عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 05-01-2023, 04:53 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,502
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَنْعَامِ
المجلد السادس
صـ 2437 الى صـ 2446
الحلقة (335)







القول في تأويل قوله تعالى:

[99] وهو الذي أنـزل من السماء ماء فأخرجنا به نبات كل شيء فأخرجنا منه خضرا نخرج منه حبا متراكبا ومن النخل من طلعها قنوان دانية وجنات من أعناب والزيتون والرمان مشتبها وغير متشابه انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون

وهو الذي أنـزل من السماء ماء أي: من السحاب، لقوله تعالى: أفرأيتم الماء الذي تشربون أأنتم أنـزلتموه من المزن أم نحن المنـزلون وسمي السحاب سماء؛ لأن العرب تسمي كل ما علا سماء.

فأخرجنا به التفت إلى التكلم إظهارا لكمال العناية بشأن ما أنزل الماء لأجله؛ أي: فأخرجنا بعظمتنا بذلك الماء مع وحدته: نبات كل شيء أي: صنف من أصناف [ ص: 2437 ] النبات والثمار المختلفة الطعوم والألوان، كقوله تعالى: يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل

فأخرجنا منه أي: من النبات، يعني أصوله: خضرا أي: شيئا غضا أخصر. يقال: أخضر وخضر، كأعور وعور، وهو ما تشعب من أصل النبات الخارج من الحبة نخرج منه صفة ل (خضرا) وصيغة المضارع، لاستحضار الصورة، لما فيها من الغرابة، أي: نخرج من ذلك الخضر: حبا متراكبا أي: متراكما بعضه على بعض، مثل سنابل البر والشعير والأرز.

قال الرازي: ويحصل فوق السنبلة أجسام دقيقة حادة كأنها الإبر، والمقصود من تخليقها أن تمنع الطيور من التقاط تلك الحبات المتراكبة.

ثم بين تعالى ما ينشأ عن النوى من الشجر، إثر بيان ما ينشأ عن الحب من النبات بقوله سبحانه: ومن النخل من طلعها قنوان دانية الطلع: أول ما يبدو من ثمر النخيل كالكيزان يكون فيه العذق، فإذا شق عنه كيزانه سمي عذقا (بكسر العين وسكون الذال المعجمة بعدها) - وهو القنو، أي: العرجون، بما فيه من الشماريخ، وجمعه قنوان - (مثلث القاف) وهو ومثناه سواء، لا يفرق بينهما إلا الإعراب.

قال الزمخشري: قنوان، رفع الابتداء، و (من النخل) خبره، و (من طلعها) بدل منه، كأنه قيل: وحاصلة من طلع النخل قنوان، انتهى. وجوز أن يكون (من النخل) عطفا على (منه) وما بعده مبتدأ وخبر. أي: وأخرجنا من النخل نخلا من طلعها قنوان دانية، أي: ملتفة، يقرب بعضها من بعض، أو قريبة من المتناول، وإنما اقتصر على [ ص: 2438 ] ذكرها لدلالتها على مقابلها، أعني البعيدة، كقوله تعالى: سرابيل تقيكم الحر ولزيادة النعمة فيها: وجنات من أعناب عطف على (نبات كل شيء) أي: وأخرجنا به جنات، أو على (خضرا). وقال الطيبي: الأظهر أن يكون عطفا على (حبا) لأن قوله: (نبات كل شيء) مفصل لاشتماله على كل صنف من أصناف النامي، كأنه قال: فأخرجنا بالنامي نبات كل شيء ينبت كل صنف من أصناف النامي، والنامي: الحب والنوى وشبههما. وقوله: فأخرجنا منه خضرا إلخ تفصيل لذلك النبات. أي: أخرجنا منه خضرا بسبب الماء، فيكون بدلا من (فأخرجنا) الأول، بدل اشتمال. ومن ههنا يقع التفصيل، فبعض يخرج منه السنابل ذات حبوب متكاثرة، وبعض يخرج منه ذات قنوان دانية، وبعض يخرج منه وبعض آخر جنات معروشات... إلخ.

والزيتون والرمان العطف فيه كما تقدم: مشتبها وغير متشابه حال من (الزيتون)، اكتفى به عن حال ما بعده. أو من (الرمان) لقربه. والمحذوف حال الأول.

قال الزمخشري: يقال: اشتبه الشيئان وتشابها، كقولك: استويا وتساويا. والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا. وقرئ: (متشابها وغير متشابه). والمعنى: بعضه متشابها، وبعضه غير متشابه في الهيئة والمقدار واللون والطعم، وغير ذلك من الأوصاف الدالة على كمال قدرة صانعها، وحكمة منشئها ومبدعها.

انظروا إلى ثمره إذا أثمر أي: ثمر كل واحد من ذلك إذا أخرج ثمره، كيف يكون ضئيلا ضعيفا، لا يكاد ينتفع به. وينعه أي: وإلى حال ينعه ونضجه، كيف يعود شيئا جامعا لمنافع وملاذ. أي: انظروا إلى ذلك نظر اعتبار واستبصار واستدلال، على قدرة مقدره ومدبره وناقله، على وفق الرحمة والحكمة، من حال إلى حال، فإن فيه آيات عظيمة دالة على ذلك، كما قال:

[ ص: 2439 ] إن في ذلكم لآيات لقوم يؤمنون أي: يصدقون بأن الذي أخرج هذا النبات وهذه الثمار هو المستحق للعبادة دون ما سواه، أو هو القادر على أن يحيي الموتى ويبعثهم. قال بعضهم: القوم كانوا ينكرون البعث، فاحتج عليهم بتصريف ما خلق، ونقله من حال إلى حال، وهو ما يعلمونه قطعا ويشاهدونه من إحياء الأرض بعد موتها، وإخراج أنواع النبات والثمار منها، وأنه لا يقدر على ذلك أحد إلا الله تعالى. فبين أنه تعالى كذلك قادر على إنشائهم من نفوسهم وأبدانهم، وعلى البعث بإنزال المطر من السماء، ثم إنبات الأجساد كالنبات، ثم جعلها خضرة بالحياة، ثم تصوير الأعمال بصورة كثيرة، وإفادة أمور زائدة، وتفريعها، وإعطاء أطعمة مشتبهة في الصورة، غير متشابهة في اللذة، جزاء عليها، والله أعلم.

لطيفة:

قال الرازي: اعلم أنه تعالى ذكر ههنا أربعة أنواع من الأشجار: النخل والعنب والزيتون والرمان، وإنما قدم الزرع على الشجر؛ لأن الزرع غذاء، وثمار الأشجار فواكه، والغذاء مقدم على الفاكهة. وإنما قدم النخل على سائر الفواكه؛ لأن التمر يجري مجرى الغذاء بالنسبة إلى العرب، ولأن الحكماء بينوا أن بينه وبين الحيوان مشابهة في خواص كثيرة، بحيث لا توجد تلك المشابهة في سائر أنواع النبات. ولهذا المعنى قال صلى الله عليه وسلم: «فإنها خلقت من بقية طينة آدم» . وإنما ذكر العنب عقيب النخل؛ لأن العنب أشرف أنواع الفواكه؛ وذلك لأنه من أول ما يظهر يصير منتفعا به إلى آخر الحال. فأول ما يظهر على الشجر، يظهر خيوط خضر دقيقة حامضة الطعم، لذيذة المطعم، وقد يمكن اتخاذ الطبائخ منه. ثم بعده يظهر الحصرم، وهو طعام شريف للأصحاء والمرضى، وقد يتخذ الحصرم أشربة لطيفة المذاق، نافعة لأصحاب الصفراء، وقد يتخذ الطبيخ منه، فكأنه ألذ الطبائخ الحامضة. ثم إذا تم العنب فهو ألذ الفواكه وأشهاها، ويمكن ادخار العنب المعلق سنة أو أقل أو أكثر [ ص: 2440 ] وهو في الحقيقة ألذ الفواكه المدخرة، ثم يبقى منه أنواع من المتناولات وهي الزبيب والدبس والخل، ومنافع هذه لا يمكن ذكرها إلا في المجلدات. وأحسن ما في العنب عجمه، والأطباء يتخذون منه (جوارشنات) عظيمة النفع للمعدة الضعيفة الرطبة. فثبت أن العنب كأنه سلطان الفواكه.

وأما الزيتون فهو أيضا كثير النفع؛ لأنه يمكن تناوله كما هو، وينفصل أيضا عنه دهن كثير، عظيم النفع في الأكل، وفي سائر وجوه الاستعمال.

وأما الرمان فحاله عجيب جدا؛ وذلك لأنه جسم مركب من أربعة أقسام: قشره وشحمه وعجمه وماؤه. أما الأقسام الثلاثة الأول وهي القشر والشحم والعجم فكلها باردة يابسة قابضة عفصة قوية في هذه الصفات. وأما ماء الرمان فبالضد من هذه الصفات، فإنه ألذ الأشربة وألطفها وأقربها إلى الاعتدال، وأشدها مناسبة للطباع المعتدلة، وفيه تقوية للمزاج الضعيف، وهو غذاء من وجه، ودواء من وجه، فكأنه سبحانه جمع فيه بين المتضادين المتغايرين. فكانت دلالة القدرة والرحمة فيه أكمل وأتم.

واعلم أن أنواع النبات أكثر من أن تفي بشرحها مجلدات، فلهذا السبب ذكر الله تعالى هذه الأقسام الأربعة، التي هي أشرف أنواع النبات، واكتفى بذكرها تنبيها على البواقي. انتهى.

أقول: حديث «أكرموا عمتكم النخلة» المذكور، رواه أبو يعلى وابن أبي حاتم والعقيلي وابن عدي وابن السني وأبو نعيم وابن مردويه عن علي رضي الله عنه، كما في الجامع الصغير، ورمز عليه بالضعف.
ولما ذكر تعالى هذه البراهين، من دلائل العالم العلوي والسفلي، على عظيم قدرته، وباهر حكمته، ووافر نعمته، واستحقاقه للألوهية وحده - عقبها بتوبيخ من أشرك به والرد عليه بقوله سبحانه:

[ ص: 2441 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[100] وجعلوا لله شركاء الجن وخلقهم وخرقوا له بنين وبنات بغير علم سبحانه وتعالى عما يصفون

وجعلوا لله شركاء الجن أي: جعلوهم شركاء له في العبادة. فإن قيل: فكيف عبدت الجن مع أنهم إنما كانوا يعبدون الأصنام؟ فالجواب: أنهم ما عبدوها إلا عن طاعة الجن، وأمرهم بذلك. كقوله: إن يدعون من دونه إلا إناثا وإن يدعون إلا شيطانا مريدا لعنه الله وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا وكقوله تعالى: أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني الآية.. وقال إبراهيم لأبيه: يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا وكقوله: ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم وتقول الملائكة يوم القيامة: سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون

[ ص: 2442 ] وخلقهم حال من فاعل: جعلوا ، مؤكدة لما في جعلهم ذلك من كمال القباحة والبطلان، باعتبار علمهم بمضمونها. أي: وقد علموا أن الله خالقهم دون الجن: (وليس من يخلق كمن لا يخلق) وقيل: الضمير للشركاء. أي: والحال أنه تعالى خلق الجن، فكيف يجعلون مخلوقه شريكا له؟ كقول إبراهيم: قال أتعبدون ما تنحتون والله خلقكم وما تعملون أي: وإذا كان هو المستقل بالخالقية، وجب أن يفرد بالعبادة، وحده لا شريك له.

تنبيه:

ما ذكرناه من معنى قوله تعالى: وجعلوا لله شركاء الجن أنهم أطاعوا الجن في عبادة الأوثان، هو ما قرره ابن كثير، وأيده بالنظائر المتقدمة، ونقل عن الحسن، فتكون الكناية لمشركي العرب. وقيل: المراد بالجن الملائكة، فإنهم عبدوهم وقالوا عنهم بنات الله. وكلا الأمرين موجب للشريك. أما الأول فظاهر. وأما الثاني فلأن الولد كفء الوالد، فيشاركه في صفات الألوهية. وتسمية الملائكة (جنا) حقيقة، لشمول لفظ الجن لهم. وقيل: استعارة. أي: عبدوا ما هو كالجن، فيكون مخلوقا مستترا عن الأعين.

وذهب بعض السلف - منهم الكلبي - إلى أنها نزلت في الثنوية القائلين بأن للعالم إلهين: أحدهما خالق الخير وكل نافع. وثانيهما خالق الشر وكل ضار. ونقله ابن الجوزي عن ابن السائب. وحكاه الفخر عن ابن عباس رضي الله عنه، وأنه قال: نزلت في الزنادقة الذين قالوا: إن الله وإبليس أخوان. فالله تعالى خالق الناس والدواب والأنعام والخيرات; وإبليس خالق السباع والحيات والعقارب والشرور.

قال الرازي: وقول ابن عباس المذكور أحسن الوجوه المذكورة في هذه الآية، وذلك؛ [ ص: 2443 ] لأن بهذا الوجه يحصل لهذه الآية مزيد فائدة مغايرة لما سبق ذكره في هذه الآيات المتقدمة.

وقوى ابن عباس قوله المذكور بقوله تعالى: وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا وإنما وصف بكونه من الجن؛ لأن لفظ الجن مشتق من الاستتار، والملائكة والروحانيون مستترة من العيون، فلذلك أطلق لفظ الجن عليها.

قال الفخر: هذا مذهب المجوس. وإنما قال ابن عباس: هذا قول الزنادقة؛ لأن المجوس يلقبون بالزنادقة؛ لأن الكتاب الذي زعم زرادشت أنه نزل عليه من عند الله مسمى ب (الزند)، والمنسوب إليه يسمى (زندي)، ثم عرب فقيل: (زنديق)، ثم جمع فقيل: (زنادقة). واعلم أن المجوس قالوا: كل ما في هذا العالم من الخيرات فهو من (يزدان)، وجميع ما فيه من الشرور فهو من (أهرمن) (وهو المسمى بإبليس في شرعنا) ثم اختلفوا؛ فالأكثرون منهم على أن (أهرمن) محدث، ولهم في كيفية حدوثه أقوال عجيبة. والأقلون منهم قالوا: إنه قديم أزلي. وعلى القولين فقد اتفقوا على أنه شريك الله في تدبير هذا العالم، فخيرات هذا العالم من الله تعالى، وشروره من إبليس. فهذا شرح ما قاله ابن عباس رضي الله عنهما. وإنما جمع حينئذ في الآية، لكونه مع أتباعه كأنهم معبودون.

ثم قال الرازي: وقوله تعالى: وخلقهم إشارة إلى الدليل القاطع على فساد كون إبليس شريكا، وتقريره أنا نقلنا عن المجوس أن الأكثرين منهم معترفون بأن إبليس ليس بقديم، بل هو محدث. إذا ثبت هذا فنقول: إن كل محدث فله خالق وموجد، وما ذلك إلا الله سبحانه وتعالى. فهؤلاء المجوس يلزمهم القطع بأن خالق إبليس هو الله تعالى. ولما كان إبليس أصلا لجميع الشرور والآفات والمفاسد والقبائح، والمجوس سلموا أن خالقه هو الله تعالى، فحينئذ قد سلموا أن إله العالم هو الخالق لما هو أصل الشرور والقبائح والمفاسد. وإذا كان كذلك امتنع عليهم أن يقولوا: لا بد من إلهين، فسقط قولهم. انتهى ملخصا.

[ ص: 2444 ] وقوله تعالى: وخرقوا له أي: اختلقوا وافتروا له: بنين كقول أهل الكتابين في المسيح وعزير: وبنات كقول بعض العرب في الملائكة.

قال الزمخشري: يقال: خلق الإفك وخرقه واختلقه بمعنى. وسئل الحسن عنه فقال: كلمة عربية كانت العرب تقولها. كان الرجل إذا كذب كذبة في نادي القوم يقول له بعضهم: قد خرقها والله! ويجوز أن يكون من (خرق الثوب) إذا شقه: أي: اشتقوا له بنين وبنات. وقرئ: "وخرقوا" بالتشديد للتكثير لقوله (بنين وبنات).

بغير علم أي: من غير أن يعلموا حقيقة ما قالوه من خطأ أو صواب، ولكن رميا بقول عن عمى وجهالة، من غير فكر وروية، أو بغير علم بمرتبة ما قالوا، وأنه من الشناعة والبطلان بحيث لا يقادر قدره. وفيه ذم لهم بأنهم يقولون بمجرد الرأي والهوى. وفيه إشارة إلى أنه لا يجوز أن ينسب إليه تعالى إلا ما جزم به، وقام عليه الدليل.

ثم نزه ذاته العلية عما نسبوه إليه بقوله: سبحانه وتعالى عما يصفون من أوصاف الحوادث الخسيسة من المشاركة والتوليد.
ثم استدل تعالى على بطلان ما اجترؤوا عليه بوجوه أربعة. بدأ منها بقوله

القول في تأويل قوله تعالى:

[101] بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم

بديع السماوات والأرض أي: مبدعهما بلا مثال سبق. وقيل: بمعنى عديم النظير فيهما. قال أبو السعود: والأول هو الوجه. والمعنى: أنه تعالى مبدع لقطري العالم العلوي والسفلي، بلا مادة، فاعل على الإطلاق، منزه عن الانفعال بالمرة.

والوالد عنصر الولد منفعل بانتقال مادته عنه، فكيف يمكن أن يكون له ولد؟

[ ص: 2445 ] أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة أي: من أين وكيف يكون له ولد - كما زعموا - والحال أنه ليس له على زعمهم أيضا صاحبة يكون الولد منها؟ ويستحيل ضرورة وجود الولد بلا والدة، وإن أمكن وجوده بلا والد. وأيضا، الولد لا يحصل إلا بين متجانسين، ولا مجانس له تعالى.

وقوله تعالى: أنى يكون له ولد جملة مستأنفة، لتقرير تنزهه عنه، والحالية بعدها مؤكدة للاستحالة المذكورة.

وقوله تعالى: وخلق كل شيء جملة أخرى مستأنفة، لتحقيق ما ذكر من الاستحالة أو حال ثانية مقررة لها. أي: أنى يكون له ولد والحال أنه خلق كل شيء انتظمه التكوين والإيجاد من الموجودات التي من جملتها ما سموه ولدا له تعالى: فكيف يتصور أن يكون المخلوق ولدا لخالقه؟ أفاده أبو السعود.

وهو بكل شيء عليم أي: مبالغ في العلم أزلا وأبدا. جملة مستأنفة أيضا، مقررة لمضمون ما قبلها من الدلائل القاطعة، ببطلان مقالتهم الشنعاء. أي: أنه سبحانه لذاته عالم بكل المعلومات، فلو كان له ولد، فلا بد أن يتصف بصفاته، ومنها عموم العلم، وهو لغيره تعالى منفي بالإجماع.
[ ص: 2446 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[102] ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل

ذلكم أي: الموصوف بما سبق، البعيد رتبته عن مراتب من يشارك أو ينسب إليه الولادة، إذ هو: الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه أي: بالإيمان به وحده، فإن من جمع تلك الصفات استحق العبادة وحده وهو على كل شيء وكيل أي: رقيب وحفيظ، يدبر كل ما سواه ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.
القول في تأويل قوله تعالى:

[103] لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير

قوله تعالى: لا تدركه الأبصار جملة مستأنفة، إما مؤكدة لقوله تعالى: وهو على كل شيء وكيل ذكرت للتخويف بأنه رقيب من حيث لا يرى فليحذر، وإما هي مؤكدة لما تقرر قبل من تنزهه وتعاليه عن إفكهم أعظم تأكيد، ببيان أنه لا تراه الأبصار المعهودة وهي أبصار أهل الدنيا، لجلاله وكبريائه وعظمته، فأنى يصح أن ينسب إلى عليائه تلك العظيمة؟ وذلك لأنه تعالى لم يخلق لأرباب هذه النشأة الدنيوية استعدادا لرؤيته المقدسة.

قال العارف الجليل الشيخ الأكبر قدس سره في "فتوحاته": سبب عجز الناس عن رؤية ربهم في الدنيا ضعف نشأة هذه الدار، إلا لمن أمده الله بالقوة، بخلاف نشأة الآخرة لقوتها. وسبب رؤيته تعالى في المنام كون النوم أخا الموت. وفي الحديث: إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا. فما نفى الشرع إلا رؤية الله في الدنيا يقظة. انتهى.

وقال بعضهم: إن الأبصار المعهودة في الدنيا لا تدركه تعالى؛ لأن هذه الأحداق مادامت تبقى على هذه الصفات التي هي موصوفة بها في الدنيا لا تدرك الله تعالى، وإنما تدركه إذا تبدلت صفاتها، وتغيرت أحوالها.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 38.45 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 37.82 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.63%)]