1- يقول صاحب المقدمة، في حديثه عن الأسباب التي تجعل المؤرخين يقعون في الأخطاء الشنيعة في نقلهم للأخبار أن هذه الأخيرة (إذا اعتُِمدَ فيها على مجرد النقل، (...) ولا قياس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب (...) وكثيرا ما وقع المؤرخون والمفسرون وأئمة النقل المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا أَو سمينا، لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا مبررها بمعيار الحكمة...)(7). فنحن هنا أمام الآلية الأصولية الكبرى، آلية القياس: قياس الغائب بالشاهد، قياس الأشباه والنظائر، قياس الفروع على الأصول. ونحن في جوف القياس الأصولي أمام تفصيل في الآلية أَو قل: أمام خطوة منهجية ملازمة للقياس الأصولي: تلك التي تقوم على التقسيم والسبر (تقسيم المسألة إلَى ما يقتضيه حالها من الأجزاء والأقسام، ثم سبر كل جزء على حدة - كما يكون سبر غور البئر، أي إنفاذ آلة فيه لمعرفة مدى عمقه).
2- نعلم أن إحدى الخطوات المنهجية التي يقتضيها التعليل عند الأصولي، وتستدعيها آلية القياس ويتوجبها عمل (التقسيم والسبر) هي تلك التي تقوم على التمييز بين المتفق والمختلف بحثا عن (العلة) - وهذه غاية القياس الأصولي أَو (الثمرة) كما يقول علماء أصول الفقه. وفي علم التاريخ (يحتاج صاحب هذا الفن إلَى العلم بقواعد السياسة وطبائع الموجودات (...) والإحاطة بالحاضر من ذلك ومماثلة ما بينه وبين الغائب من الوفاق أَو بون ما بينهما من الخلاف وتعليل المتفق عليه (...) حتى يكون مستوعبا لأسباب كل حادث، واقفا على أصول كل خبر وحينئذ يعرض خبر المنقول على ما عنده من القواعد والأصول)(8).
نقول، في كلمة جامعة، استخلاصا من قراءة هذا النص: إن المؤرخ في حاجة إلَى معرفة الآلية الأصولية جميعها، في خطواتها ودقائقها، ذلك أن عمل (صاحب هذا الفن) هو، متى دققنا الفكر وأمعنا النظر، عين العمل الذي يقوم به المجتهد إذ يلتمس العلة في الحكم ويستقصي دواعي الترجيح: ترجيح رأي على آخر مخالف له أَو مناقض له بعد أن يكون قد قسم، وسبر، وماثل، وميز بين المتفق عليه والمختلف فيه. كتابة التاريخ اجتهاد: والشروط اللازم توافرها في المجتهد، حين ينظر في الأحكام، هي عينها التي تلزم المؤرخ عندما ينظر في الأخبار.
يميز علماء أصول الفقه، كما هو معلوم، بين أمور ثلاثة تلزم الإنسان في وجوده والنظر فيها هي: مدار التكليف أولا، وهو القاعدة التي يلزم الأخذ بها في التماس (المصلحة) والوقوع على (مقصد الشارع). ثانيا - تلك الأمور الثلاثة: الضروري، والحاجي، والكمالي أَو التحسيني، فلا يطلب الحاجي إلا بعد استيفاء الضروري، ولا ينشد الكمالي إلا بعد التوافر على الحاجي - والترتيب ملزم فلا يحوز التفريط فيه. والمؤرخ العربي الكبير، صاحب نظرية العمران البشري، يقول في فصل شهير من فصول المقدمة: (اعلم أن اختلاف الأجيال في أحوالهم، إنما هو باختلاف نحلتهم من المعاشر، فإن اجتماعهم إنما هو للتعاون على تحصيله، والابتداء بما هو ضروري منه ونشيط قبل الحاجي والكمالي، فمنهم من يستعمل الفلح من الغراسة والزراعة (...) ومنهم من ينتحل القيام على الحيوان من الغنم والبقر والماعز والنحل (...) وهؤلاء القائمون على الفلح والحيوان تدعوهم الضرورة ولابد إلَى البدو لأنه متسع (...) ثم إذا اتسعت أحوال هؤلاء المنتحلين للمعاش وحصل لهم ما فوق الحاجة من الغنى والرفه - دعاهم ذلك إلَى السكون والدعة وتعاونوا في الزائد على الضرورة واستكثروا من الأقوات والملابس والتأنق فيها (...) واختطاط المدن والأمصار (...) فيتخذون القصور (...) وهؤلاء هم الحضر)(9).
فكما أن الضروري يسبق الكمالي، فإن (البداوة) تكون سابقة على (الحضارة)، و(الخشونة) و(شظف العيش) يكونان متقدمين على (الرقة) و(التأنق) ثم (التفنق) (وهذه كلها عبارات خلدونية بطبيعة الأمر). لذلك يكون من الطبيعي، بحكم هذا المنطق، أن يكتب ابن خلدون فصلا (في أن أجيال البدو والحضر طبيعية) وآخر في (أن البدو أقدم من الحضر وسابق عليه وأن البادية أصل العمران) وأن يبسط في فصول المقدمة الأخرى أقواله في الاجتماع البشري والعمران من ثم نظريته في الحضارة عامة. وبعبارة أخرى فإن صاحب المقدمة ليس فقط فقيها أصوليا أُشْرِبَ الثقافةَ الفقهية منذ صباه وشبابه الأول فكانت خطواته الأولى في الكتابة والتأليف قولا ومشاركة في تلك الثقافة - بل إن أصول الفقه (لغة ومضامين ومنهجا) تظل المنفذ الضروري لفهم نظرية صاحبها في الحضارة وأطوارها، بل تمهيدا لذلك الفهم، في إدراك مغزى العمران والوقوف على طبيعة الاجتماع البشري.
هل يعني هذا القول الانتقاص من شأن (الحكمة) و(العلوم الحكمية) والحال أن صاحب المقدمة يعد هذه الأخيرة (الطبيعيات والإلهيات من الفلسفة) من (العلوم المتعارفة بين أهل العمران) من جهة أولى ويصنفها، كما ذكرنا سابق، في دائرة (العلوم المقصودة بالذات) ليسوي بينها، وبين الشرعيات، من جهة ثانية؟ هل يمكن أن ننقض ما قلناه في السابق من انتساب التاريخ إلَى العلوم الشرعية وإلى الإلهيات معا؟ من البدهي أن الإجابة عن كلا السؤالين لا تملك إلا أن تكون سلبا وإلا كذبتنا في ذلك أقوال ابن خلدون نفسه في مواطن عديدة من المقدمة وناقضتنا عبارته المختلفة والمتنوعة في فصول كثيرة. لقد ظل مؤرخنا العربي الكبير يمتاح دوما من البئرين: بئر العلوم الشرعية، وبئر العلوم الحكمية. لكن هذه الأخيرة إذ تنشد أن تكون عقلا مجردا والتماسا لمنطق ومعنى ذاتيين يحكمان التاريخ بعيدا عن (الشرع) ويعملان خارج مجاله فإن الفقيه الأصولي، والمتكلم الأشعري عبد الرحمن بن خلدون سرعان ما يمسك بالتاريخ إذ هو (خبر عن الاجتماع الإنساني الذي هو عمران العالم وما يعرض لطبيعة ذلك العمران من الأحوال). وما يعرض لتلك الطبيعة من الأحوال لا يملك المؤرخ إلا أن يقول: إنها سنة الله يجريها في الكون على (مستقر العادة).
3- التاريخ البشري ومستقر العادة
نقرأ لابن خلدون في الفصل المخصص لعلم الكلام قوله:
(إن الحوادث في العالم الكائنات، سواء كانت من الذوات أَو من الأفعال البشرية أَو الحيوانية فلابد لها من أسباب متقدمة عليها، بها تقع في مستقر العادة، وعنها يتم كونه، وكل واحد من هذه الأسباب حادث أيضا، فلابد له من أسباب أخرى، ولا تزال تلك الأسباب مرتقية حتى تنتهي إلَى مسبب الأسباب وموجدها وخالقها، -سبحانه وتعالى- لا إله إلا هو، وتلك الأسباب في ارتقائها تتضح وتتضاعف طولا وعرضا ويحار العقل في إدراكها وتعديدها)(10).
تتصل الموجودات في الكون وترتبط ببعضها بعضا ارتباطا يجعل بعضاً منها يكون سببا لوجود الآخر، ويجعل بعضها الآخر، بالمقابل، مسَّببًا (فتح الباء الأولى والثانية). ومتى أمعن الناظر الفكر وجعل العقل يرتقي في سلم المدارك فإنه ينتهي، وجوبا، إلَى أصل يكون أولا بالضرورة: ذلك هو (مسبب الأسباب وموجدها وخالقها) فالله يسبب الأسباب ويخلقها من عدم، بمعنى أنه يوجدها بعد أن لم تكن. وفي كل مستويات الفعل، في كل مرتبة يقدر العقل فيها أن شيئا يكون مسببا (نتيجة) وأن آخر يكون سبا (علة)، فإن حقيقة الأمر أن الفاعل على الحقيقة هو الله، فهو علة كل ما في الكون من موجودات أَو هو سبب الأسباب. ذلك ما يقوله صاحب المقدمة بكيفيات مختلفة وما تأتي كل المفاهيم الفاعلة في العمران البشري لدعمه وتوضيحه، من تلك المفاهيم ومن حيث هي ترجمة لنظام من العلاقات، ولصلة متصلة من الأسباب والمسببات نقترح الوقوف عند أمثلة ثلاثة:
1- المثال الأول هو مثال العصبية، ومكانة العصبية في النظرية الخلدونية ليست، فيما نحسب، في حاجة إلَى بيان لكثرة حديث الدارسين عنها من جهة ولوضوح المعنى فيها من جهة أخرى: فالعصبية عند ابن خلدون هي المحرك العميق الباطن إذ بها تكون المطالبة والمدافعة وكل أمر يجتمع عليه، كما يكرر مؤرخنا الكبير في مواطن عديدة من المقدمة. ولكن العصبيات تتفاوت من جهة القوة والتأثير وهي تعرف أطواراً معلومة من الظهور والضمور. والتغلب الذي يفضي إلَى الملك ونشأة الدولة يقتضي خضوع العصبيات الموجودة في اجتماع معلوم إلَى (عصبية تكون أقوى من جميعها تغلبا) (...) وإلا وقع الافتراق المُفْضي إلَى الاختلاف والتنازع، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض)(11). وإذن فإن العصبية، تلك القوة الباطنة المحركة، ليس لها أن تعمل من تلقاء ذاتها، بل الحق أن الفاعل على الحقيقة هو الله –تعالى-. فالمبدأ المفسر هو إرادة الله: الموجد، الخالق، الفعَّال لما يريد.
2- المثال الثاني هو ما يكون عن العصبية من التغلب وحصول الملك. (الملك إنما يحصل بالتغلب، والتغلب إنما يكون بالعصبية، واتفاق الأهواء على المطالبة وجمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعرفة من الله في إقامة دينه. قال –تعالى- (لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم)(12).
إذا كان تحصيل الملك يقتضي التغلب، وكان هذا الأخير يستدعي وجود العصبية القوية التي تتمكن من صهر العصبيات الأخرى القائمة وإخضاعها لسيطرة عصبية واحدة غالبة - فإن الشرط الأول (الضروري والكافي كما يقول المناطقة) في ذلك وهو اجتماع الكلمة حول عصبية واحدة وحول شخص واحد ينطق باسم تلك العصبية ويكون محمولا إلَى الزعامة والصدارة بموجب تلك العصبية - إن ذلك الشرط لا يمكن أن يتحقق إلا بوجود الإرادة الإلهية التي تشاء ذلك الاجتماع وتقدر التأليف بين القلوب المختلفة. وإذن فإن الفاعل على الحقيقة، ما به يكون التغلب المفضي إلَى الملك، هو الإرادة الإلهية.
3- المثال الثالث نقتطفه من الفصل المعنون (في أن الدعوة الدينية من غير عصبية لا تتم)، ولا يخفى أن هذا الفصل من أشد فصول المقدمة دليلا على الأثر الحاسم للعصبية في التاريخ البشري وليست الدعوة الدينية ذاتها تشذ عن ذلك. يقول ابن خلدون: (كل أمر تجعل عليه الكافة فلابد له من العصبية، وفي الحديث الصحيح (...) ما بعث الله نبيا إلا في منعة من قومه. وإذا كان هذا في الأنبياء، وهم أولى الناس بخرق العوائد، فما ظنك بغيرهم أَلاَ تخرق له العادة (...)! وأحوال الملوك والدول راسخة قوية لا يزحزها ويهدم بناءها إلا المطالبة القوية التي من ورائها عصبية القبائل والعشائر كما قدمناه. وهكذا أحوال الأنبياء، -عليهم الصلاة والسلام-، في دعوتهم إلَى الله بالعشائر والعصائب وهم المؤيدون من الله بالكون كله لو شاء، لكنه إنما أجرى الأمور على مستقر العادة - والله حكيم عليم) (13).
القول بأن الله أجرى الأمور على مستقر العادة قول يعني، من جهة أولى، أن العادة هي من التكرار و الاطراد في الكون، بحيث إنها تصبح مستقرة أَو قل: إنها تصبح شأنا نألفه ونتعود عليه فهو عادة بمعنى أنه لا يثير دهشة ولا استغرابا. ولكن هذا القول يعني، من جهة ثانية، أن مستقر العادة لا يدق عن الفهم، فهو يقبل المعرفة، بمعنى أنه ينتظم على نحو يكون قابلا للمعرفة وتلك (القابلية للمعرفة) - لو أردنا استعمال تعبير مماثل لها فهي السنن التي أقامها الله في الكون، سنن الله التي لا تقبل تبديلا ولا تحويلا.
متى أدركنا الأمور على هذا النحو فنحن نستطيع الوقوع على (طبائع الأشياء) دون أن يكون في ذلك اجتراء على المشيئة الإلهية أَو نيل من إرادة الله التي تتصف بالحرية والإطلاق. لكن هذا الإدراك لا يتأتى لنا إلا متى وقعنا على المغزى العميق للعادة، وفهمنا معنى (مستقر العادة) في النظام المعرفي الخلدوني. في ذلك النظام ليست العادة، متى نظرنا إليها من جهة المنطق، سوى البديل الضروري لمفهوم آخر متداول بالقدر ذاته الذي يكون به عاجزا عن حل الإشكال الناتج عن حصول التعارض بين (طبائع الأشياء) (أي اقتضاء اتصال سلسة الأسباب والمسببات، وقيام (العلة) في الشيء ذاته) من جهة، وبين إرادة الله (مسبب الأسباب والفاعل على الحقيقة، من جهة أخرى). الحق أن عبد الرحمن بن خلدون يستعيد، في مقام البحث في (العمران البشرى) وفي العماد الخفي الذي يتحقق بموجبه، ما سعى إلَى القيام به أبو حامد الغزالي في مجال المعرفة العقلية وتحققها، حيث يكون التمييز بين حصول الاحتراق عند ملاقاة القطن للنار، وليس حدوث الاحتراق بسبب ملاقاة القطن للنار. حصول الشيء (عنده) وليس حصوله (به) هو ما يقضي مبدأ السببية جانبا ويجعل الفهم والتعليل ممكنين عند المفكر الأشعري. الفهم يقتضي حضور العقل وقد كان مبدأ التجويز الآمر المطاع وذاك هو العقل الأشعري ومنطقه الذاتي، والتعليل يستدعي الآلية الأصولية التي تكسب ذلك العقل معنى ودلالة: أصول الدين من جانب أول وأصول الفقه من جانب ثان. تلك هي الدعامة المعرفية أَو لنقل، إن شئنا ذلك، تلك هي البنية الباطنة التي تحكم الخطاب الخلدوني وتوجهه.
---------------------
الحواشي
(*)باحث وأكاديمي من المغرب.
1- عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، مطبوعات الحاج عبد السلام بن شقرون، القاهرة (د.ت), ص417.
2- انظر: الفصل الأول من كتابنا، الخطاب الأشعري، مساهمة في دراسة العقل العربي الإسلامي، دار المنتخب العربي، 1992م، بيروت, ص39-42.
3- ابن خلدون، المقدمة... المرجع السابق, ص2.
4- المرجع السابق، ص29.
5- المرجع السابق، ص347.
6- المرجع السابق، ص165.
7- المرجع السابق، ص7.
يقول ابن خلدون في تعليقه على شرط القرشية في الإمامة العظمى: (إذا بحثنا عن الحكمة في اشتراط النسب القرشي ومقصـد الشارع منه لم يقتصر فيه على التبرك بوصلـة النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما هو في المشهور وإن كانت تلك الوصلة موجودة والتبرك بها خاصة. لكن التبرك ليس من المقاصد الشرعية كما علمت، فلابد إذن من المصلحة في اشتراط النسب وهي المقصودة من مشروعيتها. وإذا سبرنا وقسمنا لم نجدها إلا اعتبار العصبية التي تكون لها الحماية والمطالبة ويرتفع الخلاف والفرقة), ص146.
8- المرجع السابق، ص22.
9- المرجع السابق، ص91.
10- المرجع السابق، ص342.
11- المرجع السابق، ص105.
12- المرجع السابق، ص118.
13- المرجع السابق، ص119-120.