عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 04-01-2023, 09:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,348
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الفقه على المذاهب الأربعة ***متجدد إن شاء الله

الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: عبد الرحمن بن محمد عوض الجزيري
الجزء الخامس
[كتاب الحدود]
صـــــ 100 الى صــــــــ
108

الحلقة (268)


إجماع الشرائع على أن القذف اعتداء على الأعراض
- وقد اجمعت الشرائع والعقول على أن القذف بهذا المعنى اعتداء على الأعراض التي يقتضي النظام العام صيانتها خصوصا إذا لوحظ ما يترتب عليه من شر وفاسدن لأن قذف المحصنات بالزنا يوجب لا محالة العداوة والبغضاء بين الأسر ويولد الضغائن والأحقاد في نفوس الناس وربما أفضى إلى الانتقام بقل النفس وذلك شر وبيل يجب أن توضع له عقوبة تحذر الناس عنه فلا يطلقون لألسنتهم العنان فيه حذرا مما يترتب عليه من شر وفساد
مبحث اعتراض الجهلة على حد القذف
- إن بعض الناس يتخيل أن عقوبة الجلد شديدة ولا تناسب المدنية الحاضرة . والجواب عن مثل هذا هو أن يقال : ينبغي لمن يتكلم بهذا أن يدرك اولا معنى الجريمة ومعنى ما يترتب عليها من الآثار التي تؤذي المجتمع الإنسانين ثم يقارن بينها وبين العقوبة ليعلم أن الغرض من العقوبة إنما هو زجر الناس عن كل فعل أو قول يضر بالمجتمع ويؤذي أفراده وجماعته فإذا فشت الجرائم بين الناس وأصبح كل واحد غير آمن على عرضه أو نفسه أو ماله فإنه لا يكون لهذا معنى الإ أن الإنسان الذي ميزه الله تعالى بالعقل مساو للحيوان المفترس الذي يعتدي فويه على ضعيفة وذلك هو الهلاك والفناء للأفراد والجماعات فلا بد من زاجر يزجر المجرمين فاسدي الخلاق ويوقفهم عند الحد الذي يصلح للبقاي ولا بد أن يكون ذلك الزاجر قاطعا للدابر الجريمة كي لا يكون لها أثر بين الناس فمن مصلحة المجتمع ومصلحة المجرمين أنفسهم أن تكون العقوبة زاجرة بصرف النظر عن تفاوت حال المجرمين في الرقة والخشونة أو الذكورة والنوثة فإن ذات الجريمة واحدن وآثارها الضارة واحدة ولا يليق بعاقل مشرع أن يقول : إن المحرم الذي يهاجم أعراض الناس فيثلمها بلسانه كذبا وافتراء لا يستحق عقوبة الضرب الموجعة
بل الواجب أن يقول : إن هذه الجريمة لها اسوأ الأثر بين الأفراد والجماعات فيجب أن توضع لها عقوبة تقلعها من أساسها فالعقوبة التي وصفها الله تعالى لازمة ضرورية
فعلى المؤمنين الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن ينزهوا ألسنتهم عن قذف الناس بهذه الفاحشة إن لم يكن خوفا من العقوبة الدنيوية فخوفا من الله الذي وصفهم بأنهم ( فاسقون )
أما المستهترون الذين لا يبالون أمر الله عز و جل ولا يخشونه فإن هؤلاء أحط من الأنعام فلا زاجر لهم إلا بما يؤذيهم وإلاتمادوا في نهش أعراض الناس بدون حساب ( 1 )
مبحث العفو عن القاذف
- الشافعية والحنابلة قالوا : إن للمقذوف الحق في أن يقفو عن قاذفه ويسقط بذلك العفو حد القذف وفي ذلك سعة فإذا سبق لسان أحد إلى قذف شخص بهذه الفاحشة فإنه يصح له أن يسترضيه ويزيل ذلك الأثر من نفسه فاذ عقفا عنه فإن عفوه يصح سواء كان قبل رفع الأمر للحاكم أو بعده
المالكية يوافقون على هذا الرأي إذا كان العفو قبل أن يرف الآمر للحاكم أما بعد رفع الآمر للحاكم فإن العفو يصح إذا كان المقذوغ يخاف على نفسه سوء السمعة أما بعد رفع الأمر للحاكمن فإن العفو يصح إذا كان المقذوف يخاف على نفسه سوء السمعة أما إذا كان مشهورا بالفعة ولا تؤذيه إذاعة التهمة فإن العفو لا يصح
وعلى أي حال فإن القول بصحة عقو المقذوف معقول لأنه هو الذي وقع عليه ضرر القذف ومتى عفا ذهب أثر الجريمة الضار فإذا قذفه ثانيا بعد العفو فإنه لا يحد ولكن يعزر كي لا يعود إلى شتمه
ويمكنك أن تقول : إن العفو يسقط حد القاذف عند الأئمة الثلاثة خلافا للحنفية ومع ذلك فإن الحنفية يقولون : أنه لا يقام إلا إذا رفع المقذوف الأمر للحاكم ( 2 )
مبحث من نسبه إلى عمه أو خاله
الحنفية قالوا : ومن نسب إنسانا إلى عمه أو خاله أو إلى زوج أمه فليس بقاذف لأن كل واحد من هؤلاء يسمى أبا فلأول وهو تسمية العم أبا لقول تعالى : { وإله آبائك إبراهيم واسماعيل وإسحاق } وإسماعيل كان عما ليعقوب عليهم الصلاة والسلام والثاني لقوله عليه الصلاة و السلام ( الخال والد من لا والد له ) والثالث للتربية وقيل في قوله تعالى : { إن ابني من أهلي } أنه كان أبن امرأته ومن قال لآخر : يازاني فقال له الآخر : لا بل أنت فإنهما يحدان إذا طالب كل منهما الآخر لأنهما قاذفان وإذا طالب كل الآخر واثبت ما طالب به عند الحاكم لزمه حينئذ حق الله تعالى وهو إقامة الحد فلا يتمكن واحد منهما من ساقاطه فيحد كل منهما بخلاف ما لو قال له مثلا : يا خبيث فقال له : بل أنت تكافآ ولا يعزر كل منهما للآخر لأنه حق للآدمي فتساقطا
مبحث إذا ظهر أن الشهود كفار أو عبيد
الشافعية قالوا : لو الزوج بزنا زوجته كان قاذفا لها فيحد حد القذف لأن شهادته بزناها غير مقبول عند القاضي للتهمة وعلى هذا لو شهد عليها دون أربعة حدوا جميعا لأنهم قذفة وكذا لو كان شهد أربع نسوة أو عبيد أو كفرة أو أهل ذمة أو مستأمنين فإنهم في كل هذه المسائل يحدون حد القذف على المذهب لأنهم ليسوا من أهل الشهادة . فلم يقصدوا بقوله إلا القذف
والطريق الثاني في حدهم إننا نزلنا نقص الصفة في هؤلاء الشهداء منزلة نقص العدد فيحدون ومحل الخلاف إذا كانوا في مظاهر الحال بصفة الشهود ثم باتوا كفارا أو عبيدا وذلك لأن القاضي إذا علم حالهم من أول الأمر ردهم ولا يصغي إليهم فيكون قولهم قذفا محصنا قطعا من غير شك ( لأنه ليس في تعرضه شهادة )
قالوا : لو شهد أربعة بالزنا وردت شهادتهم بفسق ولو مقطوعا به كالزنا وشرب الخمر لم يحدوا لعدم تمام شرائط الشهادة وفارق ما مر في المسائل الأولى في نقص العدد بأن نقص العدد متيقن وفسقهم إنما يعرف بالظن والاجتهاد وهو شبهة والحد يدرأ بالشبهات
ولو شهد دون اربعة بالزنا فحدوا وعادوا مع رابع لم تقبل شهادتهم كالفاسق ترد شهادته ثم يتوب ويعيدها لم تقبل
ولو شهد بالزنا عبيد فحدوا ثم عادوا بعد العتق قبلت شهادتهم لعدم اتهمامهم ولو شهد به خمسة فرجع واحد منهم عن شهادته لم يحد هو ولا غيره لقاء النساب ولو رجع اثنان من الخمسة حدا لأنهما ألحقا به العار دون الباقينن لتمام النصاب عند الشهادة مع عدم تقصيرهم ولو رجع واحد من أربعة حد وحده دون الباقين لما ذكر
مسألة
قالوا : إذا قذف إنسان إنسانا آخر بين يدي الحاكم أو قذف امرأته برجل يعينه والرجل غائب عن المجلس فعلى الحاكم أن يبعث إلى المقذوف ويخبره بأن فلانا قذفه وثبت لك حد القذف عليه كما لو ثبت له مال على آخر وهو لا يعلمه يلزمه إعلامه بذلك وقد بعث النبي صلى الله عليه و سلم أنيسا ليخبرها بأن فلانا قذفها بابنه ولم يبعثه الرسول ليبحث عن زناه ويتحققه
الشافعي رحمه الله قال : ليس للإمام اذارمي رجل بزنا أن يبعث إليه فيسأله عن ذلك . لأن اللع تعالى قال : { ولا تجسسوا } وأراد به إذا لم يكن القاذف معينا مثل أن قال رجل : الناس يقولون إن فلانا زنى
من قذف زوجته برجل
الحنفية والشافعية والحنابلة ت قالوا : يجب اللعان بممجرد أن يقذف الرجل زوجته بالزنا إن طالبته بذلك لعموم قول تعالى : { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم اربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين } الخ الآيات ولم تخص الآية في الزنا صفة دون صفة ويشترط أن يكون الزوج من اهل الشهادة وأن تكون الزوجة ممن يحد قاذفها وطالبته بذلك
المالكية قالوا : لا يجوز اللعان بمجرد القذف بل لابد أني يدعي رؤية الزنا
وحجتهم في ذلك ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك عن النبي صلى الله عليه و سلم : منها قوله في حديث سعد بن عبادة - أرأيت لو أن رجلا وحد مع امرأته رجلا ) وحديث أبن عباس رضي الله عنهما وفيه : ( فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال : والله يا رسول لقد رأيت بعيني وسمعت بأذني فكره رسول الله صلى الله عليه و سلم ما جاء به واشتد عليه فنزلت الآية الكريمة : { والذين يرمون أزواجهم } الآية وايضا فإن الدعوى يجب أن تكون مبينة كالشهادة سواء بسواء
واتفق الأئمة : على أن من قذف زوجته بالزنا واجعى الرؤية يجب أن يجرى اللعان بينهما

-------------------------
( 1 ) ( إن لله تعالى في طي كل مصيبة نعمة وفي كل بلية رحمة وإن لم يطلع على ذلك صاحبها ففي إقامة الحدود تأديب للمؤمنين وتربية لنفوسهم على الخير والبعد عن مواطن الشر وتطهير لألسنتهم والتحفظ بها عن الخوض في أعراض الناس وحفظا لهم من أن يقعوا في معصية الله تعالى ويصبحوا من الفاسقين وفي تشريع الحدود تطهير للمجتمع من الشرور والمفاسد التي تهلكهم وتفرق بين صفوفهم وإذا قارنا بين المجتمع الذي نعيش فيه وبين المجتمع الذي كان في عهد الرسول الله صلى الله عليه و سلم أدركنا الفرق الكبير والبون الشاسع بينهما . وذلك لإقامة الحدود في عهده وعهد الخلفاء الراشدين من بعده )
( 2 ) ( الشافعية والحنابلة في أظهر روايتهم قالوا : إن حد القذف حق للمقذوف وإن كان فيه حق الشرع تقديما لحق العبد باعتبار حاجته وغنى الشرع ولأن أكثر الأحكام تبنى عليه والمعقول يشهد له وهة أن العبد ينتفع بحد القذف على الخصوص مثل القصاص فلا يستوفى إلا بمطالبته وله أن يسقطه عن القاذف معفو عنه وله أن يبرىء منه وهو يورث عن المذوف وذلك لأن حق العبد في حد القذف غالب على حق الشرع وظاهر عليه لأن فيه صيانة أعراض الناس
الحنفية قالوا : ليس للمقذول أن يسقط حد القذف عن القاذف ولا أن يعفو عنه ولا يمكنه أن يبرىء القاذف منه لأن الغالب فيه حق الله تعالى ولا خلاف أن فيه حق للعبد وحق الشرع ولأنه شرع لدفع العار عن المقذوف وهو الذي ينتفع به على الخصوص فمن هذا الوجه حق العبد وفيه معنى الزجر ولذلك يسمى حدا والمراد بالزجر إخلاء المجامتع من الفساد وتطهيره من المنكر وهذا علامة حق الشرع إذا لم يختص به إنسان دون غيره ولأن ما للعبد من الحق يتولاه مولاه فيصير حق العبد شرعيا له ولا كذلك عكسه لأنه لا ولاية للعبد في استيفاء حقوق الشرع إلا نيابة وهذا هو الصل المشهور الذي يتخرج عليه الفروع المختلف فيها كالإرث لأنه يجري في حقوق العباد لا في حقوق الشرع فإن العبد يرث حق العبد بشرط كونه مالا والحد ليس شيئا من أنواع الأموال فيبل بالموت إذا لم يثبت دليل سمعي على استخلاف الشرع وإرث جعل له حق المطالبة أو وصية المطالبة التي جعلها شرطا لظهور حقه ومنها العفو فإنه بعدما ثبت عند الحاكم القذف والاحصان لو عفا المقذوف عن القاذف لا يصح منه ويحد فإن الحد لا يسقط بعد ثبوته عندهم إلا أن يقول المقذوف . لم يقذفني أو كذب شهودي وحينئذ يظهر أن القذف لم ينعقد موجبا للحد بخلاف العفو عن القصاص فإنه يسقط بعد وجوبه لأن القالب فيه حق العبد ومنها أنه لا يجوز الاعتياض عنه ويجري فيه التداخل حتى لو قذف شخصا مرات أو قذف جماعة كان فيه حد واحد إذا لم يتخلل حد بين القذفين ولو ادعى بعضهم فحدن ففي أثناء الحد ادعى آخرون كما ذلك الحد فقط
قالوا : وإنما لا يصح عفوه لأنه عقو عما هو مولى عليه فيه وهو الإقامة ولأنه متعنت في العفو لأنه رضي بالعار الذي لحقه من القذف والرضا بالعار عار وذلك هو الأظهر من جهة الدليل والأشهر عند عامة المشايخ ومن أصحابهم من قال : إن الغالب في حد القذف حق العبد
المالكية قالوا : إن حد القذف الغالب فيه حق العبد فلا يستوفى إلا بمطالبته وإن له اسقاطه إذا لم يرفع الأمر إلى الحاكم أما إذا رفع الأمر إلى الحاكم ووصل إليه فليس لأحد اسقاطه في هذه الحالة لأن العلماء اجمعوا على أن الحد إذا رفع إلى الحاكم وجب الحكم بإقامة الحد عليه وتحريم قبول الشفاعة في أسقاطه إلا أن يريد بذلك المقذوف الستر على نفسه من كثرة اللغط فيه وهو المشهور عندهم
وقالوا : إن حد القذف لا يجوز الاعتياض عنه وإنه يجري فيه التداخل فلو قذف
قذفين أو أكثر لواحد وجب حد واحد ولو قذف جماعة في مجلس أو مجالس بكلمة أو كلمات فعليه حد واحد ولو قذق جماعة في مجلس أو مجالس بكلمة أو كلمات فعليه حد
واحد للجميع فإن طالب أحدهم وضرب له كان ذلك بكل قذف كان عليه ولا حد لمن طالب منهم بعد ذلك . فلا يتكرر الجلد بتكرر القذف ولا بتعدد المقذوف إلا أن يكرر القذف بعد إقامة الحد فإنه يعاد عليه ولو لم يصرح به



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 39.97 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 39.34 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.57%)]