2912 ] ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي بالضرورة والنص. أما الضرورة، فإن في كتاب الله أكثر من ذلك، وأما النص، فحديث ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: « ما قال عبد أصابه هم أو حزن: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكان حزنه فرحا » - رواه أحمد ، وأبو عوانة في (صحيحه) وأبو يعلى والبزار -.

ثم أخذ اليماني يذكر ما وجده من الأسماء منصوصا، غير معرج على التقليد. فانظره في (إيثار الحق) فإنه جود البحث بمنزع شريف.

الثالث: قال بعض مفسري الزيدية في قوله تعالى: (فادعوه بها): المعنى سموه بها، وفي ذلك أمر بدعائه بالأسماء الحسنى، وهو أمر ندب إذا حمل على التلاوة بالتسعة والتسعين، وحث على ذلك في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، وإن أريد بالتسمية بما فيه مدح، دون ما فيه إلحاد، فذلك وجوب.

الرابع: قال السيد اليماني في (إيثار الحق): هل يجوز تسمية محامد الرب تعالى وأسمائه الحسنى صفات له سبحانه وتعالى؟

قال الله تعالى: ولله المثل الأعلى وذكر أهل التفسير واللغة أنه الوصف الأعلى، وكذلك جاء في كلام علي عليه السلام أنه قال: فعليك أيها السائل بما دل عليه القرآن من صفته- ذكره السيد أبو طالب في (الأمالي) بإسناده، والسيد الرضي في (النهج) كلاهما في جوابه عليه السلام، على الذي قال له: [ ص: 2913 ] صف لنا نار ربنا -. وهذا لا يعارض قوله عز وجل: سبحانه وتعالى عما يصفون لأنه لم ينزه ذاته عن الوصف مطلقا، حتى يعم الوصف الحسن، وإنما ينزه عن وصفهم له بالباطل القبيح. انتهى. وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[181] وممن خلقنا أمة يهدون بالحق وبه يعدلون

" وممن خلقنا أي للجنة، لأنه في مقابلة ولقد ذرأنا لجهنم -قاله النسفي - " أمة يهدون بالحق أي يدعون إليه " وبه يعدلون أي يعملون ويقضون، وقد جاء في الآثار، أن المراد بالأمة، هذه الأمة المحمدية، وقال قتادة : بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ الآية يقول: هذه لكم، وقد أعطي القوم بين أيديكم مثلها.

وعن الربيع بن أنس -في هذه الآية- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « إن من أمتي قوما على الحق، حتى ينزل عيسى بن مريم متى ما نزل » . وفي الصحيحين عن معاوية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم، ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة » . وفي رواية: « حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك » .

قال الشهاب : استدل بالآية على أن الإجماع حجة في كل عصر، وعلى أنه لا يخلو عصر من مجتهد إلى قيام الساعة.
[ ص: 2914 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[182] والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون

" والذين كذبوا بآياتنا سنستدرجهم من حيث لا يعلمون أي سنأخذهم بالعذاب من طريق لا يعلمونها، أو نفتح لهم من الأحوال ما يلائم أهويتهم، ثم نهلكهم. وأصل الاستدراج: أن يتدرج إلى الشيء قليلا قليلا، تشبيها بمن يرقى درجة درجة، حتى ينتهي إلى العلو. وقيل: أصله من الدرج الذي يطوى فكأنه يطوي منزلة بعد منزلة، كما يطوى الدرج. وقيل: لأنه من الدرجة فيكون، لأنه ينحط درجة بعد درجة حتى ينتهي إلى حال الهلاك.
القول في تأويل قوله تعالى:

[183] وأملي لهم إن كيدي متين

" وأملي لهم أي أمهلهم ليزدادوا إثما " إن كيدي متين أي: قوي شديد.

والمعنيون بهذا الخطاب كفار مكة .

قال في (التنوير): هم أبو جهل وأصحابه المستهزئون، أخذهم الله بعذابه في يوم ( أحد )، وأهلك كل واحد بهلاك غير هلاك صاحبه. انتهى.

ويدل قوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[184] أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة إن هو إلا نذير مبين

" أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة أي كما يختلقون. والاستفهام للإنكار والتوبيخ، أي: أو لم يتفكروا في أنه ليس بصاحبهم الذي هو أعظم الأمة الهادية بالحق، شيء من جنة. وجوز أن يكون الكلام تم عند قوله " أولم يتفكروا إنكارا لعدم تفكرهم في شأنه، الموقف على صدقه، وصحة نبوته. ثم ابتدأ نفي الجنة عنه تعجيبا وتبكيتا.

[ ص: 2915 ] و (الجنة) مصدر، كالجلسة، بمعنى الجنون، وليس المراد به الجن، كما في قوله تعالى: من الجنة والناس لأنه يحوج إلى تقدير مضاف، أي: مسه جنة أو تخبطها. والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم ب (صاحبهم) للإيذان بأن طول مصاحبتهم له، مما يطلعهم على نزاهته عما ذكر، ففيه تأكيد للنكير، وتشديد له " إن هو إلا نذير أي: رسول مخوف " مبين أي موضح إنذاره، مبالغة في الإعذار. ولما نعى عليهم تفكرهم في شأنه صلى الله عليه وسلم، أنكر إخلالهم في التأمل بالآيات التكوينية المنصوبة في الآفاق والأنفس، الشاهدة بصحة الآيات المنزلة، فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[185] أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم فبأي حديث بعده يؤمنون

" أولم ينظروا أي نظر استدلال " في ملكوت السماوات من الشمس والقمر والنجوم والسحاب. والملكوت: الملك العظيم " والأرض أي وفي ملكوت الأرض، من البحار والجبال والدواب والشجر. " وما خلق الله من شيء أي وفيما خلق الله مما يقع عليه اسم (الشيء)، من أجناس لا يحصرها العدد، ولا يحيط بها الوصف " وأن عسى أن يكون قد اقترب أجلهم عطف على (ملكوت). أي: في احتمال أن يهلكوا عما قريب، فيفارقوا الدنيا، وهم على أتعس الأحوال. " فبأي حديث بعده أي القرآن " يؤمنون أي إذا لم يؤمنوا به، وهو المعجز الجامع لكل ما يفيد الهداية، وفي هذا قطع لاحتمال إيمانهم رأسا، ونفي له بالكلية.

تنبيه:

قال الجشمي : تدل الآية على وجوب النظر في الأدلة، وأنها طريق المعرفة. وتدل على أنه لا شيء ينظر فيه، إلا ويعرف الله تعالى به.
[ ص: 2916 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[186] من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون

" من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون أي في كفرهم يتحيرون، يعني أن من كتب عليه الضلالة، فلا يهديه أحد، ولا يغنيه النظر، ولا الإنذار، كما قال تعالى: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا
القول في تأويل قوله تعالى:

[187] يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون

" يسألونك عن الساعة أي عن قيامها وحينها " أيان مرساها أي متى إرساؤها أو وقت إرسائها، أي إثباتها وإقرارها. والرسو يستعمل في الأجسام الثقيلة، وإطلاقه على المعاني، تشبيها لها بالأجسام.

" قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو أي: لا يظهرها في وقتها إلا هو. " ثقلت في السماوات والأرض أي عظمت وكبرت على أهلهما لهولها وما فيها من المحاسبة والمجازاة، أو ثقل علم وقتها على أهلهما. أو عظم وصفها على أهل السماوات والأرض، من انتشار النجوم، وتكوير الشمس، وتسيير الجبال " لا تأتيكم إلا بغتة أي فجأة على حين غفلة منكم.

" يسألونك كأنك حفي عنها [ ص: 2917 ] أي: عالم بها: " قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون أي أن علمها عند الله، لم يؤته أحدا من خلقه.

لطيفة:

قال الزمخشري : فإن قلت: لم كرر " يسألونك " و " إنما علمها عند الله " ؟ قلت: للتأكيد، وما جاء به من زيادة قوله: " كأنك حفي عنها وعلى هذا تكرير العلماء الحذاق في كتبهم، لا يخلون المكرر من فائدة زائدة. انتهى.

وقال الناصر في (الانتصاف): وفي هذا النوع من التكرير نكتة لا تلفى إلا في الكتاب العزيز، وهو أجل من أن يشارك فيها، وذاك أن المعهود في أمثال هذا التكرير، أن الكلام إذا بني على مقصد، واعترض في أثنائه عارض، فأريد الرجوع لتتميم المقصد الأول، وقد بعد عهده، طري بذكر المقصد الأول، لتتصل نهايته ببدايته. وقد تقدم لذلك في الكتاب العزيز أمثال، وسيأتي، وهذا منها. فإنه لما ابتدأ الكلام بقوله: " يسألونك عن الساعة أيان مرساها ثم اعترض ذكر الجواب المضمن في قوله: " قل إنما علمها عند ربي إلى قوله " بغتة أريد تتميم سؤالهم عنها بوجه من الإنكار عليهم، وهو المضمن في قوله " كأنك حفي عنها وهو شديد التعلق بالسؤال، وقد بعد عهده، فطري ذكره تطرية عامة، ولا نراه أبدا يطرى إلا بنوع من الإجمال، كالتذكرة للأول، مستغنى عن تفصيله بما تقدم. فمن ثم قيل: " يسألونك ولم يذكر المسؤول عنه، وهو (الساعة) اكتفاء بما تقدم فلما كرر السؤال لهذه الفائدة كرر الجواب أيضا مجملا، فقال: " قل إنما علمها عند الله ويلاحظ هذا في تلخيص الكلام بعد بسطه. ومن أدق ما وقفت عليه العرب في هذا النمط من التكرير لأجل بعد العهد، تطرية للذكر، قوله:


عجل لنا هذا وألحقنا بذا الش شحم إنا قد مللناه بجل


أي فقط، فذكر الألف واللام، خاتمة للأول من الرجزين، ثم لما استفتح الرجز الثاني، استبعد العهد بالأولى، فطري ذكرها، وأبقى الأولى في مكانها. ومن ثم استدل ابن جني [ ص: 2918 ] على أن ما كان من الرجز على ثلاثة أجزاء، فهو بيت كامل، وليس بنصف، كما ذهب إليه أبو الحسن .

قال: ولو كان بيتا واحدا، لم يكن عهد الأولى متباعدا، فلم يكن محتاجا إلى تكريرها، ألا ترى أن عبيدا لما جاء بقصيدة طويلة الأبيات، وجعل آخر المصراع الأول (أل)، لم يعدها أول المصراع الثاني، لأنها بيت واحد، فلم ير عهدها بعيدا، وذلك قول عبيد بن الأبرص الأسدي:


يا خليلي اربعا واستخبرا ال منزل الدارس عن أهل الحلال
مثل سحق البرد عفى بعدك ال قطر مغناه وتأويب الشمال


اربعا: أقيما، الحلال: اسم امرأة، سحق البرد: يريد مثل البرد المسحوق أي البالي، وعفى بالتشديد: محا، القطر: المطر، مغناه: هو الموضع الذي كانوا يسكنونه، والشمال - بالفتح والكسر- من الرياح، ما مهبه من مطلع الشمس وبنات نعش، وهي لا تكاد تهب ليلا، وتأويبها: هبوبها النهار كله. ثم استرسل فيها كذلك بضعة عشر بيتا. فانظر هذه النكتة، كيف بالغت العرب في رعايتها، حتى عدت القريب بعيدا، والمتقاصر مديدا، فتأملها فإنها تحفة إنما تنفق عند الحذاق الأعيان، في صناعتي العربية والبيان، والله المستعان. انتهى.

والقصيدة بتمامها في (مختارات ابن الشجري ) بالصفحة رقم 37.

ثم أمره تعالى أن يخبر بعبوديته الكاملة، بما ينبئ عن عجزه عن علم الساعة بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[188] قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون

" قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا أي لا أقدر لأجل نفسي، على جلب نفع ما [ ص: 2919 ] ولا على دفع ضر ما " إلا ما شاء الله أي تمليكه لي من ذلك بأن يلهمنيه، فيمكنني منه، ويقدرني عليه. وهذا كقوله تعالى في سورة يونس: ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين قل لا أملك لنفسي ضرا ولا نفعا إلا ما شاء الله لكل أمة أجل ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير أي النفع، بترتيب أسبابه، فكنت مثلا أعد للسنة المجدبة من المخصبة، ولوقت الغلاء من الرخص " وما مسني السوء أي الضر، للتوقي عن أسبابه " إن أنا إلا نذير وبشير أي عبد أرسلت نذيرا وبشيرا، وما من شأني أني أعلم الغيب. وقوله تعالى " لقوم يؤمنون يجوز أن يتعلق بـ " بشير وحده، ومتعلق النذير محذوف، أي للكافرين، وحذف للعلم به. وقال الشهاب : ليطهر اللسان منهم.
ثم بين تعالى عظم جناية الكفرة في جراءتهم على الإشراك، بتذكير مبادئ أحوالهم المنافية له، بقوله سبحانه:

القول في تأويل قوله تعالى:

[189] هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين

" هو الذي خلقكم من نفس واحدة وهي نفس آدم عليه السلام " وجعل منها زوجها أي من جنسها، كقوله تعالى: ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا " ليسكن إليها أي ليطمئن إليها ويميل، ولا ينفر، لأن الجنس إلى الجنس أميل، وبه آنس، وإذا كانت بعضا منه كان السكون والمحبة أبلغ، كما يسكن الإنسان [ ص: 2920 ] إلى ولده، ويحبه محبة لكونه بضعة منه. وذكر " ليسكن بعد ما أنث في قوله " واحدة " و " منها زوجها ذهابا إلى معنى النفس، ليبين أن المراد بها آدم ، ولأن الذكر هو الذي يسكن إلى الأنثى ويتغشاها، فكان التذكير أحسن طباقا للمعنى. أفاده الزمخشري . " فلما تغشاها أي وطئها. و(التغشي) كناية عن الجماع، وكذلك الغشيان والإتيان.

" حملت حملا خفيفا أي خف عليها، وذلك أول الحمل، لا تجد المرأة له ألما، إنما هي النطفة، ثم العلقة، ثم المضغة " فمرت به أي فاستمرت به خفيفة، وقامت وقعدت. " فلما أثقلت أي: صارت ذات ثقل، لكبر الولد في بطنها " دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا أي ولدا سويا قد صلح بدنه، أو غلاما " لنكونن من الشاكرين أي على نعمائك التي منها هذه النعمة.
القول في تأويل قوله تعالى:

[190] فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون

" فلما آتاهما صالحا أي كما طلبا " جعلا له شركاء فيما آتاهما أي أخلا بالشكر في مقابلة نعمة الولد الصالح أسوأ إخلال، إذا استبدلوه بالإشراك. وقوله تعالى: " فتعالى الله عما يشركون تنزيه فيه معنى التعجب.

تنبيه:

هذه الآية سيقت توبيخا للمشركين في جنايتهم بالشرك، ونقضهم ميثاقهم، في جريهم على خلاف ما يعاهدون الله عليه، وذلك أنه تعالى ذكر ما أنعم به عليهم من الخلق من نفس واحدة، وجعل أزواجهم من أنفسهم ليأنسوا بهن، ثم إنشائه إياهم بعد الغشيان، متدرجين في أطوار الخلق من العدم إلى الوجود، ومن الضعف إلى القوة، ثم بين إعطاءهم المواثيق إن آتاهم ما يطلبون وولد لهم ما يشتهون، ليكونن من الشاكرين، ثم أخبر عن غدرهم وكفرانهم هذه النعم، التي امتن سبحانه بها عليهم، ونقضهم ميثاقهم في إفراده بالشكر، [ ص: 2921 ] حيث أشركوا معه غيره في ذلك.

ونظير هذه الآية، في الإخبار عن تبديل المشركين نعمة الله كفرا، قوله تعالى في سورة يونس: هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق وقد ذكر المفسرون ههنا أحاديث وآثارا تفهم أن المراد بهذا السياق آدم وحواء . ولا حاجة بنا إلى روايتها لأنها واهية الإسناد معلولة، كما بينه الحافظ ابن كثير في (تفسيره).

وتقبل ثلة من السلف لها وتلقيها، لا يجدي في صحتها شيئا، إذ أصلها مأخوذ من أقاصيص مسلمة أهل الكتاب ، كما برهن عليه ابن كثير . وتهويل بعضهم بأنها مقتبسة من مشكاة النبوة، إذ أخرجها فلان وفلان، من تنميق الألفاظ لتمزيق المعاني، فإن المشكاة النبوية أجل من أن يقتبس منها إلا كل ما عرفت جودته.

إذا علمت ذلك، تبين لك أن من استند إلى تلك الأحاديث والآثار، فذهب إلى أن المراد بالنفس الواحدة وقرينتها، آدم وحواء ، ثم أورد على نفسه أنهما بريئان من الشرك، وأن ظاهر النظم يقتضيه، ثم أخذ يؤوله، إما بتقدير مضاف، أي جعل أولادهما له شركاء، فيما آتى أولادهما، وإما بأن المراد جعل أحدهما وهو ( حواء ) من إطلاق المثنى وإرادة المفرد، وإما بغير ذلك، فإنه ذهب في غير مذهب.

وقد قرر ما ارتضيناه في معنى الآية غير واحد. قال الحسن البصري ، فيما روى عنه ابن جرير : إن الآية عنى بها ذرية آدم ، ومن أشرك منهم بعده. وفي رواية عنه: كان هذا في بعض الملل، ولم يكن بآدم .

قال ابن كثير : والأسانيد إلى الحسن ، في تفسير هذا صحيحة، وهو من أحسن التفاسير، وأولى ما حملت عليه الآية.

[ ص: 2922 ] قال: ولو كان الحديث المرفوع، في أنها في آدم وحواء ، محفوظا عنده من رواية رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما عدل عنه هو ولا غيره، لا سيما مع تقواه وورعه. فهذا يدل على أنه -إن صح- موقوف على الصحابي، لا مرفوع. انتهى.

وقال القفال : إنه تعالى ذكر هذه القصة على تمثيل ضرب المثل، وبيان أن هذه الحالة صورة حالة هؤلاء المشركين في جهلهم، وقولهم بالشرك. وتقرير هذا الكلام، كأنه تعالى يقول: هو الذي خلق كل واحد منكم من نفس واحدة، وجعل من جنسها زوجها إنسانا يساويه في الإنسانية، فلما تغشى الزوج زوجته، وظهر الحمل، دعا الزوج والزوجة ربهما، لئن آتيتنا ولدا صالحا سويا لنكونن من الشاكرين لآلائك ونعمائك، فلما آتاهما الله ولدا صالحا سويا، جعل الزوج والزوجة لله شركاء فيما آتاهما، لأنهم تارة ينسبون ذلك الولد إلى الطبائع، كما هو قول الطبائعيين، وتارة إلى الكواكب، كما هو قول المنجمين، وتارة إلى الأصنام والأوثان، كما هو قول عبدة الأصنام.

وقال الناصر في (الانتصاف) -متعقبا على الزمخشري -: الأسلم والأقرب -والله أعلم- أن يكون المراد جنسي الذكر والأنثى، لا يقصد فيه إلى معين، وكأن المعنى -والله أعلم- خلقكم جنسا واحدا، وجعل أزواجكم منكم أيضا، لتسكنوا إليهن، فلما تغشى الجنس الذي هو الذكر، الجنس الآخر، الذي هو الأنثى، جرى من هذين الجنسين كيت وكيت، وإنما نسب هذه المقالة إلى الجنس، وإن كان فيهم الموحدون، على حد (بنو فلان قتلوا قتيلا)، يعني من نسبة ما صدر من البعض إلى الكل.

فائدة:

قال بعض مفسري الزيدية : ثمرة هذه الآية أنه تعالى لما قال: " فلما أثقلت جعل حال الإثقال يخالف ما قبله، وأنه يختص فيه الدعاء لأجل أنه حال الخوف. وقد ذهب الهادي إلى أن الحامل إذا أتى عليها من الحمل ستة أشهر، كانت تصرفاتها كتصرفات المريض، [ ص: 2923 ] تنفذ من الثلث. وهو قول مالك والليث ، واحتجا بالآية، لأنه تعالى فرق بين حال الخفة والإثقال. وقال غيرهما: تصرفها من الجميع، ما لم يأخذها الطلق. قلنا: إنه يجوز عليها بعد الستة، وضع الحمل في كل وقت. انتهى.

ثم قال: ودلت الآية على أنه يجوز الدعاء لطلب أمور الدنيا، وإن حصول الولد منة يجب الشكر عليها. انتهى.

ثم استأنف تعالى توبيخ المشركين كافة، واستقباح إشراكهم، وإبطاله بالكلية ببيان شأن ما أشركوا به سبحانه وتفصيل أحواله القاضية ببطلان ما اعتقدوه في حقه بقوله سبحانه.
القول في تأويل قوله تعالى:

[191] أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون

" أيشركون أي بخالق الأشياء تعالى وتقدس " ما لا يخلق شيئا أي لا يقدر على خلق شيء ما، كقوله تعالى: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له أي: ومن هذه صفته كيف يعبد؟ ومن حق المعبود أن يكون خالقا لعابده لا محالة. " وهم يخلقون أي بل هم مخلوقون مصنوعون، كما قال الخليل عليه الصلاة والسلام: أتعبدون ما تنحتون
القول في تأويل قوله تعالى:

[192] ولا يستطيعون لهم نصرا ولا أنفسهم ينصرون

" ولا يستطيعون لهم أي لعبدتهم إذا حزبهم أمر " نصرا أي بجلب نفع، أو دفع ضر " ولا أنفسهم ينصرون إذا اعترتهم حادثة من الحوادث، كما قال تعالى: [ ص: 2924 ] وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه وكما كان الخليل عليه الصلاة والسلام يكسر أصنام قومه، ويهينها غاية الإهانة.

وقد حكى ابن كثير أن معاذ بن عمرو بن الجموح ، ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما أسلما لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وكانا شابين، فكانا يعدوان في الليل على أصنام المشركين، يكسرانها ويتلفانها، ويتخذانها حطبا للأرامل، ليعتبر قومهما. وكان لعمرو بن الجموح -وكان سيدا في قومه- صنم يعبده ويطيبه، فكانا يجيئان في الليل، فينكسانه على رأسه، ويلطخانه بالعذرة، فيجيء عمرو بن الجموح ، فيرى ما صنع به، فيغسله ويطيبه، ويضع عنده سيفا، ويقول له: انتصر، ثم يعودان لمثل ذلك، ويعود إلى صنيعه أيضا. حتى أخذاه مرة، فقرناه مع كلب ميت، ودلياه في حبل في بئر هناك، فلما جاء عمرو بن الجموح ، ورأى ذلك نظر فعلم أن ما كان عليه من الدين باطل. وقال:


تالله لو كنت إلها مستدن لم تك والكلب جميعا في قرن


(مستدن: ذليل مستعبد. والقرن: الحبل).

ثم أسلم فحسن إسلامه، وقتل يوم أحد شهيدا، رضي الله عنه وأرضاه.

(انظر سيرة ابن هشام ج2 ص95 طبعة الحلبي. وص303 طبعة جوتنجن).

تنبيه:

قال الجشمي : تدل الآية على صحة الحجاج في الدين، لأن قوله: أيشركون ما لا يخلق الآية - حجاج، وتدل على أن المستحق للعبادة الذي يخلق وينعم ويقدر على النفع والضر هو الله تعالى.
[ ص: 2925 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[193] وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون

" وإن تدعوهم أيها المشركون " إلى الهدى أي إلى ما فيه رشاد " لا يتبعوكم أي إلى مرادكم وطلبتكم " سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون يعني أن هذه الأصنام لا تسمع دعاء من دعاها، كما قال إبراهيم : يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا

وجوز في الآية أن يكون المعنى: وإن تدعوهم إلى أن يهدوكم وتطلبوا منهم، كما تطلبون من الله، الخير والشر، لا يجيبوكم كما يجيبكم الله، لقوله تعالى بعد: فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين
القول في تأويل قوله تعالى:

[194] إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم فادعوهم فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين

" إن الذين تدعون من دون الله أي تعبدونهم وتسمونهم آلهة " عباد أمثالكم أي مخلوقات مماثلة لكم " فادعوهم أمر تعجيز وتبكيت. أي فادعوهم لجلب نفع، أو كشف ضر " فليستجيبوا لكم إن كنتم صادقين أي في زعمكم أنها آلهة.

وقوله تعالى:





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 49.40 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.77 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.27%)]