عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 20-01-2023, 10:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,362
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ الشُّعَرَاءِ
الحلقة (416)
صــ 111 إلى صــ 120





[ ص: 111 ] قوله تعالى: هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرأ ابن كثير ، ونافع ، وابن عامر ، وحفص عن عاصم : " وذرياتنا " على الجمع . وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر ، [وحفص] عن عاصم : " وذريتنا " على التوحيد ، قرة أعين وقرأ ابن مسعود ، وأبو حيوة : " قرات أعين " يعنون : من يعمل بطاعتك فتقر به أعيننا في الدنيا والآخرة . وسئل الحسن عن قوله : " قرة أعين " في الدنيا أم في الآخرة؟ قال : لا ، بل في الدنيا ، وأي شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وولده يطيعون الله ، والله ما طلب القوم إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم . قال الفراء : إنما قال : " قرة " لأنها فعل ، والفعل لا يكاد يجمع ، ألا ترى إلى قوله : وادعوا ثبورا كثيرا [الفرقان : 14] فلم يجمعه ; والقرة مصدر ، تقول : قرت عينه قرة ، ولو قيل : قرة عين أو قرات أعين كان صوابا . وقال غيره : أصل القرة من البرد ، لأن العرب تتأذى بالحر ، وتستروح إلى البرد .

قوله تعالى: واجعلنا للمتقين إماما فيه قولان .

أحدهما : اجعلنا أئمة يقتدى بنا ، قاله ابن عباس . وقال غيره : هذا من الواحد الذي يراد به الجمع ، كقوله : إنا رسول رب العالمين [الشعراء : 16] ، وقوله : فإنهم عدو لي [الشعراء : 77] .

والثاني : اجعلنا مؤتمين بالمتقين مقتدين بهم ، قاله مجاهد ; فعلى هذا يكون الكلام من المقلوب ، فيكون المعنى : واجعل المتقين لنا إماما .
[ ص: 112 ] أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما . خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما

قوله تعالى: أولئك يجزون الغرفة قال ابن عباس : يعني الجنة . وقال غيره : الغرفة : كل بناء عال مرتفع ، والمراد غرف الجنة ، وهي من الزبرجد والدر والياقوت ، بما صبروا على دينهم وعلى أذى المشركين .

قوله تعالى: ويلقون فيها قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم : " ويلقون " بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم : " ويلقون " بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف ، تحية وسلاما قال ابن عباس : يحيي بعضهم بعضا بالسلام ، ويرسل إليهم الرب عز وجل بالسلام . وقال مقاتل : " تحية " يعني السلام ، " وسلاما " أي : سلم الله لهم أمرهم وتجاوز عنهم .

قوله تعالى: قل ما يعبأ بكم ربي فيه ثلاثة أقوال .

أحدها : ما يصنع بكم! قاله ابن عباس . والثاني : أي وزن يكون لكم عنده ; تقول : ما عبأت بفلان ، أي : ما كان له عندي وزن ولا قدر ، قاله الزجاج . والثالث : ما يعبأ بعذابكم ، قاله ابن قتيبة .

وفي قوله : لولا دعاؤكم أربعة أقوال .

أحدها : لولا إيمانكم ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس .

[ ص: 113 ] والثاني : لولا عبادتكم ، رواه الضحاك عن ابن عباس .

والثالث : لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه ، قاله مجاهد ; والمراد نفع الخلق ، لأن الله تعالى غير محتاج .

والرابع : لولا توحيدكم ، حكاه الزجاج . وعلى قول الأكثرين ليس في الآية إضمار ; وقال ابن قتيبة : فيها إضمار تقديره : ما يعبأ بعذابكم لولا ما تدعونه من الشريك والولد ، ويوضح ذلك [قوله] : فسوف يكون لزاما يعني : العذاب ، ومثله قول الشاعر :


من شاء دلى النفس في هوة ضنك ولكن من له بالمضيق


أي : بالخروج من المضيق . وهل هذا خطاب للمؤمنين ، أو للكفار؟ فيه قولان .

فأما قوله تعالى: فقد كذبتم فهو خطاب لأهل مكة حين كذبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسوف يكون يعني : تكذيبكم لزاما أي : عذابا لازما [لكم] ; وفيه ثلاثة أقوال .

أحدها : أنه قتلهم يوم بدر ، فقتلوا يومئذ ، واتصل بهم عذاب الآخرة لازما لهم ، وهذا مذهب ابن مسعود ، وأبي بن كعب ، ومجاهد في آخرين . والثاني : أنه الموت ، قاله ابن عباس . والثالث : أن اللزام : القتال ، قاله ابن زيد .
[ ص: 114 ] سُورَةُ الشُّعَرَاءِ

وَهِيَ مَكِّيَّةٌ كُلُّهَا ، إِلَّا أَرْبَعَ آيَاتٍ مِنْهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ ، مِنْ قَوْلِهِ : وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ [الشُّعَرَاءِ : 224] إِلَى آخِرِهَا ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَقَتَادَةُ .

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

طسم . تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ . إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ . فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ . إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ

قَوْلُهُ تَعَالَى: طسم قَرَأَ ابْنُ كَثِيرٍ ، وَنَافِعٌ ، وَأَبُو عَمْرٍو ، وَابْنُ عَامِرٍ : " طسم " بِفَتْحِ الطَّاءِ وَإِدْغَامِ النُّونِ مِنْ هِجَاءِ " سِين " عِنْدَ الْمِيمِ . وَقَرَأَ حَمْزَةُ ، وَالْكِسَائِيُّ ، وَخَلَفٌ ، وَأَبَانُ ، وَالْمُفَضَّلُ : " طسم " وَ " طس " [النَّمْلِ] بِإِمَالَةِ الطَّاءِ فِيهِمَا .

وَأَظْهَرَ النُّونَ مِنْ هِجَاءِ " سِين " عِنْدَ الْمِيمِ حَمْزَةُ هَاهُنَا وَفِي (الْقَصَصِ) .

[ ص: 115 ] وَفِي مَعْنَى " طسم " أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ .

أَحَدُهَا : أَنَّهَا حُرُوفٌ مِنْ كَلِمَاتٍ ، ثُمَّ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا : [مَا] رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ " طسم " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الطَّاءُ : طُورُ سَيْنَاءَ ، وَالسِّينُ : الْإِسْكَنْدَرِيَّةُ ، وَالْمِيمُ : مَكَّةُ " . وَالثَّانِي : [أَنَّ] الطَّاءَ : طَيْبَةُ ، وَسِينَ : بَيْتُ الْمَقْدِسِ ، وَمِيمَ : مَكَّةُ ، [رَوَاهُ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] . وَالثَّالِثُ : الطَّاءُ : شَجَرَةُ طُوبَى ، وَالسِّينُ : سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى ، وَالْمِيمُ : مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَهُ جَعْفَرٌ الصَّادِقُ .

وَالثَّانِي : أَنَّهُ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ، رَوَاهُ ابْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَدْ بَيَّنَّا كَيْفَ يَكُونُ مِثْلُ هَذَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فِي فَاتِحَةِ مَرْيَمَ . وَقَالَ الْقُرَظِيُّ : أَقْسَمَ اللَّهُ بِطُولِهِ وَسَنَائِهِ وَمُلْكِهِ .

وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ اسْمٌ لِلسُّورَةِ ، قَالَهُ مُجَاهِدٌ .

وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ ، قَالَهُ قَتَادَةُ ، وَأَبُو رَوْقٍ . وَمَا بَعْدَ [ ص: 116 ] هَذَا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الْمَائِدَةِ : 15 ، الْكَهْفِ : 6] إِلَى قَوْلِهِ : أَلا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَالْمَعْنَى : لَعَلَّكَ قَاتِلٌ نَفْسَكَ لِتَرْكِهِمُ الْإِيمَانَ .

ثُمَّ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ مَا يَضْطَرُّهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ لَفَعَلَ ، فَقَالَ : إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ وَقَرَأَ أَبُو رَزِينٍ ، وَأَبُو الْمُتَوَكِّلِ : " إِنْ يَشَأْ يُنَزِّلْ " بِالْيَاءِ فِيهِمَا ، عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ جَعَلَ الْفِعْلَ أَوَّلًا لِلْأَعْنَاقِ ، ثُمَّ جَعَلَ " خَاضِعِينَ " لِلرِّجَالِ ، لِأَنَّ الْأَعْنَاقَ إِذَا خَضَعَتْ فَأَرْبَابُهَا خَاضِعُونَ . وَقِيلَ : لَمَّا وَصَفَ الْأَعْنَاقَ بِالْخُضُوعِ ، وَهُوَ مِنْ صِفَات بَنِي آدَمَ ، أَخْرَجَ الْفِعْلَ مَخْرَجَ الْآدَمِيِّينَ كَمَا بَيَّنَّا فِي قَوْلِهِ : وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ [يُوسُفَ : 4] ، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدَةَ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : قَوْلُهُ : " فَظَلَّتْ " مَعْنَاهُ : فَتَظَلُّ ، لِأَنَّ الْجَزَاءَ يَقَعُ فِيهِ لَفْظُ الْمَاضِي فِي مَعْنَى الْمُسْتَقْبَلِ ، كَقَوْلِكَ : إِنْ تَأْتِنِي أَكْرَمْتُكَ ، مَعْنَاهُ : أُكْرِمْكَ ; وَإِنَّمَا قَالَ : " خَاضِعِينَ " لِأَنَّ خُضُوعَ الْأَعْنَاقِ هُوَ خُضُوعُ أَصْحَابِهَا ، وَذَلِكَ أَنَّ الْخُضُوعَ لَمَّا لَمْ يَكُنْ إِلَّا بِخُضُوعِ الْأَعْنَاقِ ، جَازَ أَنْ يُخْبِرَ عَنِ الْمُضَافِ إِلَيْهِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ :


رَأَتْ مَرَّ السِّنِينَ أَخَذْنَ مِنِّي كَمَا أَخَذَ السِّرَارُ مِنَ الْهِلَالِ


فَلَمَّا كَانَتِ السُّنُونَ لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَرٍّ ، أَخْبَرَ عَنِ السِّنِينَ ، وَإِنْ كَانَ أَضَافَ إِلَيْهَا الْمُرُورَ . قَالَ : وَجَاءَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ يَعْنِي بِالْأَعْنَاقِ كُبَرَاءَهُمْ وَرُؤَسَاءَهُمْ . وَجَاءَ فِي [ ص: 117 ] اللُّغَةِ أَنَّ أَعْنَاقَهُمْ جَمَاعَاتُهُمْ ; يُقَالُ : جَاءَنِي عُنُقٌ مِنَ النَّاسِ ، أَيْ : جَمَاعَةٌ . وَمَا بَعْدَ هَذَا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [الْأَنْبِيَاءِ : 2] إِلَى قَوْلِهِ : أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الأَرْضِ يَعْنِي الْمُكَذِّبِينَ بِالْبَعْثِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَبَاتٌ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : مِنْ كُلِّ جِنْسٍ حَسَنٍ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ : الزَّوْجُ : النَّوْعُ ، وَالْكَرِيمُ : الْمَحْمُودُ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ فِي ذَلِكَ الْإِنْبَاتِ لآيَةً تَدُلُّ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ أَيْ : مَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ يُؤْمِنُ فِي عِلْمِ اللَّهِ ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْمُنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِهِ الرَّحِيمُ بِأَوْلِيَائِهِ .
وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين . قوم فرعون ألا يتقون قال رب إني أخاف أن يكذبون . ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون . قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين . أن أرسل معنا بني إسرائيل قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين . وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين قال فعلتها إذا وأنا من الضالين . ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل

قوله تعالى: وإذ نادى المعنى : واتل هذه القصة على قومك .

قوله تعالى: أن يكذبون ياء " يكذبون " محذوفة ، ومثلها أن يقتلون [الشعراء : 14] سيهدين [الشعراء : 62] فهو يهدين [الشعراء : 78] [ ص: 118 ] ويسقين [الشعراء:79] فهو يشفين [الشعراء : 80] ثم يحيين [الشعراء : 81] كذبون [الشعراء : 117] وأطيعون [الشعراء : 108] فهذه ثمان آيات أثبتهن في الحالين يعقوب .

قوله تعالى: ويضيق صدري أي بتكذيبهم إياي ولا ينطلق لساني للعقدة التي كانت بلسانه . وقرأ يعقوب : " ويضيق " " ولا ينطلق " بنصب القاف فيهما ، فأرسل إلى هارون المعنى : ليعينني ، فحذف ، لأن في الكلام دليلا عليه . ولهم علي ذنب وهو القتيل الذي وكزه فقضى عليه ; والمعنى : ولهم علي دعوى ذنب فأخاف أن يقتلون به قال كلا وهو ردع وزجر عن الإقامة على هذا الظن ; والمعنى : لن يقتلوك لأني لا أسلطهم عليك ، فاذهبا يعني : أنت وأخوك بآياتنا وهي : ما أعطاهما من المعجزة إنا يعني نفسه عز وجل معكم فأجراها مجرى الجماعة مستمعون نسمع ما تقولان وما يجيبونكما به .

قوله تعالى: إنا رسول رب العالمين قال ابن قتيبة : الرسول يكون بمعنى الجميع ، كقوله : هؤلاء ضيفي [الحجر : 68] وقوله : ثم نخرجكم طفلا [الحج : 5] . وقال الزجاج : المعنى : إنا رسالة رب العالمين ، أي : ذوو رسالة رب العالمين ، قال الشاعر :


لقد كذب الواشون ما بحت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول


أي : برسالة .

[ ص: 119 ] قوله تعالى: أن أرسل المعنى : بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي : أطلقهم من الاستعباد ، فأتياه فبلغاه الرسالة ، فـ قال ألم نربك فينا وليدا أي : صبيا صغيرا ولبثت فينا من عمرك سنين وفيها ثلاثة أقوال .

أحدها : ثماني عشرة سنة ، قاله ابن عباس . والثاني : أربعون سنة ، قاله ابن السائب . والثالث : ثلاثون سنة ، قاله مقاتل . والمعنى : فجازيتنا على أن ربيناك أن كفرت نعمتنا ، وقتلت منا نفسا ، وهو قوله : وفعلت فعلتك وهي قتل النفس . قال الفراء . وإنما نصبت الفاء ، لأنها مرة واحدة ، ولو أريد بها مثل الجلسة والمشية جاز كسرها .

وفي قوله : وأنت من الكافرين قولان .

أحدهما : من الكافرين لنعمتي ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وعطاء ، والضحاك ، وابن زيد .

والثاني : من الكافرين بإلهك ، كنت معنا على ديننا الذي تعيب ، قاله الحسن ، والسدي . فعلى الأول : وأنت من الكافرين الآن . وعلى الثاني : وكنت .

وفي قوله : وأنا من الضالين ثلاثة أقوال .

أحدها : من الجاهلين ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وقتادة . وقال بعض المفسرين : المعنى : إني كنت جاهلا لم يأتني من الله شيء .

والثاني : من الخاطئين ; والمعنى : إني قتلت النفس خطأ ، قاله ابن زيد .

والثالث : من الناسين ، ومثله : أن تضل إحداهما [البقرة : 282] ، قاله أبو عبيدة .

قوله تعالى: ففررت منكم أي : ذهبت من بينكم لما خفتكم على [ ص: 120 ] نفسي إلى مدين ، وقرأ عاصم الجحدري ، والضحاك ، وابن يعمر : (لما) بكسر اللام وتخفيف الميم ، فوهب لي ربي حكما وفيه قولان .

أحدهما : النبوة ، قاله ابن السائب . والثاني : العلم والفهم ، قاله مقاتل .

قوله تعالى: وتلك نعمة تمنها علي يعني التربية أن عبدت بني إسرائيل أي : اتخذتهم عبيدا ; يقال : عبدت فلانا وأعبدته واستعبدته : إذا اتخذته عبدا .

وفي " أن " وجهان .

أحدهما : أن تكون في موضع رفع على البدل من " نعمة " .

والثاني : أن تكون في موضع نصب بنزع الخافض ، تقديره : لأن عبدت ، أو لتعبيدك .

واختلف العلماء في تفسير الآية ، ففسرها قوم على الإنكار ، وقوم على الإقرار .

فمن فسرها على الإنكار قال معنى الكلام : أوتلك نعمة؟! على طريق الاستفهام ، ومثله هذا ربي [الأنعام : 76] ، وقوله : فهم الخالدون [الأنبياء : 34] ، وأنشدوا :


[لم أنس يوم الرحيل وقفتها وجفنها من دموعها شرق]


وقولها والركاب سائرة تتركنا هكذا وتنطلق




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.49 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.86 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.29%)]