عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 23-01-2023, 11:42 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,772
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَعراف
المجلد السابع
صـ 2851 الى صـ 2865
الحلقة (364)




" فلما تجلى ربه للجبل أي: ظهر له وبان -قاله الزجاج - " جعله أي التجلي " دكا [ ص: 2851 ] أي مفتتا، فلم يستقر مكانه. فنبه تعالى على أن الجبل ، مع شدته وصلابته، إذا لم يستقر، فالآدمي مع ضعف بنيته أولى بأن لا يستقر، وفيه تسكين لفؤاد موسى ، بأن المانع من الانكشاف الإشفاق عليه، وأما أن المانع محالية الرؤية، فليس في القرآن إشارة إليه.

" وخر أي وقع " موسى صعقا أي: مغشيا عليه من هول ما رأى. " فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك أي من الإقدام على سؤالي الرؤية " وأنا أول المؤمنين أي بأنه لا يستقر لرؤيتك أحد في هذه النشأة.

قال في (الانتصاف): إنما سبح موسى عليه السلام لما تبين له من أن العلم قد سبق بعدم وقوع الرؤية في الدنيا، والله تعالى مقدس عن وقوع خلاف معلومه، وعن الخلف في خبره الحق وقوله الصدق، فلما تبين أن مطلوبه كان خلاف المعلوم، سبح الله، وقدس علمه وخبره عن الخلف.

وأما التوبة في حق الأنبياء فلا تستلزم كونها عن ذنب، لأن منصبهم الجليل ينبغي أن يكون منزها مبرأ من كل ما ينحط به، ولا شك أن التوقف في سؤال الرؤية على الإذن كان أكمل. وقد ورد: (سيئات المقربين، حسنات الأبرار).

تنبيه:

قال المتكلمون: دلت الآية على جواز رؤيته تعالى من وجهين:

الأول: أن سؤال موسى عليه السلام الرؤية يدل على إمكانها، لأن العاقل، فضلا عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا يطلب المحال، ولا مجال للقول بجهل موسى عليه السلام بالاستحالة، فإن الجاهل بما لا يجوز على الله، لا يصلح للنبوة، إذ الغرض من النبوة هداية الخلق إلى العقائد الحقة، والأعمال الصالحة، ولا ريب في نبوة موسى عليه السلام، وأنه من أولي العزم.

الثاني: أنه تعالى علق الرؤية على استقرار الجبل ، وهو أمر ممكن في نفسه والمعلق على الممكن ممكن، لأن معنى التعليق الإخبار بوقوع المعلق عند وقوع المعلق به، والمحال لا يثبت على شيء من التقادير الممكنة.

[ ص: 2852 ] وأما زعم المعتزلة أن الرؤية مجاز عن العلم الضروري، فمعنى قوله: " أرني " أي: اجعلني عالما بك علما ضروريا خلاف الظاهر. فإن النظر الموصول ب(إلى) نص في الرؤية البصرية فلا يترك بالاحتمال، مع أن طلب العلم الضروري لمن يخاطبه ويناجيه غير معقول. وكذا زعمهم أن موسى عليه السلام، كان سألها لقومه، حيث قالوا: لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فسأل ليعلموا امتناعها، فإنه خلاف الظاهر، وتكلف يذهب رونق النظم، فترده ألفاظ الآية. وقد ثبت وقوع رؤيته تعالى في الآخرة، بالكتاب والسنة، أما الكتاب فلقوله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة وأما السنة فلا تحصى أحاديثها ولكن إذا أصيب أحد بداء المكابرة في الحق الصراح، عسر إقناعه مهما قوي الدليل وعظمت الحجة.

قال في (فتح البيان): رؤيته تعالى في الآخرة، ثبتت بها الأحاديث المتواترة تواترا لا يخفى على من يعرف السنة المطهرة، والجدال في مثل هذا والمراوغة لا تأتي بفائدة. ومنهج الحق واضح، ولكن الاعتقاد لمذهب نشأ الإنسان عليه، وأدرك عليه أباه، وأهل بلده، مع عدم التنبه لما هو المطلوب من العباد من هذه الشريعة المطهرة يوقع في التعصب. والمتعصب، وإن كان بصره صحيحا، فبصيرته عمياء، وأذنه عن سماع الحق صماء، يدفع الحق وهو يظن أنه ما دفع غير الباطل، ويحسب أن ما نشأ عليه هو الحق، غفلة منه، وجهلا بما أوجبه الله عليه من النظر الصحيح، وتلقي ما جاء به الكتاب والسنة بالإذعان والتسليم، وما أقل المنصفين بعد ظهور هذه المذاهب في الأصول والفروع، فإنه صار بها باب الحق مرتجا، وطريق الإنصاف مستوعرة، والأمر لله سبحانه والهداية:


يأبى الفتى إلا اتباع الهوى ومنهج الحق له واضح


انتهى.

وهذا تعريض بالمعتزلة ، وفي مقدمتهم الزمخشري ، وقد انتقل -عفا الله عنه- أخيرا إلى [ ص: 2853 ] هجاء أهل السنة بما أنشده:


لجماعة سموا هواهم سنة وجماعة حمر لعمري موكفه
قد شبهوه بخلقه وتخوفوا شنع الورى فتستروا بالبلكفه


والبلكفة نحت، كالبسملة، أي بقولهم (بلا كيف).

قال في (الانتصاف): ولولا الاستنان بحسان بن ثابت الأنصاري ، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاعره، والمنافح عنه، وروح القدس معه، لقلنا لهؤلاء المتلقبين بالعدلية وبالناجين سلاما، ولكن كما نافح حسان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءه، فنحن ننافح عن أصحاب سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعداءهم، فنقول:


وجماعة كفروا برؤية ربهم حقا ووعد الله ما لن يخلفه
وتلقبوا عدلية قلنا: أجل عدلوا بربهم فحسبهمو سفه
وتلقبوا الناجين. كلا إنهم إن لم يكونوا في لظى فعلى شفه


وقال أبو حيان في الرد عليه:


شبهت جهلا صدر أمة أحمد وذوي البصائر بالحمير الموكفه
وجب الخسار عليك فانظر منصفا في آية الأعراف فهي المنصفه
أترى الكليم أتى بجهل ما أتى وأتى شيوخك ما أتوا عن معرفه
إن الوجوه إليه ناظرة بذا جاء الكتاب فقلتم: هذا سفه
نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى فهوى الهوى بك في المهاوي المتلفه


وقال العلامة الجاربردي :


عجبا لقوم ظالمين تستروا بالعدل. ما فيهم لعمري معرفه
قد جاءهم من حيث لا يدرونه تعطيل ذات الله مع نفي الصفه

وقد ساق السبكي في (طبقاته) في ترجمة الجاربردي عدة قصائد ومقاطيع في الرد عليه، ثم ذكر الله تعالى أنه خاطب موسى باصطفائه، بقوله سبحانه:
[ ص: 2854 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[144] قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين

" قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس أي اخترتك على أهل زمانك، وآثرتك عليهم " برسالاتي وبكلامي أي: وبتكليمي إياك " فخذ ما آتيتك أي ما أعطيتك من شرف النبوة والمناجاة " وكن من الشاكرين أي على النعمة في ذلك.
القول في تأويل قوله تعالى:

[145] وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين

" وكتبنا له في الألواح من كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء من الحلال والحرام. " فخذها بقوة أي بعزم على العمل بما فيها " وأمر قومك يأخذوا بأحسنها أي بما أمروا به دون ما نهوا عنه " سأريكم دار الفاسقين وهي الأرض التي وعدوا بها من فلسطين ، فإنهم لم يعطوها إلا بعد أربعين سنة من خروجهم من مصر ، وبقائهم في البرية. فإن موسى عليه السلام، لما مات، خلفه يشوع بن نون ، فحارب الأمم والملوك الذين كانوا يسكنون أرض كنعان ، وفتح بلادهم، وصارت ملكا للإسرائيليين.

تنبيه:

قال الجشمي : تدل الآية على حدوث كلامه، لأن قوله " اصطفيتك أي اختصصتك به، ولو كان قديما لكان موسى وغيره سواء، ولما صح الاختصاص، ويدل [ ص: 2855 ] قوله: " وكتبنا أنه أعطاه التوراة مكتوبة في الألواح عند الميقات، لتكون محروسة، وليبلغه الحاضرون إلى الباقين، ليقع لهم العلم ضرورة. ويدل على أن في التوراة شرائع، وجميع ما يحتاج إليه. ويدل قوله " بقوة أن العبد قادر على الفعل قبل الفعل، وأنه يفعل بقدرة. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[146] سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين

" سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض أي سأمنع فهم الحجج والأدلة الدالة على عظمتي وشريعتي وأحكامي، قلوب المتكبرين عن طاعتي، والمتكبرين على الناس، أي فكما استكبروا أذلهم الله بالجهل، كقوله تعالى: ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة وقوله تعالى: فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم

وقوله تعالى " بغير الحق إما صلة للفعل، أي يتكبرون بما ليس بحق، وهو دينهم الباطل، أو حال من فاعله، أي يتكبرون غير محقين. " وإن يروا كل آية أي حجة من الآيات والحجج المنزلة عليهم. " لا يؤمنوا بها تكبرا عليها " وإن يروا سبيل الرشد يعني طريق الحق والهدى والاستقامة واضحا ظاهرا " لا يتخذوه سبيلا لمنافاته أهويتهم " وإن يروا سبيل الغي أي الضلال عن الحق والهلاك " يتخذوه سبيلا أي طريقا يميلون إليه " ذلك أي الصرف عن الآيات، أو اتخاذهم الغي سبيلا. " بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين أي: لاهين لا يتفكرون فيها، ولا يتعظون بها، أو غافلين عما ينزل بهم من مخافة الرسل .
ثم بين وعيد المكذبين بقوله:

[ ص: 2856 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[147] والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبطت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون

" والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة أي القيامة، وهي الكرة الثانية، سميت آخرة لتأخرها عن الدنيا، " حبطت أعمالهم أي بطلت، فلم تعقب نفعا، والمراد جزاء أعمالهم، لأن الحابط إنما يصح في المنتظر، دون ما تقضى، وهذا كقوله ليروا أعمالهم

" هل يجزون إلا ما كانوا يعملون أي إلا جزاء عملهم من الكفر والمعاصي.

تنبيه:

ذهب بعضهم إلى أن قوله تعالى " سأصرف عن آياتي إلخ، كلام مع قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو متصل بما سبق من قصصهم، وهو أولم يهد إلخ.

وإيراد قصة موسى وفرعون للاعتبار.

وقال الكعبي وأبو مسلم الأصفهاني : إن هذا الكلام تمام لما وعد الله موسى عليه السلام به من إهلاك أعدائه، ومعنى صرفهم إهلاكهم، فلا يقدرون على منع موسى من تبليغها، ولا على منع المؤمنين من الإيمان بها، وهو شبيه بقوله: بلغ ما أنـزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس فأراد تعالى أن يمنع أعداء موسى عليه السلام من إيذائه، ومنعه من القيام بما يلزمه في تبليغ النبوة والرسالة. انتهى. والله أعلم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[148] واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين

" واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار يخبر تعالى عن [ ص: 2857 ] ضلال من ضل من بني إسرائيل في عبادتهم العجل الذي اتخذه لهم السامري من حلي القبط، الذي كانوا استعاروه منهم، فشكل لهم منه عجلا، جسدا لا روح فيه، وقد احتال بإدخال الريح فيه، حتى صار يسمع له خوار، أي صوت كصوت البقر، وإنما أضاف الصوت إليه، لأنه كان محله عند دخول الريح جوفه، وكان هذا منهم بعد ذهاب موسى لميقات ربه تعالى وأعلمه الله تعالى بذلك وهو على الطور ، حيث يقول إخبارا عن نفسه الكريمة: فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري

لطائف:

قال الزمخشري : فإن قلت: لم قيل " واتخذ قوم موسى عجلا " والمتخذ هو السامري ؟ قلت: فيه وجهان:

أحدهما: أن ينسب الفعل إليهم، لأن رجلا منهم باشره، ووجد فيما بين ظهرانيهم، كما يقال: (بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا) والقائل والفاعل واحد. ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه، راضين له، فكأنهم أجمعوا عليه.

والثاني: أن يراد: واتخذوه إلها وعبدوه. فإن قلت: لم قال " من حليهم ولم يكن الحلي لهم، إنما كانت عوارى في أيديهم؟ قلت: الإضافة تكون بأدنى ملابسة وكونها في أيديهم عوارى، كفى به ملابسة، على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين، كما قال تعالى: وأورثناها بني إسرائيل انتهى.

قال النسفي : وفيه دليل على أن من حلف أن لا يدخل دار فلان، فدخل دارا استعارها يحنث، وأن الاستيلاء على أموال الكفار يوجب زوال ملكهم عنها. انتهى.

والحلي بضم الحاء والتشديد، جمع (حلي) بفتح فسكون، ك(ثدي وثدي)، وهو اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة.

[ ص: 2858 ] وقوله تعالى: " ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا تقريع على فرط ضلالهم وإخلالهم بالنظر، والمعنى: ألم يروا، حين اتخذوه إلها، أنه لا يقدر على كلام، ولا على إرشاد سبيل، كآحاد البشر؟ فهو جماد لا ينفع ولا يضر، فكيف يكون إلها؟

وقوله تعالى " اتخذوه تكرير لتأكيد الذم، أي اتخذوه إلها وعبدوه " وكانوا ظالمين أي: واضعين الأشياء في غير مواضعها، والجملة إما استئنافية، أو اعتراض تذييلي للإخبار بأن ذلك دأبهم وعادتهم قبل ذلك، فلا ينكر هذا منهم. أو حالية، أي: اتخذوه في هذه الحالة المستقرة لهم.

تنبيه:

قال الجشمي : تدل الآية على صحة الحجاج في الدين، وأنه تعالى دلهم، في بطلان اتخاذ العجل إلها، بأنه لا يتكلم ولا يهدي، وإنما ذكر الكلام لأن الخوار تنفد فيه الحيلة، ولا تنفد في الكلام. وتدل على أن إزالة الشبه في الدين واجب، كما أزالها الله تعالى، وتدل على أن القوم كانوا جهالا غير عارفين حقيقة الأشياء، لذلك عبدوا العجل، وتدل على أن تلك الحلي كانت ملكا لبني إسرائيل لذلك قال " حليهم فإن ثبت أنهم استعاروه، فيدل على زوال ملكهم، وانتقال الملك إلى بني إسرائيل كما تملك أموال أهل الحرب، وتدل على أن الاتخاذ فعلهم.

القول في تأويل قوله تعالى:

[149] ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين

" ولما سقط في أيديهم أي: ندموا على عبادة العجل " ورأوا أي علموا وأيقنوا " أنهم قد ضلوا أي: عن الحق والهدى. " قالوا لئن لم يرحمنا ربنا أي بقبول توبتنا " ويغفر لنا أي: ما قدمنا من عبادة العجل " لنكونن من الخاسرين أي: بالعقوبة، أي: ممن خسروا أعمالهم وأعمارهم.

[ ص: 2859 ] لطيفة:

يقال للنادم على ما فعل، الحسر على ما فرط منه (قد سقط في يده) و (أسقط) مضمومتين -قاله الزجاج -.

وقال الفراء : يقال سقط في يده وأسقط، من الندامة، و (سقط) أكثر وأجود.

وأنكر أبو عمرو (أسقط) بالألف، وجوزه الأخفش .

قال الزمخشري : من شأن من اشتد ندمه وحسرته، أن يعض يده غما، فتصير يده مسقوطا فيها، لأن فاه قد وقع فيها.

وقال الزجاج : معناه: سقط الندم في أيديهم، أي: في قلوبهم وأنفسهم، كما يقال: حصل في يده مكروه، وإن كان محالا أن يكون في اليد، تشبيها لما يحصل في القلب وفي النفس، بما يحصل في اليد، ويرى بالعين. انتهى.

وقال الفارسي : أي: ضربوا أكفهم على أكفهم من الندم، فإن صح ذلك فهو إذن من السقوط.

وفي (العباب): هذا نظم لم يسمع به قبل القرآن، ولا عرفته العرب ، والأصل فيه نزول الشيء من أعلى إلى أسفل، ووقوعه على الأرض، ثم اتسع فيه فقيل للخطأ من الكلام سقط، لأنهم شبهوه بما لا يحتاج إليه، فيسقط، وذكر اليد لأن الندم يحدث في القلب، وأثره يظهر في اليد، كقوله تعالى: فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق ولأن اليد هي الجارحة العظمى، فربما يسند إليها ما لم تباشره، كقوله تعالى: ذلك بما قدمت يداك انتهى.

وعليه، فيكون (سقط) من السقاط، وهو كثرة الخطأ كما قال:


كيف يرجون سقاطي بعد ما لفع الرأس بياض وصلع


وقيل: من عادة النادم أن يطأطئ رأسه، ويضعه على يده، معتمدا عليه وتارة [ ص: 2860 ] يضعها تحت ذقنه، وشطر من وجهه على هيئة لو نزعت يده لسقط على وجهه، فكانت اليد مسقوطا فيها، لتمكن السقوط فيها. ويكون قوله: " سقط في أيديهم بمعنى سقط على أيديهم، كقوله: ولأصلبنكم في جذوع النخل أي عليها، و (سقط) عده بعضهم من الأفعال التي لا تتصرف، ك(نعم وبئس). وقرئ (سقط) معلوما أي الندم أو العض، أو الخسران، وكله تمثيل. وقرئ (أسقط) رباعي مجهول، وهي لغة نقلها الفراء والزجاج ، كما قدمنا.
ثم بين تعالى ما جرى من موسى عليه السلام بعد رجوعه من الميقات، وكان أعلمه تعالى بفتنة قومه فقال سبحانه:

القول في تأويل قوله تعالى:

[150] ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين

" ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا أي: شديد الغضب على قومه لعبادتهم العجل، وحزينا أي على ما فاته من مناجاة ربه " قال بئسما خلفتموني من بعدي أي بئسما عملتم خلفي، أو قمتم مقامي، وكنتم خلفائي من بعدي. والخطاب إما لعبدة العجل، من السامري وأشياعه، أو لوجوه بني إسرائيل وهم هارون عليه السلام والمؤمنون معه. ويدل عليه قوله " اخلفني في قومي وعلى التقدير الأول يكون المعنى: بئسما خلفتموني حيث لم تمنعوا من عبادة غير الله تعالى.

قاله الرازي " أعجلتم أمر ربكم أي: ميعاده الذي [ ص: 2861 ] وعدنيه من الأربعين، فلم تصبروا إلى تمامها، وكانوا استبطأوا نزوله من الجبل ، فتآمروا في صنع وثن يعبدونه، وينضمون إليه، وفعلوا ذلك وجعلوا يغنون ويرقصون ويأكلون ويشربون ويلعبون حوله ويقولون: هذا الإله الذي أخرجنا من مصر -عياذا بالله-.

وقال أبو مسلم : معناه سبقتم أمر الله، فعبدتم ما لم يأمركم به " وألقى الألواح أي طرحها من شدة الغضب، وفرط الضجرة بين يديه فتكسرت، وهي ألواح من حجارة كتب فيها الشرائع والوصايا الربانية، وإنما ألقاها، عليه السلام، لما لحقه من فرط الدهش عند رؤيته عكوفهم على العجل، فإنه عليه السلام لما نزل من الجبل ، ودنا من محلتهم رأى العجل ورقصهم حوله، اتقد غضبه فألقاها غضبا لله، وحمية لدينه، وكان هو في نفسه حديدا، شديد الغضب، وكان هارون ألين منه جانبا، ولذلك كان محببا إلى قومه.

تنبيه:

قال السيوطي في (الإكليل): استدل ابن تيمية بقوله تعالى " وألقى الألواح على أن من ألقى كتابا على يده، إلى الأرض وهو غضبان، لا يلام. انتهى. وهو ظاهر.

" وأخذ برأس أخيه أي: بشعره " يجره إليه ظنا أن يكون قصر في نهيهم، كما قال في الآية الأخرى: قال يا هارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا ألا تتبعني أفعصيت أمري قال يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي

وقال ههنا: " قال ابن أم قرئ بالفتح والكسر. وأصله يا ابن أمي، خفف بحذف حرف النداء والياء، وذكر الأم ليرققه عليه، وقوله: إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني إزاحة لتوهم التقصير في حقه.

والمعنى: بذلت وسعي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني، وقاربوا قتلي، " فلا تشمت بي الأعداء أي بالإساءة إلي. والشماتة سرور الأعداء بما يصيب المرء " ولا تجعلني مع القوم الظالمين أي في عقوبتك لي، في عدادهم، أو لا تعتقد أني منهم، مع براءتي وعدم تقصيري.

[ ص: 2862 ] قال الجشمي : تدل الآية على أن الأمر بالمعروف قد يسقط في حال الخوف على النفس، وفي الحال الذي يعلم أنه لا ينفع، لذلك قال هارون " استضعفوني وتدل على أن الغضب والأسف على المبتدع محمود في الدين. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[151] قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين

" قال أي موسى عليه السلام، متضرعا إلى ربه استنزالا لرحمته، وتعوذا بمغفرته من سخطه، ولا يخفى اقتضاء المقام لذلك: رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين

وقال الزمخشري : لما اعتذر إليه أخوه، وذكر له شماتة الأعداء قال " رب اغفر لي ولأخي ليرضي أخاه، ويظهر لأهل الشماتة رضاه عنه، فلا تتم لهم شماتتهم. واستغفر لنفسه مما فرط منه إلى أخيه، ولأخيه أن عسى فرط في حسن الخلافة، وطلب أن لا يتفرقا عن رحمته، ولا تزال منتظمة لهما في الدنيا والآخرة.
القول في تأويل قوله تعالى:

[152] إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين

" إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين أي من افترى بدعة، فإن ذل البدعة ومخالفة الرسالة على كتفيه، كما قال الحسن البصري : إن ذل البدعة على أكتافهم، وإن هملجت بهم البغال، وطقطقت بهم البراذين.

وهكذا روى أيوب عن أبي قلابة الجرمي أنه قرأ هذه الآية وكذلك نجزي المفترين قال: هي والله لكل مفتر إلى يوم القيامة. وقال سفيان بن عيينة : كل صاحب بدعة ذليل. ثم نبه تعالى عباده وأرشدهم إلى أنه يقبل التوبة من أي ذنب كان، ولو كفرا بقوله:

[ ص: 2863 ]
القول في تأويل قوله تعالى:

[153] والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها وآمنوا إن ربك من بعدها لغفور رحيم

" والذين عملوا السيئات ثم تابوا من بعدها إلى الله " وآمنوا أي أخلصوا الإيمان " إن ربك من بعدها لغفور رحيم أي: محاء لذنوبهم، منعم عليهم بالجنة.
القول في تأويل قوله تعالى:

[154] ولما سكت عن موسى الغضب أخذ الألواح وفي نسختها هدى ورحمة للذين هم لربهم يرهبون

" ولما سكت أي سكن " عن موسى الغضب أخذ الألواح أي التي كان ألقاها من شدة الغضب فتكسرت " وفي نسختها أي فيما نسخ منها، أي كتب. والنسخة فعلة بمعنى مفعول، كالخطبة " هدى ورحمة بالشرائع والوصايا الربانية، المرشدة لما فيه الخير والصلاح " للذين هم لربهم يرهبون أي: يخشون.

لطيفتان:

الأولى: قال أبو السعود : في هذا النظم الكريم، يعني قوله تعالى: ولما سكت عن موسى الغضب من البلاغة والمبالغة بتنزيل الغضب، الحامل له على ما صدر عنه من الفعل والقول، منزلة الآمر بذلك، المغرى عليه بالتحكم والتشديد، والتعبير عن سكونه بالسكوت -ما لا يخفى- انتهى.

وأصله للزمخشري حيث قال: هذا مثل، كأن الغضب كان يغريه على ما فعل، ويقول له: قل لقومك كذا، وألق الألواح، وجر برأس أخيك إليك فترك النطق بذلك، وقطع الإغراء. ولم يستحسن هذه الكلمة ولم يستفصحها كل ذي طبع سليم، وذوق [ ص: 2864 ] صحيح إلا لذلك؛ ولأنه من قبيل شعب البلاغة، وإلا فما لقراءة معاوية بن قرة ((ولما سكن عن موسى الغضب)) لا تجد النفس عندها شيئا من تلك الهزة، وطرفا من تلك الروعة؟ انتهى.

ومراده بالمثل كونه استعارة مكنية، حيث شبه الغضب بشخص آمر ناه، وأثبت له السكوت تخييلا.

وعد بعض أهل العربية الآية من المقلوب، أي من نمط قلب الحقيقة إلى المجاز، وكأن الأصل: (ولما سكت موسى عن الغضب) كما في خرق الثوب المسمار.

قال في (الانتصاف) والتحقيق أنه ليس منه، وأن هذا القلب أشرف وأفصح، لما فيه من المعنى البليغ، وهو أن الغضب كان متمكنا من موسى ، حتى كأنه كان يصرفه في أوامره. ومثل هذه النكتة الحسناء، لا تلفى في (خرق الثوب المسمار). انتهى.

وقرئ سكن وسكت وأسكت، أي: أسكته الله، أو أخوه باعتذاره إليه.

الثانية -اللام في (للذين) متعلقة بمحذوف، صفة (لرحمة)، أي كائنة لهم. أو هي لام الأجل، أي: هدى ورحمة لأجلهم: واللام في (لربهم) لتقوية عمل الفعل المؤخر كما في قوله تعالى: إن كنتم للرؤيا تعبرون أو هي أيضا لام العلة، والمفعول محذوف، أي يرهبون المعاصي لأجل ربهم، لا للرياء والسمعة -أفاده أبو السعود -.
القول في تأويل قوله تعالى:

[155] واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت ولينا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين

" واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو [ ص: 2865 ] شئت أهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا

روى محمد بن إسحاق أن موسى عليه السلام، لما رجع إلى قومه فرأى ما هم فيه من عبادة العجل، وقال لأخيه وللسامري ما قال، وحرق العجل، وذراه في اليم، اختار من بني إسرائيل سبعين رجلا، الخير فالخير، وقال: انطلقوا إلى الله، فتوبوا إليه مما صنعتم واسألوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم، صوموا وتطهروا، وطهروا ثيابكم. فخرج بهم إلى طور سيناء لميقات وقته له ربه، وكان لا يأتيه إلا بإذن منه وعلم، فقال له السبعون -فيما ذكر لي-حين صنعوا ما أمرهم به، وخرجوا معه للقاء ربه، لموسى : اطلب لنا نسمع كلام ربنا، فقال: أفعل. فلما دنا موسى من الجبل ، وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله، ودنا موسى فدخل فيه، وقال للقوم: ادنوا. وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهة موسى نور ساطع، لا يستطيع أحد من بني آدم أن ينظر إليه، فضرب دونه بالحجاب، ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا، فسمعوه وهو يكلم موسى ، يأمره وينهاه، افعل ولا تفعل، فلما فرغ إليه من أمره، وانكشف عن موسى الغمام، أقبل إليهم، فقالوا لموسى : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وهي الصاعقة التي يحصل منها الاضطراب الشديد، فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب إليه ويقول: رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي قد سفهوا، أتهلك من ورائي من بني إسرائيل

وفي رواية السدي : فقام موسى يبكي ويقول: يا رب! ماذا أقول لبني إسرائيل إذا لقيتهم، وقد أهلكت خيارهم رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي

وقال ابن إسحاق : اخترت منهم سبعين رجلا، الخير فالخير، أرجع إليهم، وليس معي رجل منهم واحد، فما الذي يصدقونني أو يأمنونني عليه بعد هذا؟ وعلى هذا فالمعنى: لو شئت أهلكتهم من قبل خروجنا، فكان بنو إسرائيل يعاينون ذلك ولا يتهمونني.

وقال الزجاج : المعنى لو شئت أمتهم من قبل أن تبتليهم، بما أوجب عليهم الرجفة. انتهى.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.79 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.17 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]