عرض مشاركة واحدة
  #403  
قديم 30-12-2022, 06:36 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,915
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ
الحلقة (403)
صــ 476 إلى صــ 483



قوله تعالى : " وآويناهما " ; أي : جعلناهما يأويان ، " إلى ربوة " قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : ( ربوة ) بضم الراء . وقرأ عاصم وابن عامر بفتحها . وقد شرحنا معنى الربوة في ( البقرة : 265 ) . ( ذات قرار ) ; أي : مستوية يستقر عليها ساكنوها ، والمعنى : ذات موضع قرار . وقال الزجاج : أي : ذات مستقر . " ومعين " وهو الماء الجاري من العيون . وقال ابن قتيبة : " ذات قرار " ; أي : يستقر بها للعمارة ، " ومعين " : هو الماء الظاهر ، [ ص: 476 ] ويقال : هو مفعول من العين ، كأن أصله معيون ، كما يقال : ثوب مخيط ، وبر مكيل .

واختلف المفسرون في موضع هذه الربوة الموصوفة على أربعة أقوال :

أحدها : أنها دمشق ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال عبد الله بن سلام وسعيد بن المسيب .

والثاني : أنها بيت المقدس ، رواه عطاء عن ابن عباس ، وبه قال قتادة ، وعن الحسن كالقولين .

والثالث : أنها الرملة من أرض فلسطين ، قاله أبو هريرة .

والرابع : مصر ، قاله وهب بن منبه ، وابن زيد ، وابن السائب .

فأما السبب الذي لأجله أويا إلى الربوة ، فقال أبو صالح عن ابن عباس : فرت مريم بابنها عيسى من ملكهم ، ثم رجعت إلى أهلها بعد اثنتي عشرة سنة . قال وهب بن منبه : وكان الملك أراد قتل عيسى . [ ص: 477 ]
يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون فذرهم في غمرتهم حتى حين أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون .

قوله تعالى : " يا أيها الرسل " قال ابن عباس ، والحسن ، ومجاهد ، وقتادة في آخرين : يعني بالرسل هاهنا : محمدا صلى الله عليه وسلم وحده ، وهو مذهب العرب في مخاطبة الواحد خطاب الجميع ، ويتضمن هذا أن الرسل جميعا كذا أمروا ، وإلى هذا المعنى ذهب ابن قتيبة والزجاج ، والمراد بالطيبات : الحلال . قال عمرو بن شرحبيل : كان عيسى عليه السلام يأكل من غزل أمه . [ ص: 478 ]

قوله تعالى : " وإن هذه أمتكم " قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : ( وأن ) بالفتح وتشديد النون . وافق ابن عامر في فتح الألف ، لكنه سكن النون . وقرأ عاصم ، وحمزة ، والكسائي : ( وإن ) بكسر الألف وتشديد النون . قال الفراء : من فتح عطف على قوله : " إني بما تعملون عليم " ، وبأن هذه أمتكم ، فموضعها خفص ; لأنها مردودة على " ما " ، وإن شئت كانت منصوبة بفعل مضمر ، كأنك قلت : واعلموا هذا ، ومن كسر استأنف . قال أبو علي الفارسي : وأما ابن عامر فإنه خفف النون المشددة ، وإذا خففت تعلق بها ما يتعلق بالمشددة . وقد شرحنا معنى الآية والتي بعدها في ( الأنبياء : 92 ) إلى قوله : " زبرا " وقرأ ابن عباس وأبو عمران الجوني : ( زبرا ) برفع الزاي وفتح الباء . وقرأ أبو الجوزاء وابن السميفع : ( زبرا ) برفع الزاي وإسكان الباء . قال الزجاج : من قرأ : ( زبرا ) بضم الباء ، فتأويله : جعلوا دينهم كتبا مختلفة ، جمع زبور . ومن قرأ : ( زبرا ) بفتح الباء ، أراد : قطعا .

قوله تعالى : " كل حزب بما لديهم فرحون " ; أي : بما عندهم من الدين الذي ابتدعوه معجبون ، يرون أنهم على الحق .

وفي المشار إليهم قولان :

أحدهما : أنهم أهل الكتاب ، قاله مجاهد .

والثاني : أنهم أهل الكتاب ومشركو العرب ، قاله ابن السائب . [ ص: 479 ]

قوله تعالى : " فذرهم في غمرتهم " وقرأ ابن مسعود وأبي بن كعب : ( في غمراتهم ) على الجمع . قال الزجاج : في عمايتهم وحيرتهم . " حتى حين " ; أي : إلى حين يأتيهم ما وعدوا به من العذاب . قال مقاتل : يعني : كفار مكة .

فصل

وهل هذه الآية منسوخة أم لا ؟ فيها قولان :

أحدهما : أنها منسوخة بآية السيف . والثاني : أن معناها التهديد فهي محكمة .

قوله تعالى : " أيحسبون أنما نمدهم به " وقرأ عكرمة وأبو الجوزاء : ( يمدهم ) بالياء المرفوعة وكسر الميم . وقرأ أبو عمران الجوني : ( نمدهم ) بنون مفتوحة ورفع الميم . قال الزجاج : المعنى : أيحسبون أن الذي نمدهم به " من مال وبنين " مجازاة لهم ؟ إنما هو استدراج . " نسارع لهم في الخيرات " ; أي : نسارع لهم به في الخيرات . وقرأ ابن عباس ، وعكرمة ، وأيوب السختياني : ( يسارع ) بياء مرفوعة وكسر الراء . وقرأ معاذ القارئ وأبو المتوكل مثله ، إلا أنهما فتحا الراء . وقرأ أبو عمران الجوني ، وعاصم الجحدري ، وابن السميفع : ( يسرع ) بياء مرفوعة وسكون السين ونصب الراء من غير ألف .

قوله تعالى : " بل لا يشعرون " ; أي : لا يعلمون أن ذلك استدراج لهم .
إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون والذين هم بآيات ربهم يؤمنون والذين هم بربهم لا يشركون والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون . [ ص: 480 ]

ثم ذكر المؤمنين فقال : " إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون " وقد شرحنا هذا المعنى في قوله : وهم من خشيته مشفقون [ الأنبياء : 28 ] .

قوله تعالى : " والذين يؤتون ما آتوا " وقرأ عاصم الجحدري : ( يأتون ما أتوا ) بقصر همزة ( أتوا ) . وسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية ، فقالت : يا رسول الله ; أهم الذين يذنبون وهم مشفقون ؟ فقال : " لا ، بل هم الذين يصلون وهم مشفقون ، ويصومون وهم مشفقون ، ويتصدقون وهم مشفقون أن لا يتقبل منهم " . قال الزجاج : فمعنى " يؤتون " : يعطون ما أعطوا وهم يخافون أن لا يتقبل منهم . " أنهم إلى ربهم راجعون " ; أي : لأنهم يوقنون أنهم يرجعون . ومعنى " يأتون " : يعملون الخيرات وقلوبهم خائفة أن يكونوا مع اجتهادهم مقصرين . " أولئك يسارعون في الخيرات " وقرأ أبو المتوكل وابن السميفع : ( يسرعون ) برفع الياء وإسكان السين وكسر الراء من غير ألف . قال الزجاج : يقال : أسرعت وسارعت في معنى واحد ، إلا أن سارعت أبلغ من أسرعت . " وهم لها " ; أي : من أجلها ، وهذا كما تقول : أنا أكرم فلانا لك ; أي : من أجلك . وقال بعض أهل العلم : الوجل المذكور هاهنا واقع على مضمر . [ ص: 481 ]


ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون مستكبرين به سامرا تهجرون .

قوله تعالى : " ولدينا كتاب " يعني : اللوح المحفوظ . " ينطق بالحق " قد أثبت فيه أعمال الخلق فهو ينطق بما يعملون ، " وهم لا يظلمون " ; أي : لا ينقصون من ثواب أعمالهم . ثم عاد إلى الكفار فقال : " بل قلوبهم في غمرة من هذا " قال مقاتل : في غفلة عن الإيمان بالقرآن . وقال ابن جرير : في عمى عن هذا القرآن . قال الزجاج : يجوز أن يكون إشارة إلى ما وصف من أعمال البر في قوله : " أولئك يسارعون في الخيرات " ، فيكون المعنى : بل قلوب هؤلاء في عماية من هذا ، ويجوز أن يكون إشارة إلى الكتاب ، فيكون المعنى : بل قلوبهم في غمرة من الكتاب الذي ينطق بالحق وأعمالهم محصاة فيه .

فخرج في المشار إليه بـ " هذا " ثلاثة أقوال :

أحدها : القرآن . والثاني : أعمال البر . والثالث : اللوح المحفوظ .

قوله تعالى : " ولهم أعمال من دون ذلك " فيه أربعة أقوال :

أحدها : أعمال سيئة دون الشرك ، رواه عكرمة عن ابن عباس .

والثاني : خطايا سيئة من دون ذلك الحق ، قاله مجاهد . وقال ابن جرير : من دون أعمال المؤمنين وأهل التقوى والخشية . [ ص: 482 ]

والثالث : أعمال غير الأعمال التي ذكروا بها سيعملونها ، قاله الزجاج .

والرابع : أعمال - من قبل الحين الذي قدر الله تعالى أنه يعذبهم عند مجيئه - من المعاصي ، قاله أبو سليمان الدمشقي .

قوله تعالى : " هم لها عاملون " إخبار بما سيعملونه من أعمالهم الخبيثة التي كتبت عليهم لا بد لهم من عملها .

قوله تعالى : " حتى إذا أخذنا مترفيهم " ; أي : أغنياءهم ورؤساءهم ، والإشارة إلى قريش . وفي المراد " بالعذاب " قولان :

أحدهما : ضرب السيوف يوم بدر ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، والضحاك .

والثاني : الجوع الذي عذبوا به سبع سنين ، قاله ابن السائب . و " يجأرون " بمعنى : يصيحون . " لا تجأروا اليوم " ; أي : لا تستغيثوا من العذاب ، " إنكم منا لا تنصرون " ; أي : لا تمنعون من عذابنا . " قد كانت آياتي تتلى عليكم " يعني : القرآن ، " فكنتم على أعقابكم تنكصون " ; أي : ترجعون وتتأخرون عن الإيمان بها ، " مستكبرين " منصوب على الحال . وقوله : " به " الكناية عن البيت الحرام ، وهي كناية عن غير مذكور ، والمعنى : إنكم تستكبرون وتفتخرون بالبيت والحرم ; لأمنكم فيه مع خوف سائر الناس في مواطنهم . تقولون : نحن أهل الحرم فلا نخاف أحدا ، ونحن أهل بيت الله وولاته ، هذا مذهب ابن عباس وغيره . قال الزجاج : ويجوز أن تكون الهاء في " به " للكتاب ، فيكون المعنى : تحدث لكم تلاوته عليكم استكبارا .

قوله تعالى : " سامرا " قال أبو عبيدة : معناه : تهجرون سمارا ، والسامر بمعنى السمار ، بمنزلة طفل في موضع أطفال ، وهو من سمر الليل . وقال [ ص: 483 ] ابن قتيبة : " سامرا " ; أي : متحدثين ليلا ، والسمر : حديث الليل . وقرأ أبي بن كعب ، وأبو العالية ، وابن محيصن : ( سمرا ) بضم السين وتشديد الميم وفتحها ، جمع سامر . وقرأ ابن مسعود ، وأبو رجاء ، وعاصم الجحدري : ( سمارا ) برفع السين وتشديد الميم وألف بعدها .

قوله تعالى : " تهجرون " قرأ ابن كثير ، وعاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : ( تهجرون ) بفتح التاء وضم الجيم . وفي معناها أربعة أقوال :

أحدها : تهجرون ذكر الله والحق ، رواه العوفي عن ابن عباس .

والثاني : تهجرون كتاب الله تعالى ونبيه صلى الله عليه وسلم ، قاله الحسن .

والثالث : تهجرون البيت ، قاله أبو صالح . وقال سعيد بن جبير : كانت قريش تسمر حول البيت ، وتفتخر به ولا تطوف به .

والرابع : تقولون هجرا من القول ، وهو اللغو والهذيان ، قاله ابن قتيبة . قال الفراء : يقال : قد هجر الرجل في منامه : إذا هذى ، والمعنى : إنكم تقولون في رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس فيه وما لا يضره .

وقرأ ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ، وابن محيصن ، ونافع : ( تهجرون ) بضم التاء وكسر الجيم . قال ابن قتيبة : وهذا من الهجر ، وهو السب والإفحاش من المنطق ، يريد : سبهم للنبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه . وقرأ أبو العالية ، وعكرمة ، وعاصم الجحدري ، وأبو نهيك : ( تهجرون ) بتشديد الجيم ورفع التاء . قال ابن الأنباري : ومعناها معنى قراءة ابن عباس . [ ص: 484 ]



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.15 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.52 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.42%)]