
28-12-2022, 11:21 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,565
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد السادس
الحلقة (422)
سُورَةُ الْفُرْقَانِ .
صـ 75 إلى صـ 82
[ ص: 75 ] يعني : يكن عذابه دائما لازما ، وكذلك قول بشر بن أبي حازم :
ويوم النسار ويوم الجفا ر كانا عذابا وكانا غراما
وذلك هو الأظهر أيضا في قول الآخر :
وما أكلة إن نلتها بغنيمة ولا جوعة إن جعتها بغرام
قوله تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما .
قرأ هذا الحرف نافع وابن عامر : ولم يقتروا بضم الياء المثناة التحتية وكسر التاء ، مضارع أقتر الرباعي ، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو : ولم يقتروا بفتح المثناة التحتية ، وكسر المثناة الفوقية ، مضارع قتر الثلاثي كضرب ، وقرأه عاصم وحمزة ، والكسائي ، ولم يقتروا بفتح المثناة التحتية ، وضم المثناة الفوقية ، مضارع قتر الثلاثي كنصر ، والإقتار على قراءة نافع وابن عامر ، والقتر على قراءة الباقين معناهما واحد ، وهو التضييق المخل بسد الخلة اللازم ، والإسراف في قوله تعالى : لم يسرفوا ، مجاوزة الحد في النفقة .
واعلم أن أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة ، أن الله مدح عباده الصالحين بتوسطهم في إنفاقهم ، فلا يجاوزون الحد بالإسراف في الإنفاق ، ولا يقترون ، أي : لا يضيقون فيبخلون بإنفاق القدر اللازم .
وقال بعض أهل العلم : الإسراف في الآية : الإنفاق في الحرام والباطل ، والإقتار منع الحق الواجب ، وهذا المعنى وإن كان حقا فالأظهر في الآية هو القول الأول .
قال ابن كثير - رحمه الله - : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا الآية ، أي : ليسوا مبذرين في إنفاقهم ، فيصرفوا فوق الحاجة ، ولا بخلاء على أهليهم ، فيقصروا في حقهم فلا يكفوهم بل عدلا خيارا ، وخير الأمور أوسطها ، لا هذا ولا هذا ، انتهى محل الغرض منه .
وقوله تعالى : وكان بين ذلك قواما ، أي : بين ذلك المذكور من الإسراف والقتر قواما أي : عدلا وسطا سالما من عيب الإسراف والقتر .
وأظهر أوجه الإعراب عندي في الآية هو ما ذكره القرطبي ، قال : قواما خبر [ ص: 76 ] كان ، واسمها مقدر فيها ، أي : كان الإنفاق بين الإسراف والقتر قواما ، ثم قال : قاله الفراء ، وباقي أوجه الإعراب في الآية ليس بوجيه عندي ; كقول من قال : إن لفظة بين هي اسم كان ، وأنها لم ترفع لبنائها بسبب إضافتها إلى مبني ، وقول من قال : إن بين هي خبر كان ، و قواما حال مؤكدة له ، ومن قال : إنهما خبران ، كل ذلك ليس بوجيه عندي ، والأظهر الأول . والظاهر أن التوسط في الإنفاق الذي مدحهم به شامل لإنفاقهم على أهليهم ، وإنفاقهم المال في أوجه الخير .
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، جاء موضحا في غير هذا الموضع ; فمن ذلك أن الله أوصى نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالعمل بمقتضاه في قوله تعالى : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط الآية [ 17 \ 29 ] فقوله : ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ، أي : ممسكة عن الإنفاق إمساكا كليا ، يؤدي معنى قوله هنا : ولم يقتروا . وقوله : ولا تبسطها كل البسط ، يؤدي معنى قوله هنا : لم يسرفوا ، وأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله : وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا [ 17 \ 26 ] وقوله تعالى : ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو الآية [ 2 \ 219 ] على أصح التفسيرين .
وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في أول سورة " البقرة " ، في الكلام على قوله تعالى : ومما رزقناهم ينفقون [ 2 \ 3 ] .
مسألة .
هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى : والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا الآية ، والآيات التي ذكرناها معها ، قد بينت أحد ركني ما يسمى الآن بالاقتصاد .
وإيضاح ذلك أنه لا خلاف بين العقلاء أن جميع مسائل الاقتصاد على كثرتها واختلاف أنواعها راجعة بالتقسيم الأول إلى أصلين ، لا ثالث لهما .
الأول منهما : اكتساب المال .
والثاني منهما : صرفه في مصارفه ، وبه تعلم أن الاقتصاد عمل مزدوج ، ولا فائدة في واحد من الأصلين المذكورين إلا بوجود الآخر ، فلو كان الإنسان أحسن الناس نظرا في [ ص: 77 ] أوجه اكتساب المال ، إلا أنه أخرق جاهل بأوجه صرفه ، فإن جميع ما حصل من المال يضيع عليه بدون فائدة ، وكذلك إذا كان الإنسان أحسن الناس نظرا في صرف المال في مصارفه المنتجة إلا أنه أخرق جاهل بأوجه اكتسابه ، فإنه لا ينفعه حسن نظره في الصرف مع أنه لم يقدر على تحصيل شيء يصرفه ، والآيات المذكورة أرشدت الناس ونبهتهم على الاقتصاد في الصرف .
وإذا علمت أن مسائل الاقتصاد كلها راجعة إلى الأصلين المذكورين ، وأن الآيات المذكورة دلت على أحدهما ، فاعلم أن الآخر منهما وهو اكتساب المال أرشدت إليه آيات أخر دلت على فتح الله الأبواب إلى اكتساب المال بالأوجه اللائقة ، كالتجارات وغيرها ; كقوله تعالى : ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم [ 2 \ 198 ] وقوله تعالى : فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله [ 62 \ 10 ] وقوله تعالى : علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله [ 73 \ 20 ] والمراد بفضل الله في الآيات المذكورة ربح التجارة ; وكقوله تعالى : إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم [ 4 \ 29 ] وقد قدمنا في سورة " الكهف " ، في الكلام على قوله تعالى : فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة الآية [ 18 \ 19 ] أنواع الشركات وأسماءها ، وبينا ما يجوز منها ، وما لا يجوز عند الأئمة الأربعة ، وأوضحنا ما اتفقوا على منعه ، وما اتفقوا على جوازه ، وما اختلفوا فيه ، وبه تعلم كثرة الطرق التي فتحها الله لاكتساب المال بالأوجه الشرعية اللائقة .
وإذا علمت مما ذكرنا أن جميع مسائل الاقتصاد راجعة إلى أصلين ، هما : اكتساب المال ، وصرفه في مصارفه ، فاعلم أن كل واحد من هذين الأصلين ، لا بد له من أمرين ضروريين له : الأول منهما : معرفة حكم الله فيه ، لأن الله جل وعلا لم يبح اكتساب المال بجميع الطرق التي يكتسب بها المال ، بل أباح بعض الطرق ، وحرم بعضها ; كما قال تعالى : وأحل الله البيع وحرم الربا [ 2 \ 275 ] ولم يبح الله جل وعلا صرف المال في كل شيء ، بل أباح بعض الصرف وحرم بعضه ; كما قال تعالى : مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة [ 2 \ 261 ] وقال تعالى في الصرف الحرام : إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة [ ص: 78 ] الآية [ 8 \ 36 ] فمعرفة حكم الله في اكتساب المال وفي صرفه في مصارفه أمر ضروري لا بد منه ، لأن من لم يعلم ذلك قد يكتسب المال من وجه حرام ، والمال المكتسب من وجه حرام ، لا خير فيه البتة ، وقد يصرف المال في وجه حرام ، وصرفه في ذلك حسرة على صاحبه .
الأمر الثاني : هو معرفة الطريق الكفيلة باكتساب المال ، فقد يعلم الإنسان مثلا أن التجارة في النوع الفلاني مباحة شرعا ، ولكنه لا يعلم أوجه التصرف بالمصلحة الكفيلة بتحصيل المال من ذلك الوجه الشرعي ، وكم من متصرف يريد الربح ، فيعود عليه تصرفه بالخسران ، لعدم معرفته بالأوجه التي يحصل بها الربح . وكذلك قد يعلم الإنسان أن الصرف في الشيء الفلاني مباح ، وفيه مصلحة ، ولكنه لا يهتدي إلى معرفة الصرف المذكور ، كما هو مشاهد في المشاريع الكثيرة النفع إن صرف فيها المال بالحكمة والمصلحة ، فإن جواز الصرف فيها معلوم ، وإيقاع الصرف على وجه المصلحة لا يعلمه كل الناس .
وبهذا تعلم أن أصول الاقتصاد الكبار أربعة : الأول : معرفة حكم الله في الوجه الذي يكتسب به المال ، واجتناب الاكتساب به ، إن كان محرما شرعا .
الثاني : حسن النظر في اكتساب المال بعد معرفة ما يبيحه خالق السماوات والأرض ، وما لا يبيحه .
الثالث : معرفة حكم الله في الأوجه التي يصرف فيها المال ، واجتناب المحرم منها .
الرابع : حسن النظر في أوجه الصرف ، واجتناب ما لا يفيد منها ، فكل من بنى اقتصاده على هذه الأسس الأربعة كان اقتصاده كفيلا بمصلحته ، وكان مرضيا لله جل وعلا ، ومن أخل بواحد من هذه الأسس الأربعة كان بخلاف ذلك ; لأن من جمع المال بالطرق التي لا يبيحها الله جل وعلا فلا خير في ماله ، ولا بركة ; كما قال تعالى : يمحق الله الربا ويربي الصدقات [ 2 \ 276 ] وقال تعالى : قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث الآية [ 5 \ 100 ] .
وقد تكلمنا على مسائل الربا في آية الربا في سورة " البقرة " ، وتكلمنا على أنواع [ ص: 79 ] الشركات وأسمائها ، وبينا ما يجوز منها وما لا يجوز في سورة " الكهف " ، في الكلام على قوله تعالى : فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة الآية [ 18 \ 19 ] .
ولا شك أنه يلزم المسلمين في أقطار الدنيا التعاون على اقتصاد يجيزه خالق السماوات والأرض ، على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ويكون كفيلا بمعرفة طرق تحصيل المال بالأوجه الشرعية ، وصرفه في مصارفه المنتجة الجائزة شرعا ; لأن الاقتصاد الموجود الآن في أقطار الدنيا لا يبيحه الشرع الكريم ، لأن الذين نظموا طرقه ليسوا بمسلمين ، فمعاملات البنوك والشركات لا تجد شيئا منها يجوز شرعا ، لأنها إما مشتملة على زيادات ربوية ، أو على غرر ، لا تجوز معه المعاملة كأنواع التأمين المتعارفة عند الشركات اليوم في أقطار الدنيا ، فإنك لا تكاد تجد شيئا منها سالما من الغرر ، وتحريم بيع الغرر ثابت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، ومن المعلوم أن من يدعي إباحة أنواع التأمين المعروفة عند الشركات ، من المعاصرين أنه مخطئ في ذلك ، ولأنه لا دليل معه ، بل الأدلة الصحيحة على خلاف ما يقول ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : وإذا مروا باللغو مروا كراما .
أي : إذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به مروا معرضين عنهم كراما مكرمين أنفسهم عن الخوض معهم في لغوهم ، وهو كل كلام لا خير فيه ، كما تقدم .
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة ، أوضحه جل وعلا بقوله : وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين [ 28 \ 55 ] وقد قدمنا الآيات الدالة على معاملة عباد الرحمن للجاهلين ، في سورة " مريم " ، في الكلام على قوله تعالى :قال سلام عليك سأستغفر لك ربي الآية [ 19 \ 47 ] .
قوله تعالى : والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا .
قال الزمخشري : لم يخروا عليها ليس بنفي للخرور ، وإنما هو إثبات له ، ونفي للصمم والعمى ; كما تقول : لا يلقاني زيد مسلما ، وهو نفي للسلام لا للقاء .
والمعنى : أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها ، حرصا على استماعها وأقبلوا على المذكر [ ص: 80 ] بها ، وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية مبصرون بعيون راعية ، انتهى محل الغرض منه .
ولا يخفى أن لهذه الآية الكريمة دلالتين : دلالة بالمنطوق ، ودلالة بالمفهوم ، فقد دلت بمنطوقها على أن من صفات عباد الرحمن ، أنهم إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها ، لم يكبوا عليها في حال كونهم صما عن سماع ما فيها من الحق ، وعميانا عن إبصاره ، بل هم يكبون عليها سامعين ما فيها من الحق مبصرين له .
وهذا المعنى دلت عليه آيات أخر من كتاب الله ; كقوله تعالى : وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا الآية [ 8 \ 2 ] ومعلوم أن من تليت عليه آيات هذا القرآن ، فزادته إيمانا أنه لم يخر عليها أصم أعمى ; وكقوله تعالى : وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون [ 9 \ 124 ] وقوله تعالى : الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله [ 39 \ 23 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقد دلت الآية المذكورة أيضا بمفهومها أن الكفرة المخالفين ، لعباد الرحمن الموصوفين في هذه الآيات : إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليها صما وعميانا ، أي : لا يسمعون ما فيها من الحق ، ولا يبصرونه ، حتى كأنهم لم يسمعوها أصلا .
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة بمفهومها ، جاء موضحا في آيات أخر من كتاب الله ; كقوله تعالى في سورة " لقمان " : وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم [ 31 \ 7 ] وقوله تعالى في " الجاثية " : ويل لكل أفاك أثيم يسمع آيات الله تتلى عليه ثم يصر مستكبرا كأن لم يسمعها فبشره بعذاب أليم وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين [ 45 \ 7 - 9 ] وقوله تعالى : وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم الآية [ 9 \ 124 - 125 ] إلى غير ذلك من الآيات .
والظاهر : أن معنى خرور الكفار على الآيات ، في حال كونهم صما وعميانا ، هو إكبابهم على إنكارها والتكذيب بها ، خلافا لما ذكره الزمخشري في " الكشاف " ، والصم في [ ص: 81 ] الآية جمع أصم ، والعميان جمع أعمى ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : أولئك يجزون الغرفة بما صبروا . الظاهر أن المراد بالغرفة في هذه الآية الكريمة جنسها الصادق بغرف كثيرة ; كما يدل عليه قوله تعالى : وهم في الغرفات آمنون [ 34 \ 37 ] وقوله تعالى : لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها الأنهار الآية [ 39 \ 20 ] .
وقد أوضحناه هذا في أول سورة " الحج " ، وفي غيرها .
قوله تعالى : ويلقون فيها تحية وسلاما .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " يونس " ، في الكلام على قوله تعالى : وتحيتهم فيها سلام [ 10 \ 10 ] .
قوله تعالى : خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما .
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة " الكهف " ، في الكلام على قوله تعالى : نعم الثواب وحسنت مرتفقا [ 18 \ 31 ] .
قوله تعالى : قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما .
العرب الذين نزل القرآن بلغتهم ، يقولون : ما عبأت بفلان ، أي : ما باليت به ، ولا اكترثت به ، أي : ما كان له عندي وزن ، ولا قدر يستوجب الاكتراث والمبالاة به ، وأصله من العبء وهو الثقل ، ومنه قول أبي زيد يصف أسدا :
كان بنحره وبمنكبيه عبيرا بات يعبؤه عروس
وقوله : يعبؤه ، أي : يجعل بعضه فوق بعض لمبالاته به واكتراثه به .
وإذا علمت ذلك ، فاعلم أن كلام أهل التفسير في هذه الآية الكريمة يدور على أربعة أقوال .
واعلم أولا أن العلماء اختلفوا في المصدر في قوله : لولا دعاؤكم ، هل هو مضاف إلى فاعله ، أو إلى مفعوله ، وعلى أنه مضاف إلى فاعله فالمخاطبون بالآية داعون ، [ ص: 82 ] لا مدعوون ، أي : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ، أي : عبادتكم له . وأما على أن المصدر مضاف إلى مفعوله فالمخاطبون بالآية مدعوون لا داعون ، أي : ما يعبؤا بكم لولا دعاؤه إياكم إلى توحيده وعبادته على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام .
واعلم أيضا أن ثلاثة من الأقوال الأربعة المذكورة في الآية مبنية على كون المصدر فيها مضافا إلى فاعله . والرابع : مبني على كونه مضافا إلى مفعوله .
أما الأقوال الثلاثة المبنية على كونه مضافا إلى فاعله .
فالأول منها أن المعنى : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ، أي : عبادتكم له وحده جل وعلا ، وعلى هذا القول فالخطاب عام للكافرين والمؤمنين ، ثم أفرد الكافرين دون المؤمنين بقوله : فقد كذبتم الآية .
والثاني منها : أن المعنى : لولا دعاؤكم أيها الكفار له وحده عند الشدائد والكروب ، أي : ولو كنتم ترجعون إلى شرككم ، إذا كشف الضر عنكم .
والثالث : أن المعنى ما يعبأ بكم ربي ، أي : ما يصنع بعذابكم ، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى ، ولا يخفى بعد هذا القول ، وأن فيه تقدير ما لا دليل عليه ، ولا حاجة إليه .
أما القول الرابع المبني على أن المصدر في الآية مضاف إلى مفعوله فهو ظاهر ، أي : ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤه إياكم على ألسنة رسله .
وإذا عرفت هذه الأقوال ، فاعلم أن كل واحد منها ، قد دل عليه قرآن ، وسنبين هنا إن شاء الله تعالى دليل كل قول منها من القرآن مع ذكر ما يظهر لنا أنه أرجحها .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|