عرض مشاركة واحدة
  #8  
قديم 23-01-2023, 11:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَعراف
المجلد السابع
صـ 2896 الى صـ 2910
الحلقة (367)




قال الجشمي : تدل الآية على وعيد المعرض عن الكتاب، ووعد من تمسك به، تنبيها [ ص: 2896 ] لنا وتحذيرا عن سلوك طريقتهم. وتدل على أن الاستغفار باللسان، وتمني المغفرة لا ينفع حتى يكون معهما التوبة والعمل.
القول في تأويل قوله تعالى:

[171] وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون

" وإذ نتقنا الجبل فوقهم أي رفعناه " كأنه ظلة أي سحابة " وظنوا أنه واقع بهم أي ساقط عليهم، لأن الجبل لا يثبت في الجو. " خذوا ما آتيناكم أي: وقلنا، أو قائلين: خذوا ما آتيناكم من أحكام التوراة " بقوة أي عزيمة وجد " واذكروا ما فيه أي بالعمل ولا تتركوه كالمنسي " لعلكم تتقون أي مساوئ الأعمال، أو راجين أن تنظموا في سلك المتقين. وهذه الآية كقوله تعالى " ورفعنا فوقهم الطور

وقد روي عن ابن عباس وغيره من السلف: أنهم راجعوا موسى في فرائض التوراة وشرائعها، حتى رفع الله الجبل فوق رؤوسهم، فقال لهم موسى : ألا ترون ما يقول ربي عز وجل؟ لئن لم تقبلوا التوراة بما فيها، لأرمينكم بهذا! فخروا سجدا، فرقا من أن يسقط عليهم رواه النسائي وسنيد .
القول في تأويل قوله تعالى:

[172] وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين

" وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم أي: أخرج من أصلابهم [ ص: 2897 ] نسلهم على ما يتوالدون قرنا بعد قرن، من أنهم كانوا نطفة قذفت إلى رحم الأمهات، ثم جعلت علقة، ثم مضغة، ثم أنشأهم بشرا سويا حيا مكلفا، فجعل خلقه إياهم كذلك، إخراجا من أصلابهم، لأن أصلهم خرج منها، و " من ظهورهم بدل من " بني آدم بدل البعض، وقرئ ((ذرياتهم)). " وأشهدهم على أنفسهم أي أشهد كل واحدة من أولئك الذريات المأخوذين من ظهور آبائهم على نفسها، تقريرا لهم بربوبيته التامة.

قال الجشمي : أي أشهدهم على أنفسهم بما ركب فيهم من دلائل وحدانيته، وعجائب خلقته، وغرائب صنعته، من أعضاء سوية، وحواس مدركة، وجوارح ظاهرة، وأعصاب وعروق وغير ذلك، مما يعلمه من تفكر فيه، وكلها تدل عليه وعلى صفاته ووحدانيته، فبالإشهاد بالأدلة، صار كأنه أشهدهم بقوله.

وقوله تعالى " ألست بربكم على إرادة القول، أي قائلا: ألست بربكم، ومالك أمركم ومربيكم على الإطلاق، من غير أن يكون لأحد مدخل في شأن من شؤونكم، فينتظم استحقاق المعبودية، ويستلزم اختصاصه به تعالى: " قالوا بلى شهدنا أي على أنفسنا بأنك ربنا وإلهنا لا رب غيرك، لأنهم بما ظهر عليهم من آثار الصنعة، صاروا كأنهم قالوا " بلى وإن لم يكن هناك قول باللسان.

فالآية من باب التمثيل المعروف في كلام العرب ، مثل تعالى خلقهم على فطرة التوحيد، وإخراجهم من ظهور آبائهم، شاهدين بربوبيته شهادة لا يخالجها ريب، بحمله إياهم على الاعتراف بها بطريق الأمر، ومسارعتهم إلى ذلك من غير تلعثم أصلا. والقصد من الآية الاحتجاج على المشركين بمعرفتهم ربوبيته تعالى معرفة فطرية، لازمة لهم لزوم الإقرار منهم والشهادة. قال تعالى: فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله والفطرة هي معرفة ربوبيته.

[ ص: 2898 ] وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ » .

والجمعاء سالمة الأذن، والجدعاء مقطوعتها.

وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « يقول الله إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين، فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم » .

وروى الطبري عن الحسن عن الأسود بن سريع قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها » .

قال الحسن : والله لقد قال الله في كتابه: وإذ أخذ ربك من بني آدم
الآية -رواه الإمام أحمد والنسائي - بدون استشهاد الحسن بالآية.

وأما الأخبار المروية في إخراج الذرية من صلب آدم عليه السلام، وتكليمه تعالى إياهم ونطقهم، ثم إعادتهم إلى صلب أبيهم، فغير صحيحة الإسناد. وما حسن إسناده منها فغير صريح في ذلك، بل هو أقرب إلى ألفاظ الآية، كما بينه الحافظ ابن كثير ، قال رحمه الله: ومن ثم قال قائلون من السلف والخلف: إن المراد بهذا الإشهاد فطرهم على التوحيد، كما تقدم في حديث أبي هريرة وعياض والأسود . وقد فسر الحسن الآية بذلك.

قالوا: ومعنى (أشهدهم) أي أوجدهم شاهدين بذلك، قائلين له حالا وقالا. والشهادة [ ص: 2899 ] تارة تكون بالقول، كقوله: قالوا شهدنا على أنفسنا الآية، وتارة تكون حالا كقوله تعالى: ما كان للمشركين أن يعمروا مساجد الله شاهدين على أنفسهم بالكفر أي حالهم شاهدا عليهم بذلك، لأنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: وإنه على ذلك لشهيد كما أن السؤال تارة يكون بالقال، وتارة يكون بالحال، كقوله: وآتاكم من كل ما سألتموه

قالوا: ومما يدل على أن المراد هذا، أن جعل الإشهاد حجة عليهم في الإشراك، فلو كان قد وقع هذا كما قاله من قاله، لكان كل أحد يذكره ليكون حجة عليه. فإن قيل: إخبار الرسول صلى الله عليه وسلم به كاف في وجوده، فالجواب: أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من الإقرار بالتوحيد.

" أن تقولوا أي كراهة أن تقولوا " يوم القيامة أي الذي يسأل فيه عن الربوبية والتوحيد. " إنا كنا عن هذا أي عن ربوبيته وتوحيده " غافلين أي لم ننبه عليه.

فإنهم حيث جبلوا على ما ذكر، صاروا محجوبين عاجزين عن الاعتذار بذلك، إذ لا سبيل لأحد إلى إنكار ما ذكر من خلقهم على الفطرة السليمة.
القول في تأويل قوله تعالى:

[173] أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون

" أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا أي سنوا الإشراك واخترعوه " من قبل أي من قبل زماننا " وكنا ذرية من بعدهم أي فنشأنا على طريقتهم، احتجاجا بالتقليد، [ ص: 2900 ] وتعويلا عليه، فقد قطعنا العذر بما بينا من الآيات. " أفتهلكنا بما فعل المبطلون أي أتؤاخذنا بما فعل آباؤنا من الشرك، وأسسوا من الباطل، أو بفعل آبائنا الذين أبطلوا تأثير العقول، وأقوال الرسل؟ والاستفهام للإنكار، أي أنت حكيم لا تأخذ الأبناء بفعل الآباء، وقد سلكنا طريقهم والحجة عليهم بما شرعوا لنا من الباطل. والمعنى: أزلنا الشبهتين بأن الإقرار بالربوبية والتوحيد، هو في أصل فطرتكم، فلم لم ترجعوا إليه عند دعوة العقول والرسل؟ والفطرة أكبر دليل، فهي تسد باب الاعتذار بوجه ما، لا سيما والتقليد عند قيام الدلائل، والقدرة على الاستدلال بها، مما لا مساغ له أصلا.

تنبيهات:

الأول: وافق الإمام ابن كثير ، في هذا المقام أيضا الجشمي في تفسيره، قال: ويروي أصحاب الحديث عن أسلافهم من الآثار موقوفة ومرفوعة، ويجعلون ذلك تأويلا للآية، وهو أنه تعالى مسح ظهر آدم ، فأخرج منه ذريته، أمثال الذر، فقال: ألست بربكم؟ فقالوا: بلى طائعين، ثم أعادهم في صلب آدم . وإن تأويل الآية على ذلك.

قال: وقد ذكر مشايخنا رحمهم الله أن ذلك فاسد، وأن ظاهر الآية يخالف ذلك، وذكروا في الرواية ما نذكره. قالوا: فمما يدل على فساده وجوه.

منها: أنه لو كان حال كما ذكروا، لذكرناه، لأن مثل ذلك الأمر العظيم لا ينساه العاقل، خصوصا إذا كان أشهادا عليه، ليعمل به.

ومنها: ما ذكره شيخنا أبو علي ، أن ظهر آدم لا يسع هذا الجمع العظيم، وهذا شنيع من الكلام.

ومنها: أنه ذكر أنه خلقنا من نطفة، وكل ولد ولد من أب ومن نطفة، فلو خلقهم ابتداء لا من شيء، لم يصح ذلك.

ومنها: أن الجزء الواحد، لا يجوز أن يكون حيا عاقلا، لأن تلك البنية، لا تحمل الحياة، فلا بد من أن يكون مؤلفا من أجزاء، وحينئذ لا يصح أن يكون الجميع في ظهر آدم .

[ ص: 2901 ] ومنها: أنه يفتح باب التناسخ، والقول بالرجعة، لأن لهم أن يقولوا: إذا جاز الإعادة ثمة، لم ينكر التناسخ.

ومنها: أنه لا بد أن يكون فيه فائدة، وفائدته أن يذكره ليجري على تلك الطريقة، وإذا لم يذكره بطلت فائدته.

ومنها: أن الاعتراف لا يصح إلا وقد تقدم حال لهم عرفوا ذلك، فكيف يصح في ابتداء الخلق، إلى غير ذلك مما لا يقبله العقل.

ثم قال: قال مشايخنا رحمهم الله: والآية ظاهرها بخلاف قولهم من وجوه:

منها: أنه قال " وإذ أخذ ربك من بني آدم ولم يقل (من آدم ). وقال: (من ظهورهم) ولم يقل (من ظهره)، وقال: " ذريتهم ولم يقل: ذريته.

ومنها: أنه قال: " أن تقولوا يعني فعل ذلك، لكيلا تقولوا: إنا كنا عن هذا غافلين. وأي غفلة أعظم من أن جميع العقلاء لا يذكرون شيئا من ذلك.

ومنها: أنه قال: " إنما أشرك آباؤنا ولم يكن لهم يومئذ أب مشرك. وكل ذلك يبين فساد ما قالوا، ولم يصحح أحد من مشايخنا هذه الرواية، ولا قبلها، بل ردها، غير أبي بكر أحمد بن علي ، فإنه جوز ذلك من غير قطع على صحته، غير أنه قال: ليس ذلك بتأويل الآية، وذكر أن فائدة ذلك أن يجروا على الأعراق الكريمة في شكر النعمة، والإقرار بالربوبية. كما قال: إنهم ولدوا على الفطرة، قال: وأخرجهم كالذر ثم ألهمهم حتى قالوا بلى. انتهى ما قاله الجشمي .

الثاني: تدل الآية على فساد التقليد في الدين، وتدل على أنه تعالى أزال العذر، وأزاح العلة، وبعدها لا يعذر أحد. ذكره الجشمي .

الثالث: استدل بهذه الآية والأحاديث المتقدمة في معناها، أن معرفته تعالى فطرية ضرورية، قال تعالى: قالت رسلهم أفي الله شك وقال تعالى: ولئن سألتهم [ ص: 2902 ] من خلق السماوات والأرض ليقولن الله

قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم سيقولون لله قل أفلا تتقون

وعن عمران بن حصين قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي: « يا حصين : كم تعبد اليوم إلها؟ » قال أبي: سبعة، ستا في الأرض، وواحدا في السماء؟ قال: « فأيهم تعد لرغبتك ورهبتك؟ » قال: الذي في السماء . - رواه الترمذي - فالله تعالى فطر الخلق كلهم على معرفته فطرة توحيد، حتى من خلق مجنونا مطبقا مصطلما لا يفهم شيئا، ما يحلف إلا به، ولا يلهج لسانه بأكثر من اسمه المقدس، فطرة بالغة.

قال التقي ابن تيمية : إن الإقرار والاعتراف بالخالق فطري ضروري في نفوس الناس، وإن كان بعض الناس قد يحصل له ما يفسد فطرته، حتى يحتاج إلى نظر يحصل له به المعرفة وهذا قول جمهور الناس، وعليه حذاق النظار؛ أن المعرفة تحصل بالضرورة، وقد تحصل بالنظر لمن فسدت فطرته، كما اعترف بذلك خلائق من أئمة المتكلمين.

وقال أيضا: ذهب طوائف من النظار إلى أن معرفة الله واجبة، ولا طريق لها إلا بالنظر فأوجبوا النظر على كل أحد. وهذا القول إنما اشتهر في الأمة عن المعتزلة ونحوهم. ولهذا قال أبو جعفر السمناني وغيره: إيجاب الأشعري النظر في المعرفة بقية بقيت عليه من الاعتزال.

وذكر رحمه الله أن الذي يدل عليه كلام الأئمة والسلف -وهو أعدل الأقوال- أن النظر يجب في حال دون حال، وعلى شخص دون شخص، فوجوبه من العوارض التي تجب على بعض الناس في بعض الأحوال، لا من اللوازم العامة. والذين أوجبوا النظر ليس معهم ما يدل على عموم وجوبه، إنما يدل على أنه قد يجب، كقوله تعالى: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض [ ص: 2903 ] وقوله: فلينظر الإنسان مم خلق فإنه خطاب مع المتكبرين الجاحدين، أمروا بالنظر، ليعرفوا الحق، ويقروا به، ولا ريب أن النظر يجب على هؤلاء.

قال أبو حيان التوحيدي في (مقابساته)، في المقابسة الثانية والأربعين: قيل لأبي الخير : حدثنا عن معرفة الله، تقدس وعلا، ضرورة هي أم استدلال؟ فإن المتكلمين في هذا اختلفوا اختلافا شديدا، وتنابذوا عليه تنابذا بعيدا، ونحب أن يحصل لنا جواب، فيفسر على حد الاختصار مع البيان.

فقال: هي ضرورة من ناحية العقل، واستدلال من ناحية الحس، ولما كان كل مطلوب من العلم إما أن يطلب بالعقل في المعقول، أو بالحس في المحسوس، ساغ أن يظن مرة أن معرفته تعالى اكتساب واستدلال، لأن الحسن يتصفح ويستقوي بمؤازرة العقل ومظاهرته وتحصيله. وأن يظن تارة أنها ضرورة، فإن العقل السليم من الآفة، البريء من العاهة، يحث على الاعتراف بالله تقدس اسمه، ويحظر على صاحبه جحده وإنكاره والتشكك فيه، لكن ضرورة لائقة بالعقل. لأن ضرورة العقل ليست كضرورة الحس، لأن ضرورة الحس فيها جذب واختيار، وحمل وإكراه، وضرورة العقل لطيفة جدا. لأنه يعظ ويلاطف وينصح ويخفف.

ثم ضرب مثلا لطيفا، وقال بعده: فعلى هذا، فإن الله تقدس اسمه، معروف عند العقل بالاضطرار، لا ريب عنده في وجوده، ومستدل عليه عند الحس، لأنه يستحيل كثيرا، ولا يثبت أصلا، فمن استدل ترقى من الجزئيات، ومن ادعى الاضطرار انحدر من الكليات.

وكلا الطريقين قد وضح بهذا الاعتبار، وكفي مؤونة الخبط والإكثار. فأما ما ينظر منه في الجدال، فلا يرث منه إلا الشك والفرقة والحمية والعصبية، وهناك للهوى ولادة وحضانة، وللباطل استيلاء وجولة، وللحيرة ركود وإقامة. أخذ الله بأيدينا، وكفانا الهوى الذي يؤذينا. انتهى.

وقوله تعالى:
[ ص: 2904 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[174] وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون

" وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون أي مثل ما ذكرنا، نبين الأدلة والحجج، ليرجعوا إلى الحق.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[175] واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين

" واتل عليهم أي على قومك أو على اليهود " نبأ الذي آتيناه آياتنا أي علم الكتاب، فلطف به حتى تعلم وفهم المعاني، وصار عالما بها " فانسلخ منها بأن نزع العلم عنه فكفر بها، وخرج منها خروج الحية من جلدها " فأتبعه الشيطان أي فلحقه وأدركه وصار قرينا له حتى أضله " فكان من الغاوين
القول في تأويل قوله تعالى:

[176] ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون

" ولو شئنا لرفعناه بها أي لعظمناه بالعمل بها " ولكنه أخلد إلى الأرض أي مال إلى الدنيا ورغب فيها " واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث وذلك لأنه استوى في حقه إيتاء الآيات، والتكليف بها، والتعظيم من أجلها، وعدم ذلك. كالكلب يدلع لسانه بكل حال، إن تحمل عليه، أي [ ص: 2905 ] تشد عليه وتهيجه، أو تتركه غير متعرض له بالحمل عليه، فلهثه موجود في الحالتين جميعا. ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا أي من التوراة أو غيرها " فاقصص القصص لعلهم يتفكرون
القول في تأويل قوله تعالى:

[177] ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون

" ساء مثلا أي ما مثل به " القوم الذين كذبوا بآياتنا أي حيث شبهوا بالكلاب، إما في استواء الحالتين في النقصان وأنهم ضالون، وعظوا أم لم يوعظوا كما قدمنا، وإما في الخسة، فإن الكلاب لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة، فمن خرج عن حيز الهدى والعلم، وأقبل على هواه، صار شبيها بالكلب، وبئس المثل مثله. ولهذا ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم قال: « ليس لنا مثل السوء، العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه » .

" وأنفسهم كانوا يظلمون اعلم أن من السلف من ذهب إلى أن هذه الآية مثل ضربه الله لمن عرض عليه الإيمان فأبى أن يقبله وتركه، وهو قول قتادة وعكرمة واختاره أبو مسلم ، حيث قال: قوله " آتيناه آياتنا أي بيناها، فلم يقبل، وعرى منها. وسواء قولك: انسلخ وعرى وتباعد، وهذا يقع على كل كافر لم يؤمن بالأدلة، وأقام على الكفر. قال: ونظيره قوله تعالى: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نـزلنا مصدقا لما معكم وقال في حق فرعون ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى ومنهم من ذهب إلى أن الموصول فيها أريد به معين، فروي عن عبد الله بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم [ ص: 2906 ] وأبي روق أنه أمية بن أبي الصلت ، فإنه كان قد قرأ الكتب، وعلم أن الله مرسل رسولا في ذلك الوقت، ورجا أن يكون هو، فلما أرسل الله محمدا عليه الصلاة والسلام، حسده، ثم مات كافرا، ولم يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وهو الذي قال فيه رسول الله: « إنه آمن شعره وكفر قلبه » يريد أن شعره كشعر المؤمنين، وذلك أنه يوحد الله في شعره، ويذكر دلائل توحيده.

وقيل: نزلت في أبي عامر الراهب ، الذي سماه النبي صلى الله عليه وسلم (الفاسق)، كان يترهب في الجاهلية، فلما جاء الإسلام خرج إلى الشام ، وأمر المنافقين باتخاذ مسجد الضرار والشقاق، وأتى قيصر واستنجده على النبي صلى الله عليه وسلم، فمات هناك طريدا وحيدا. وهو قول سعيد بن المسيب .

وقيل نزلت في منافقي أهل الكتاب كانوا يعرفون النبي صلى الله عليه وسلم، فأنكروه. عن الحسن والأصم .

وقيل: إنه فرعون ، والآيات آيات موسى ، كأنه لما اقتص أنباء بني إسرائيل عاد إلى قصة فرعون وضرب له المثل.

ومن الأقوال التي تناقلها المفسرون أنها نزلت في بلعام بن بعور ، ويحكون عنه قصة لم ترو في جوامع الآثار الصحيحة عندنا، ولا هي مطابقة لما عند أهل الكتاب فقد ذكر نبؤه في الفصل الثاني والعشرين والثالث والعشرين من سفر العدد، من تاريخ التوراة، بغير ما يرويه المفسرون عنه، ثم رأيت الجشمي لم يصحح ذلك، فحمدت المولى على الموافقة. وعبارته: (وعن مجاهد قال: هو نبي يقال له بلعم ، رشاه قومه فكفر. وهذا لا يجوز، لأن الأنبياء لا يجوز عليهم الكفر، لأن ذلك ينفر الخلق عن الأنبياء، والقبول منهم، ويحقرهم [ ص: 2907 ] في النفوس، ولأنهم حجج الله على خلقه اصطفاهم. فالأقرب أنه لا يصح عن مجاهد . انتهى. وهو كذلك لأن من قرأ نبأه السفر المتقدم، رأى من ثباته، وعدم موافقته لبالاق، ملك مواب، على ما أراده منه -ما يبرئه عن ذلك.

تنبيه:

قال الجشمي : إن قيل: كيف تتصل الآية بما قبلها؟ قلنا: على القول بأنه عنى بها فرعون فقد اتصلت قصته بقصة بني إسرائيل . وقيل لما نهى عن تقليد الآباء في الدين، بين في هذه الآية حال علماء السوء، الذين يختارون الدنيا على الآخرة، نهيا عن تقليدهم واتباعهم، كما نهى عن تقليد الآباء. وقيل: لما تقدم ذكر أخذ الميثاق، بين حال من آتاه الله الآيات فانسلخ منها ولم يتبعها. اهـ.
القول في تأويل قوله تعالى:

[178] من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون

" من يهد الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون قال أبو السعود : لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقص قصص المنسلخ على هؤلاء الضالين الذين مثلهم كمثله، ليتفكروا فيه، ويتركوا ما هم عليه من الإخلاد إلى الضلالة، ويهتدوا إلى الحق- عقب ذلك بتحقيق أن الهداية والضلالة من جهة الله عز وجل، وإنما العظة والتذكير من قبيل الوسائط العادية في حصول الاهتداء، من غير تأثير لها فيه، سوى كونها دواعي إلى صرف العبد اختياره نحو تحصيله، حسبما نيط به خلق الله تعالى إياه، كسائر أفعال العباد.
[ ص: 2908 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[179] ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون

" ولقد ذرأنا أي خلقنا " لجهنم أي لدخولها والتعذيب بها " كثيرا من الجن والإنس وهم الكفار من الفريقين، الموصوفون بقوله تعالى " لهم قلوب لا يفقهون بها أي: آيات الله الهادية إلى الكمالات " ولهم أعين لا يبصرون بها أي دلائل وحدته، بصر اعتبار " ولهم آذان لا يسمعون بها أي الآيات والمواعظ سماع تدبر واتعاظ، يعني أنهم لا ينتفعون بشيء من هذه الجوارح التي جعلها الله سببا للهداية، كما قال تعالى: وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله " أولئك كالأنعام أي السارحة التي لا تنتفع بهذه الحواس منها، إلا في الذي يقيتها، كقوله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء أي: ومثلهم في حال دعائهم إلى الإيمان، كمثل الأنعام إذا دعاها راعيها، لا تسمع إلا صوته، ولا تفقه ما يقول.

وقوله تعالى: " بل هم أضل أي الأنعام، إذ ليس للأنعام قوة تحصيل تلك الكمالات ودفع تلك النقائص، وهم مع ما لهم من تلك القوة قد خلوا عن الكمالات، وعن دفع أضدادها، فكانوا أردأ حالا منها، لنقصهم مع وجود قوة الكمال فيهم. وأيضا: الأنعام تبصر منافعها ومضارها، فتلزم بعض ما تبصره، وهؤلاء أكثرهم يعلم أنه معاند، فيقدم على النار.

وأيضا: الأنعام قد تستجيب لراعيها، وإن لم تفقه كلامه، بخلاف هؤلاء، وأيضا: إنها تفعل ما خلقت له، إما بطبعها، وإما بتسخيرها، بخلاف هؤلاء، فإنهم خلقوا ليعبدوا الله، ويوحدوه، [ ص: 2909 ] فكفروا به وأشركوا. " أولئك هم الغافلون " أي عن تلك الكمالات والنقائص، ليهتموا لتحصيلها ودفعها، اهتمامهم لجر المنافع الدنيوية، ودفع مضارها.

تنبيه:

قال أبو السعود : المراد بهؤلاء الذين ذرئوا لجهنم، الذين حقت عليهم الكلمة الأزلية بالشقاوة، لكن لا بطريق الجبر، من غير أن يكون من قبلهم ما يؤدي إلى ذلك، بل لعلمه تعالى بأنهم لا يصرفون اختيارهم نحو الحق أبدا، بل يصرون على الباطل من غير صارف يلويهم ولا عاطف يثنيهم من الآيات والنذر. فبهذا الاعتبار جعل خلقهم مغيا بها، كما أن جميع الفريقين باعتبار استعدادهم الكامل الفطري للعبادة، وتمكنهم التام منها، جعل خلقهم مغيا بها. كما نطق به قوله تعالى: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون وقوله تعالى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[180] ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون

" ولله الأسماء الحسنى روى مقاتل أن رجلا دعا الله في صلاته، ودعا الرحمن، فقال بعض المشركين: إن محمدا وأصحابه يزعمون أنهم يعبدون ربا واحدا، فما بال هذا يدعو اثنين؟ فنزلت الآية .

و (الحسنى) تأنيث (الأحسن)، والمعنى: لله الأسماء التي هي أحسن الأسماء وأجلها، لإنبائها عن أحسن المعاني وأشرفها: " فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه أي يميلون عن الإقرار بها ويجحدونها، ويعدلون عنها كفرا بها. كقوله تعالى: وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا أي زادهم ذكر الرحمن نفورا، ولذا قال تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء وقوله تعالى: سيجزون ما كانوا يعملون يعني في الآخرة، من جحدهم إياها ونفورهم عن الإيمان بها.

[ ص: 2910 ] تنبيهات:

الأول: قال السيد محمد بن المرتضي اليماني في (إيثار الحق): مقام معرفة كمال هذا الرب الكريم، وما يجب له من نعوته وأسمائه الحسنى، من تمام التوحيد، الذي لا بد منه، لأن كمال الذات بأسمائها الحسنى، ونعوتها الشريفة، ولا كمال لذات لا نعت لها ولا اسم.

ولذلك عد مذهب الملاحدة في مدح الرب بنفيها، من أعظم مكائدهم للإسلام، فإنهم عكسوا المعلوم عقلا وسمعا، فذموا الأمر المحمود ومدحوا الأمر المذموم، القائم مقام النفي والجحد المحض، وضادوا كتاب الله ونصوصه الساطعة.

قال الله جل جلاله: ولله الأسماء الحسنى الآية. وقال: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن الآية، فما كان منها منصوصا في كتاب الله، وجب الإيمان به على الجميع، والإنكار على من جحده، أو زعم أن ظاهره اسم ذم لله سبحانه، وما كان في الحديث وجب الإيمان به على من عرف صحته، وما نزل عن هذه المرتبة، أو كان مختلفا في صحته، لم يصح استعماله، فإن الله أجل من أن يسمى باسم لم يتحقق أنه تسمى به. انتهى.






__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 47.45 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 46.82 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.32%)]