عرض مشاركة واحدة
  #397  
قديم 30-12-2022, 06:20 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,268
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد

تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ الْحَجِّ
الحلقة (397)
صــ 428 إلى صــ 435



وفي تسمية البيت عتيقا أربعة أقوال :

أحدها : لأن الله تعالى أعتقه من الجبابرة . روى عبد الله بن الزبير عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " إنما سمى الله البيت : العتيق ; لأن الله أعتقه من الجبابرة ، فلم يظهر عليه جبار قط " ، وهذا قول مجاهد وقتادة . [ ص: 428 ]

والثاني : أن معنى العتيق : القديم ، قاله الحسن وابن زيد .

والثالث : لأنه لم يملك قط ، قاله مجاهد في رواية ، وسفيان بن عيينة .

والرابع : لأنه أعتق من الغرق زمان الطوفان ، قاله ابن السائب . وقد تكلمنا في هذه السورة في "ليقضوا " ، و " ليوفوا " ، و " ليطوفوا " .
ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق .

قوله تعالى : " ذلك " ; أي : الأمر ذلك ، يعني : ما ذكر من أعمال الحج . " ومن يعظم حرمات الله " فيجتنب ما حرم الله عليه في الإحرام تعظيما لأمر الله . قال الليث : الحرمة : ما لا يحل انتهاكه . وقال الزجاج : الحرمة : ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه .

قوله تعالى : " فهو " يعني : التعظيم ، " خير له عند ربه " في الآخرة ، " وأحلت لكم الأنعام " وقد سبق بيانها [ المائدة : 1 ] . " إلا ما يتلى عليكم " تحريمه ، يعني [ به ] : ما ذكر في ( المائدة : 3 ) من المنخنقة وغيرها . وقيل : وأحلت لكم الأنعام في حال إحرامكم ، إلا ما يتلى عليكم في الصيد ، فإنه حرام .

قوله تعالى : " فاجتنبوا الرجس " ; أي : دعوه جانبا . قال الزجاج : و " من " هاهنا لتخليص جنس من أجناس ، المعنى : فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن . وقد شرحنا معنى الرجس في ( المائدة : 90 ) . [ ص: 429 ]

وفي المراد بقول الزور أربعة أقوال :

أحدها : شهادة الزور ، قاله ابن مسعود . والثاني : الكذب ، قاله مجاهد . والثالث : الشرك ، قاله أبو مالك . والرابع : أنه قول المشركين في الأنعام : هذا حلال وهذا حرام ، قاله الزجاج . قال : وقوله تعالى : " حنفاء لله " منصوب على الحال ، وتأويله : مسلمين لا ينسبون إلى دين غير الإسلام . ثم ضرب الله مثلا للمشرك ، فقال : " ومن يشرك بالله " إلى قوله : " سحيق " ، والسحيق : البعيد .

واختلفوا في قراءة " فتخطفه " ، فقرأ الجمهور : ( فتخطفه ) بسكون الخاء من غير تشديد الطاء . وقرأ نافع بتشديد الطاء . وقرأ أبو المتوكل ومعاذ القارئ بفتح التاء والخاء وتشديد الطاء ونصب الفاء . وقرأ أبو رزين ، وأبو الجوزاء ، وأبو عمران الجوني بكسر التاء والخاء وتشديد الطاء ورفع الفاء . وقرأ الحسن والأعمش بفتح التاء وكسر الخاء وتشديد الطاء ورفع الفاء ، وكلهم فتح الطاء .

وفي المراد بهذا المثل قولان :

أحدهما : أنه شبه المشرك بالله في بعده عن الهدى وهلاكه ، بالذي يخر من السماء ، قاله قتادة .

والثاني : أنه شبه حال المشرك في أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا دفع ضر يوم القيامة ، بحال الهاوي من السماء ، حكاه الثعلبي .

قوله تعالى : " ذلك " ; أي : الأمر ذلك الذي ذكرناه ، " ومن يعظم شعائر الله " قد شرحنا معنى الشعائر في ( البقرة : 158 ) .

وفي المراد بها هاهنا قولان :

أحدهما : أنها البدن . وتعظيمها : استحسانها واستسمانها ، " لكم فيها منافع " [ ص: 430 ] قبل أن يسميها صاحبها هديا ، أو يشعرها ويوجبها ، فإذا فعل ذلك ، لم يكن له من منافعها شيء ، روى هذا المعنى مقسم عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد ، وقتادة ، والضحاك . وقال عطاء بن أبي رباح : لكم في هذه الهدايا منافع بعد إيجابها وتسميتها هدايا ، إذا احتجتم إلى شيء من ذلك ، أو اضطررتم إلى شرب ألبانها ، " إلى أجل مسمى " وهو أن تنحر .

والثاني : أن الشعائر : المناسك ومشاهد مكة ، والمعنى : لكم فيها منافع بالتجارة إلى أجل مسمى ، وهو الخروج من مكة ، رواه أبو رزين عن ابن عباس . وقيل : لكم فيها منافع من الأجر والثواب في قضاء المناسك إلى أجل مسمى ، وهو انقضاء أيام الحج .

قوله تعالى : " فإنها " يعني : الأفعال المذكورة ، من اجتناب الرجس ، وقول الزور ، وتعظيم الشعائر . وقال الفراء : " فإنها " يعني : الفعلة " من تقوى القلوب " ، وإنما أضاف التقوى إلى القلوب ; لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب .

قوله تعالى : " ثم محلها " ; أي : حيث يحل نحرها ، " إلى البيت " يعني : عند البيت ، والمراد به : الحرم كله ; لأنا نعلم أنها لا تذبح عند البيت ، ولا في المسجد ، هذا على القول الأول ، وعلى الثاني يكون المعنى : ثم محل الناس من إحرامهم إلى البيت ، وهو أن يطوفوا به بعد قضاء المناسك .
ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون .

قوله تعالى : " ولكل أمة جعلنا منسكا " قرأ حمزة ، والكسائي ، وبعض [ ص: 431 ] أصحاب أبي عمرو بكسر السين . وقرأ الباقون بفتحها . فمن فتح أراد المصدر من نسك ينسك ، ومن كسر أراد مكان النسك كالمجلس والمطلع . ومعنى الآية : لكل جماعة مؤمنة من الأمم السالفة جعلنا ذبح القرابين ; " ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام " ، وإنما خص بهيمة الأنعام ; لأنها المشروعة في القرب . والمراد من الآية : أن الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة ، وأن التسمية عليها كانت مشروعة قبل هذه الأمة .

قوله تعالى : " فإلهكم إله واحد " ; أي : لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم سواه ، " فله أسلموا " ; أي : انقادوا واخضعوا ، وقد ذكرنا معنى الإخبات في ( هود : 23 ) ، وكذلك ألفاظ الآية التي تلي هذه .
والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم وبشر المحسنين .

قوله تعالى : " والبدن " وقرأ الحسن وابن يعمر برفع الدال . قال الفراء : يقال : بدن وبدن ، والتخفيف أجود وأكثر ; لأن كل جمع كان واحده على ( فعلة ) ، ثم ضم أول جمعه خفف ، مثل : أكمة وأكم ، وأجمة وأجم ، وخشبة وخشب . وقال الزجاج : " البدن " منصوبة بفعل مضمر يفسره الذي ظهر ، والمعنى وجعلنا البدن . وإن شئت رفعتها على الاستئناف ، والنصب أحسن ، ويقال : بدن وبدن وبدنة ، مثل قولك : ثمر وثمر وثمرة ، وإنما سميت بدنة لأنها تبدن ; أي : تسمن . [ ص: 432 ]

وللمفسرين في البدن قولان :

أحدهما : أنها الإبل والبقر ، قاله عطاء .

والثاني : الإبل خاصة ، حكاه الزجاج . وقال : الأول قول أكثر فقهاء الأمصار . قال القاضي أبو يعلى : البدنة : اسم يختص الإبل في اللغة ، والبقرة تقوم مقامها في الحكم ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة .

قوله تعالى : " جعلناها لكم من شعائر الله " ; أي : جعلنا لكم فيها عبادة لله ، من سوقها إلى البيت ، وتقليدها ، وإشعارها ، ونحرها ، والإطعام منها . " لكم فيها خير " وهو النفع في الدنيا والأجر في الآخرة ، " فاذكروا اسم الله عليها " ; أي : على نحرها ، " صواف " وقرأ ابن مسعود ، وابن عباس ، وقتادة : ( صوافن ) بالنون . وقرأ الحسن ، وأبو مجلز ، وأبو العالية ، والضحاك ، وابن يعمر : ( صوافي ) بالياء . قال الزجاج : " صواف " منصوبة على الحال ، ولكنها لا تنون لأنها لا تنصرف ; أي : قد صفت قوائمها ، والمعنى : اذكروا اسم الله عليها في حال نحرها ، والبعير ينحر قائما ، وهذه الآية تدل على ذلك . ومن قرأ : ( صوافن ) فالصافن : التي تقوم على ثلاث ، والبعير إذا أرادوا نحره تعقل إحدى يديه ، فهو الصافن ، والجميع صوافن . هذا ومن قرأ : ( صوافي ) بالياء وبالفتح بغير تنوين ، فتفسيره : خوالص ; أي : خالصة لله لا تشركوا به في التسمية على نحرها أحدا . " فإذا وجبت جنوبها " ; أي : إذا سقطت إلى الأرض ، يقال : وجب الحائط وجبة : [ ص: 433 ] إذا سقط ، ووجب القلب وجيبا : إذا تحرك من فزع . واعلم أن نحرها قياما سنة ، والمراد بوقوعها على جنوبها : موتها ، والأمر بالأكل منها أمر إباحة ، وهذا في الأضاحي .

قوله تعالى : " وأطعموا القانع والمعتر " وقرأ الحسن : ( والمعتر ) بكسر الراء خفيفة . وفيهما ستة أقوال :

أحدها : أن القانع : الذي يسأل ، والمعتر : الذي يتعرض ولا يسأل ، رواه بكر بن عبد الله عن ابن عباس ، وبه قال سعيد بن جبير ، واختاره الفراء .

والثاني : أن القانع : المتعفف ، والمعتز : السائل ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ، وبه قال قتادة ، والنخعي ، وعن الحسن كالقولين .

والثالث : أن القانع : المستغني بما أعطيته وهو في بيته ، والمعتر : الذي يتعرض لك ويلم بك ولا يسأل ، رواه العوفي عن ابن عباس . وقال مجاهد : القانع : جارك الذي يقنع بما أعطيته ، والمعتر : الذي يتعرض ولا يسأل ، وهذا مذهب القرظي . فعلى هذا يكون معنى القانع : أن يقنع بما أعطي . ومن قال : هو المتعفف ، قال : هو القانع بما عنده .

والرابع : القانع : أهل مكة ، والمعتر : الذي يعتر بهم من غير أهل مكة ، رواه خصيف عن مجاهد .

والخامس : القانع : الجار وإن كان غنيا ، والمعتر : الذي يعتر بك ، رواه ليث عن مجاهد .

والسادس : القانع : المسكين السائل ، والمعتر : الصديق الزائر ، قاله زيد بن أسلم . قال ابن قتيبة : يقال : قنع يقنع قنوعا : إذا سأل ، وقنع يقنع [ ص: 434 ] قناعة : إذا رضي ، ويقال في المعتر : اعترني واعتراني وعراني . وقال الزجاج : مذهب أهل اللغة : أن القانع : السائل ، يقال : قنع يقنع قنوعا : إذا سأل ، فهو قانع ، قال الشماخ :


لمال المرء يصلحه فيغني مفاقره أعف من القنوع


أي : من السؤال ، ويقال : قنع قناعة : إذا رضي ، فهو قنع ، والمعتر والمعتري واحد .

قوله تعالى : " كذلك " ; أي : مثل ما وصفنا من نحرها قائمة ، " سخرناها لكم " نعمة منا عليكم لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون ، " لعلكم تشكرون " ; أي : لكي تشكروا .

قوله تعالى : " لن ينال الله لحومها " وقرأ عاصم الجحدري ، وابن يعمر ، وابن أبي عبلة ، ويعقوب : ( لن تنال الله لحومها ) بالتاء ، ( ولكن تناله التقوى ) بالتاء أيضا .

سبب نزولها أن المشركين كانوا إذا ذبحوا استقبلوا الكعبة بالدماء ينضحون بها نحو الكعبة ، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . قال المفسرون : ومعنى الآية : لن ترفع إلى الله لحومها ولا دماؤها ، وإنما يرفع إليه التقوى ، وهو ما أريد به وجهه منكم . فمن قرأ : ( تناله التقوى ) بالتاء ، فإنه أنث للفظ التقوى . ومن قرأ : ( يناله ) بالياء ; فلأن التقوى والتقى واحد . والإشارة بهذه الآية إلى أنه لا يقبل اللحوم والدماء ، إذا لم تكن صادرة عن تقوى الله ، وإنما يتقبل ما يتقونه به ، وهذا تنبيه على امتناع قبول الأعمال إذا عريت عن نية صحيحة . [ ص: 435 ]

قوله تعالى : " كذلك سخرها " قد سبق تفسيره [ الحج : 37 ] . " لتكبروا الله على ما هداكم " ; أي : على ما بين لكم وأرشدكم إلى معالم دينه ومناسك حجه ، وذلك أن يقول : الله أكبر على ما هدانا ، " وبشر المحسنين " قال ابن عباس : يعني : الموحدين .
إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور .

قوله تعالى : " إن الله يدافع عن الذين آمنوا " قرأ ابن كثير وأبو عمرو : ( يدفع ) ، ( ولولا دفع الله ) بغير ألف ، وهذا على مصدر ( دفع ) . وقرأ عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : ( إن الله يدافع ) بألف ، ( ولولا دفع ) بغير ألف ، وهذا على مصدر ( دافع ) ، والمعنى : يدفع عن الذين آمنوا غائلة المشركين بمنعهم منهم ونصرهم عليهم . قال الزجاج : والمعنى : إذا فعلتم هذا وخالفتم الجاهلية فيما يفعلونه من نحرهم وإشراكهم ، فإن الله يدفع عن حزبه . والـ " خوان " فعال من الخيانة ، والمعنى : أن من ذكر غير اسم الله ، وتقرب إلى الأصنام بذبيحته ، فهو خوان .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.39 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.76 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.41%)]