عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 05-01-2023, 03:42 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 160,615
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَنْعَامِ
المجلد السادس
صـ 2411 الى صـ 2418
الحلقة (332)




قال العلامة البقاعي: لأن من نسب ملكا تام الملك إلى أنه لم يبث أوامره في رعيته بما يرضيه ليفعلوه، وما يسخطه ليجتنبوه، فقد نسبه إلى نقص عظيم. فكيف إذا كانت تلك النسبة كذبا؟ وإنما أسند إلى الكل - والقائل بعضهم - لأنهم لم يردوا على قائله، ولم [ ص: 2411 ] يعاجلوه بالأخذ على يده، تهويلا للأمر، وبيانا لأنه يجب على كل من سمع بآية من آيات الله أن يسعى إليها، ويتعرف أمورها، فمن طعن فيها أخذ على يده بما تصل إليه قدرته، فقال مشيرا إلى اليهود قائلو ذلك. ملزما لهم بالاعتراف بالكذب، أو المساواة للأميين في التمسك بالهوى دون كتاب، موبخا لهم، ناعيا عليهم سوء جهلهم، وعظيم بهتهم، وشدة وقاحتهم، وعدم حيائهم: قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى ؟ أي: قل لهؤلاء السفهاء الذين تجرأوا على هذه المقالة، غير ناظرين في عاقبتها، وما يلزم منها، توبيخا لهم، وتوقيفا على شنيع جهلهم: من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى الذي أنتم تزعمون التمسك بشرعه: تجعلونه قراطيس أي: أوراقا مفرقة، لتتمكنوا بها من إخفاء ما أردتم تبدونها للناس أي: تظهرونها للناس وتخفون كثيرا أي: منها مما تريدون به تبديل الدين. هذا على قراءة الفوقانية. وعلى قراءة التحتانية التفات مؤذن بشدة الغضب، مشير إلى أن ما قالوه حقيق بأن يستحى من ذكره، فكيف بفعله. وقوله: وعلمتم أي: أيها اليهود بالكتاب الذي أنزل على موسى: ما لم تعلموا أنتم أي: أيها اليهود من أهل هذا الزمان: ولا آباؤكم أي: الأقدمون. انتهى كلام البقاعي رحمه الله تعالى. وفي قوله: (وإنما أسند إلى الكل..) إلى آخره، نظر؛ لأن إسناده ليس إليهم؛ لأنهم رضوا به؛ لأن القصة السالفة تدل على خلافه. وللبقاعي رحمه الله وجه آخر في الآية. قال: ويمكن أن تكون مكية، ويكون قولهم هذا حين أرسلت إليهم قريش تسألهم عنه صلى الله عليه وسلم في أمر رسالته، فاحتج عليهم بإرسال موسى عليه السلام، وإنزال التوراة عليه. انتهى. وهو قريب وجيه جدا.

وبالجملة، فالآية الكريمة متصادقة مع الأوجه المذكورة، وتتنزل في التأويل، على ما بينا في كل تنزيلا لا شائبة معه لإشكال ما. وقد استصعب الرازي تأويلها، وأخذ يحاول أسئلة هي على طرف الثمام، بعد النظر فيما بينا، فالحمد لله الذي هدانا لهذا.

[ ص: 2412 ] لطائف:

الأولى: قال أبو السعود رحمه الله: ليس المراد بالآية مجرد إلزامهم بالاعتراف بإنزال التوراة فقط، بل بإنزال القرآن أيضا؛ فإن الاعتراف بإنزالها مستلزم للاعتراف بإنزاله قطعا، لما فيها من الشواهد الناطقة به.

الثانية: قال أيضا في قوله تعالى: تجعلونه قراطيس أي: تضعونه في قراطيس مقطعة، وورقات مفرقة، بحذف الجار، بناء على تشبيه القراطيس بالظرف المبهم، أو تجعلونه نفس القراطيس المقطعة. وفيه زيادة توبيخ لهم بسوء صنيعهم، كأنهم أخرجوه من جنس الكتاب، ونزلوه منزلة القراطيس الخالية عن الكتابة.

الثالثة: في قوله تعالى: تبدونها وتخفون كثيرا دلالة على أنه لا يجوز كتم العلم الديني عمن يهتدي به. قاله بعض الزيدية.
ولما أبطل تعالى كلمتهم الشنعاء بتقرير إنزال التوراة، بين تنزيل ما يصدقها بقوله:

القول في تأويل قوله تعالى:

[92] وهذا كتاب أنـزلناه مبارك مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون

وهذا يعني: القرآن كتاب أنـزلناه مبارك أي: كثير المنافع والفوائد، لاشتماله على منافع الدارين، وعلوم الأولين والآخرين، وما لا يتناهى من الفوائد.

قال الرازي: العلوم إما نظرية، وإما عملية. فالأولى أشرفها. وأكملها معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأحكامه وأسمائه. ولا ترى هذه العلوم أكمل ولا أشرف مما تجده في هذا الكتاب.

وأما الثانية: فالمطلوب إما أعمال الجوارح، وإما أعمال القلوب، وهو المسمى [ ص: 2413 ] بطهارة الأخلاق، وتزكية النفس. ولا تجد هذين العلمين مثل ما تجده في هذا الكتاب. ثم جرت سنة الله تعالى بأن الباحث عنه، والمتمسك به، يحصل له عز الدنيا، وسعادة الآخرة. انتهى. قال الخفاجي: وقد شوهد ذلك في كل عصر.

مصدق الذي بين يديه أي: من التوراة أو من الكتب التي أنزلت قبله، في إثبات التوحيد، والأمر به، ونفي الشرك، والنهي عنه. وفي سائر أصول الشرائع التي لا تنسخ.

ولتنذر أم القرى يعني: مكة. سميت بذلك لأنها مكان أول بيت وضع للناس، ولأنها قبلة أهل القرى كلها ومحجهم، ولأنها أعظم القرى شأنا، وغيرها كالتبع لها، كما يتبع الفرع الأصل. وفي ذكرها بهذا الاسم، المنبئ عما ذكر، إشعار بأن إنذار أهلها مستتبع لإنذار أهل الأرض كافة. ومن حولها من أطراف الأرض، شرقا وغربا. كما قال في الآية الأخرى: لأنذركم به ومن بلغ وقوله: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا وقال: تبارك الذي نـزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا وقال تعالى: وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد

[ ص: 2414 ] وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي، وذكر منهن: وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة» .

والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون فإن من صدق بالآخرة خاف العاقبة، ولا يزال الخوف يحمله على النظر والتدبر، حتى يؤمن بالنبي والكتاب (والضمير يحتملها) ويحافظ على الصلاة. والمراد بها إما الطاعة مجازا، أو حقيقتها، وتخصيصها لكونها أشرف العبادات بعد الإيمان، وأعظمها خطرا.

قال الرازي: ألا ترى أنه لم يقع اسم الإيمان على شيء من العبادات الظاهرة إلا على الصلاة، كما قال تعالى: وما كان الله ليضيع إيمانكم إن الله بالناس لرءوف رحيم [ ص: 2415 ] أي: صلاتكم. ولم يقع اسم الكفر على شيء من المعاصي إلا على ترك الصلاة. قال عليه الصلاة والسلام: «من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر» . فلما اختصت الصلاة بهذا النوع من التشريف، لا جرم خصها الله بالذكر في هذا المقام. انتهى.

أقول: الحديث المذكور رواه الطبراني في أوسط معاجمه عن أنس وصحح. وتمامه: «فقد كفر جهرا» . كما في الجامع الصغير.

أخرج ابن أبي حاتم عن مسروق، قال في هذه الآية: أي: يحافظون على مواقيتها.
القول في تأويل قوله تعالى:

[93] ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنـزل مثل ما أنـزل الله ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أي: اختلق إفكا، فجعل له شركاء أو ولدا، أو أحكاما في الحل والحرمة، كعمرو بن لحي وأشباهه، ممن جعل قوله قول الله.

أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ممن ادعى النبوة كذبا، وهذا يزيد على الافتراء في دعوى النبوة.

قال البقاعي: هذا تهديد على سبيل الإجمال، كعادة القرآن الجميل، يدخل فيه كل من اتصف بشيء من ذلك، كمسيلمة والأسود العنسي وغيرهما، ثم قال: رأيت في كتاب "غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود" لابن يحيى المغربي الذي كان من علمائهم في حدود [ ص: 2416 ] سنة 560 ثم هداه الله للإسلام فبين فضائحهم: إن الربانيين منهم زعموا أن الله يوحي إلى جميعهم في كل يوم مرات. ثم قال: إن الربانيين أكثرهم عددا، يزعمون أن الله يخاطبهم في كل مسألة بالصواب، وهذه الطائفة أشد اليهود عداوة لغيرهم في الأمم. انتهى.

ومن قال سأنـزل مثل ما أنـزل الله أي: ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول، كالنضر بن الحارث. وهذا كقوله تعالى: وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا

قال المهايمي: أي: ومن أنكر إعجاز القرآن حتى قال: سأنـزل مثل ما أنـزل الله مع أنه قد عرف إعجازه، فكأنه ادعى لنفسه قدرة الله، فكأنه ادعى الإلهية لنفسه، ولا يجترئ على هذه الوجوه من الظلم من يؤمن بالآخرة. فيعلم ما للظالمين فيها، المبين بقوله تعالى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت أي: شدائده وسكراته وكرباته والملائكة باسطو أيديهم أي: بالضرب والعذاب، كقوله تعالى: ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم

أخرجوا أنفسكم أي: قائلين لهم: أخرجوا إلينا أرواحكم من أجسادكم، تغليظا وتوبيخا وتعنيفا عليهم. وقد جنح بعضهم إلى أن ما ذكر من مجاز التمثيل. أي: فشبه فعل الملائكة في قبض أرواحهم، بفعل الغريم الذي يبسط يده إلى من عليه الحق ويعنف في استيفاء حقه من غير إمهال. وفي "الكشف" أنه كناية عن ذلك، ولا بسط ولا قول حقيقة. قال الناصر في "الانتصاف": ولا حاجة إلى ذلك. والظاهر أنهم يفعلون معهم هذه الأمور حقيقة، على الصور المحكية. وإذا أمكن البقاء على الحقيقة، فلا معدل عنها. انتهى.

[ ص: 2417 ] وقال الحافظ ابن كثير: إن الكافر إذا احتضر بشرته الملائكة بالعذاب والنكال والأغلال والسلاسل والجحيم والحميم وغضب الرحمن الرحيم، فتتفرق روحه في جسده، وتعصي، وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: أخرجوا أنفسكم انتهى.

أقول: مما يؤيد الحقيقة آية: ولو ترى إذ يتوفى المتقدمة، فإنها صريحة، ومراعاة النظائر القرآنية أعظم ما يفيد في باب التأويل.

قال السيوطي في "الإكليل": في هذه الآية حال الكافر عند القبض، وعذاب القبر. واستدل بها محمد بن قيس على أن لملك الموت أعوانا من الملائكة. أخرجه ابن أبي حاتم.

اليوم أي: وقت الإماتة، أو الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له تجزون عذاب الهون أي: الهوان الشديد بما كنتم تقولون على الله غير الحق كالتحريف ودعوى النبوة الكاذبة. وهو جراءة على الله متضمنة للاستهانة به - قاله المهايمي - وكنتم عن آياته تستكبرون حتى قال بعضكم: سأنزل مثل ما أنزل الله.
القول في تأويل قوله تعالى:

[94] ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون

ولقد جئتمونا أي: للحساب والجزاء: فرادى أي: منفردين عن الأموال والأولاد، وما أثرتموه من الدنيا. أو عن الأعوان والأوثان التي زعمتم أنها شفعاؤكم. و (فرادى) جمع فريد، كأسير وأسارى.

[ ص: 2418 ] كما خلقناكم أول مرة أي: مشبهين ابتداء خلقكم، حفاة عراة غرلا (يعني قلفا).

روى الشيخان عن ابن عباس قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال: «أيها الناس! إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا» كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين

ورويا أيضا عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تحشرون حفاة عراة غرلا. قالت عائشة: فقلت: يا رسول الله! الرجال والنساء جميعا ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال: الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.02 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 32.40 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.90%)]