عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 30-12-2022, 12:17 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,303
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء السادس

سُورَةُ النُّورِ
الحلقة (410)
صــ 51 إلى صــ 60





فصل

فأما وجه المثل ، فقال المفسرون : لما ضرب الله للمؤمن مثلا بالنور، [ ص: 51 ] ضرب للكافر هذا المثل بالظلمات ; والمعنى : أن الكافر في حيرة لا يهتدي لرشد . وقيل : الظلمات : ظلمة الشرك وظلمة المعاصي . وقال بعضهم : ضرب الظلمات مثلا لعمله ، والبحر اللجي لقلبه ، والموج لما يغشى قلبه من الشرك والجهل والحيرة ، والسحاب للرين والختم على قلبه ، فكلامه ظلمة ، وعمله ظلمة ، ومدخله ظلمة ، ومخرجه ظلمة ، ومصيره إلى الظلمات يوم القيامة .
قوله تعالى: ومن لم يجعل الله له نورا فيه قولان .
أحدهما : دينا وإيمانا ، قاله ابن عباس ، والسدي . والثاني : هداية ، قاله الزجاج .
ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون . ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير

قوله تعالى: ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض قد تقدم تفسيره [ البقرة : 30] .

قوله تعالى: والطير أي : وتسبح له الطير صافات أي : باسطات أجنحتها في الهواء . وإنما خص الطير بالذكر ، لأنها تكون بين السماء والأرض إذا طارت ، فهي خارجة عن جملة من في السماوات والأرض .

قوله تعالى: كل أي : من الجملة التي ذكرها قد علم صلاته وتسبيحه قال المفسرون : الصلاة ، لبني آدم ، والتسبيح ، لغيرهم من الخلق .

وفي المشار إليه بقوله : قد علم قولان .

أحدهما : أنه الله تعالى ، والمعنى : قد علم الله صلاة المصلي وتسبيحه ، قاله الزجاج .
[ ص: 52 ] والثاني : أنه المصلي والمسبح . ثم فيه قولان . أحدهما : قد علم المصلي والمسبح صلاة نفسه وتسبيحه ، أي : قد عرف ما كلف من ذلك . والثاني : قد علم المصلي صلاة الله وتسبيحه ، أي : علم أن ذلك لله تعالى وحده .
وقرأ قتادة ، وعاصم الجحدري ، وابن يعمر : " كل قد علم " برفع العين وكسر اللام " صلاته وتسبيحه " بالرفع فيهما .
ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار .

قوله تعالى: ألم تر أن الله يزجي سحابا أي : يسوقه ثم يؤلف بينه أي : يضم بعضه إلى بعض ، فيجعل القطع المتفرقة قطعة واحدة . والسحاب لفظه لفظ الواحد ، ومعناه الجمع ، فلهذا قال : يؤلف بينه ثم يجعله ركاما أي : يجعل بعض السحاب فوق بعض فترى الودق وهو المطر . قال الليث : الودق : المطر كله شديده وهينه .

قوله تعالى : من خلاله وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، وأبو العالية ، ومجاهد ، والضحاك : " من خلله " ، والخلال : جمع خلل ، مثل : جبال وجبل . وينزل من السماء مفعول الإنزال محذوف ، تقديره : وينزل من السماء من جبال فيها من برد بردا ، فاستغنى عن ذكر المفعول للدلالة عليه . و " من " الأولى لابتداء الغاية ؛ لأن ابتداء الإنزال من السماء ، والثانية للتبعيض ؛ لأن الذي ينزله الله بعض تلك الجبال ، والثالثة لتبيين الجنس ، لأن جنس تلك [الجبال] [ ص: 53 ] جنس البرد ; قال المفسرون : وهي جبال في السماء مخلوقة من برد وقال الزجاج : معنى الكلام : وينزل من السماء من جبال برد فيها ، كما تقول : هذا خاتم في يدي من حديد ، المعنى : هذا خاتم حديد في يدي .
قوله تعالى : فيصيب به أي : بالبرد من يشاء فيضره في زرعه وثمره . والسنا : الضوء ، يذهب وقرأ مجاهد ، وأبو جعفر : " يذهب " بضم الياء وكسر الهاء . يقلب الله الليل والنهار أي : يأتي بهذا ، ويذهب بهذا إن في ذلك التقلب لعبرة لأولي الأبصار أي : دلالة لأهل البصائر والعقول على وحدانية الله وقدرته .
والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير

قوله تعالى : والله خلق كل دابة وقرأ حمزة ، والكسائي : " والله خالق كل دابة من ماء " وفي الماء قولان .
أحدهما : أن الماء أصل كل دابة . والثاني : أنه النطفة ، والمراد به : جميع الحيوان المشاهد في الدنيا . وإنما قال : " فمنهم " تغليبا لما يعقل . وإنما لم يذكر الذي يمشي على أكثر من أربع ؛ لأنه في رأي العين كالذي يمشي على أربع ، وقيل : لأنه يعتمد في المشي على أربع . وإنما سمى السائر على بطنه ماشيا ، لأن كل سائر ومستمر يقال له : ماش وإن لم يكن حيوانا ، حتى إنه يقال : قد مشى هذا الأمر ، هذا قول الزجاج . وقال أبو عبيدة : إنما هذا على سبيل التشبيه بالماشي ، لأن المشي لا يكون على البطن ، إنما يكون [ ص: 54 ] لمن له قوائم ، فإذا خلطوا ما له قوائم بما لا قوائم له ، جاز ذلك ، كما يقولون : أكلت خبزا ولبنا ، ولا يقال : أكلت لبنا .
لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين . وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين . أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون

قوله تعالى: ويقولون آمنا بالله قال المفسرون : نزلت في رجل من المنافقين يقال له : بشر كان بينه وبين يهودي حكومة ، فدعا اليهودي المنافق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحكم بينهما ، فقال المنافق لليهودي : إن محمدا يحيف علينا ! ولكن بيني وبينك كعب بن الأشرف ، فنزلت هذه الآية .

قوله تعالى: ثم يتولى فريق منهم يعني : المنافقين من بعد ذلك أي : من بعد قولهم : آمنا وما أولئك يعني : المعرضين عن حكم الله ورسوله بالمؤمنين وإذا دعوا إلى الله أي : إلى كتابه ورسوله ليحكم بينهم [ ص: 55 ] الرسول إذا فريق منهم معرضون ومعنى الكلام : أنهم كانوا يعرضون عن حكم الرسول عليهم ، لعلمهم أنه يحكم بالحق ; وإن كان الحق لهم على غيرهم ، أسرعوا إلى حكمه مذعنين ، لثقتهم أنه يحكم لهم بالحق . قال الزجاج : والإذعان في اللغة : الإسراع مع الطاعة ، تقول : قد أذعن لي ، أي : قد طاوعني لما كنت ألتمسه منه .

قوله تعالى: أفي قلوبهم مرض أي : كفر أم ارتابوا أي : شكوا في القرآن؟ وهذا استفهام ذم وتوبيخ ، والمعنى : أنهم كذلك ، وإنما ذكره بلفظ الاستفهام ليكون أبلغ في ذمهم ، كما قال جرير في المدح :


ألستم خير من ركب المطايا [وأندى العالمين بطون راح]


أي : أنتم كذلك . فأما الحيف ، فهو : الميل في الحكم ; يقال : حاف في قضيته ، أي : جار ، بل أولئك هم الظالمون أي : لا يظلم الله ورسوله أحدا ، بل هم الظالمون لأنفسهم بالكفر والإعراض عن حكم الرسول .

ثم نعت المؤمنين ، فقال : إنما كان قول المؤمنين قال الفراء : ليس هذا بخبر ماض ، وإنما المعنى : إنما كان ينبغي أن يكون قول المؤمنين إذا دعوا أن يقولوا سمعنا . وقرأ الحسن ، وأبو الجوزاء : " إنما كان قول المؤمنين " بضم اللام . وقرأ أبو جعفر ، وعاصم الجحدري ، وابن أبي [ليلى] : " ليحكم بينهم " برفع الياء وفتح الكاف . وقال المفسرون : المعنى : سمعنا قول رسول الله صلى عليه وسلم وأطعنا أمره ، وإن كان ذلك فيما يكرهونه .
قوله تعالى: ويخش الله أي : فيما مضى من ذنوبه ويتقه فيما بعد أن يعصيه . وقرأ ابن كثير ، وحمزة ، والكسائي ، وورش عن نافع : " ويتقهي " [ ص: 56 ] موصولة بياء . وروى قالون عن نافع : " ويتقه فأولئك " بكسر الهاء لا يبلغ بها الياء . وقرأ أبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : " ويتقه " جزما .
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون . قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين

قوله تعالى: وأقسموا بالله قال المفسرون : لما نزل في هؤلاء المنافقين ما نزل من بيان كراهتهم لحكم الله ، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : والله لو أمرتنا أن نخرج من ديارنا وأموالنا ونسائنا لخرجنا ، فكيف لا نرضى حكمك؟! فنزلت هذه الآية .

وقد بينا معنى جهد أيمانهم [المائدة : 53] ، لئن أمرتهم ليخرجن من أموالهم وديارهم ، وقيل : ليخرجن إلى الجهاد قل لا تقسموا هذا تمام الكلام ; ثم قال : طاعة معروفة قال الزجاج : المعنى : أمثل من قسمكم الذي لا تصدقون فيه طاعة معروفة . قال ابن قتيبة : وبعض النحويين يقول : الضمير فيها : لتكن منكم طاعة معروفة ، أي : صحيحة لا نفاق فيها .
قوله تعالى: فإن تولوا هذا خطاب لهم ، والمعنى : فإن تتولوا ، فحذف إحدى التاءين ومعنى التولي : الإعراض عن طاعة الله ورسوله ،فإنما عليه يعني : الرسول ما حمل من التبليغ وعليكم ما حملتم من الطاعة ; وذر بعض المفسرين أن هذا منسوح بآية السيف ، وليس بصحيح .
[ ص: 57 ] قوله تعالى: وإن تطيعوه يعني : رسول الله صلى الله عليه وسلم تهتدوا ، وكان بعض السلف يقول : من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا ، نطق بالحكمة ، ومن أمر الهوى على نفسه قولا وفعلا ، نطق بالبدعة ، لقوله : وإن تطيعوه تهتدوا .
وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون

قوله تعالى: وعد الله الذين آمنوا منكم روى أبو عبد الله الحاكم في " صحيحه " من حديث أبي بن كعب قال : لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه المدينة وآواهم الأنصار ، رمتهم العرب عن قوس واحدة ، كانوا لا يبيتون إلا في السلاح ، ولا يصبحون إلا في لأمتهم ، فقالوا : أترون أنا نعيش حتى نبيت آمنين مطمئنين لا نخاف إلا الله عز وجل؟! فنزلت هذه الآية . قال أبو العالية : لما أظهر الله عز وجل رسوله على جزيرة العرب ، وضعوا السلاح وأمنوا ، ثم قبض الله نبيه ، فكانوا آمنين كذلك في إمارة أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، حتى وقعوا فيما وقعوا فيه وكفروا بالنعمة ، فأدخل الله عز وجل عليهم الخوف ، فغيروا فغير [ ص: 58 ] الله تعالى ما بهم . وروى أبو صالح عن ابن عباس : أن هذا الوعد وعده الله أمة محمد في التوراة والإنجيل . وزعم مقاتل أن كفار مكة لما صدوا رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين عن العمرة عام الحديبية ، قال المسلمون : لو أن الله تعالى فتح علينا مكة ، فنزلت هذه الآية .

قوله تعالى: ليستخلفنهم أي : ليجعلنهم يخلفون من قبلهم ، والمعنى : ليورثنهم أرض الكفار من العرب والعجم ، فيجعلهم ملوكها وساستها وسكانها . وعلى قول مقاتل : المراد بالأرض مكة .

قوله تعالى: كما استخلف الذين من قبلهم وقرأ أبو بكر عن عاصم : " كما استخلف " بضم التاء وكسر اللام ; يعني : بني إسرائيل ، وذلك أنه لما هلكت الجبابرة بمصر ، أورثهم الله أرضهم وديارهم وأموالهم .
قوله تعالى: وليمكنن لهم دينهم وهو الإسلام ، وتمكينه : إظهاره على كل دين ، وليبدلنهم وقرأ ابن كثير ، وأبو بكر ، وأبان ، ويعقوب : " وليبدلنهم " بسكون الباء وتخفيف الدال من بعد خوفهم أمنا لأنهم كانوا مظلومين مقهورين ، يعبدونني هذا استئناف كلام في الثناء عليهم ، ومن كفر بعد ذلك بهذه النعم ، أي : جحد حقها . قال المفسرون : وأول من كفر بهذه النعم قتلة عثمان .
[ ص: 59 ] لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير
قوله تعالى: لا تحسبن الذين كفروا قرأ ابن عامر ، وحمزة عن عاصم : " لا يحسبن " بالياء وفتح السين . وقرأ الباقون : بالتاء وكسر السين .
[ ص: 60 ] يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم
قوله تعالى: ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم في سبب نزولها قولان .
أحدهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه غلاما من الأنصار يقال له : مدلج بن عمرو إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه ، فدخل فرأى عمر على حالة كره عمر رؤيته عليها ، فقال : يا رسول الله ، وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس .
والثاني : أن أسماء بنت مرثد كان لها غلام ، فدخل عليها في وقت كرهته فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالت : إن خدمنا وغلماننا يدخلون علينا في حالة نكرهها ، فنزلت هذه الآية ، قاله مقاتل .



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.63 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.00 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.41%)]