عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 20-12-2022, 04:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,142
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ الْأَنْعَامِ
المجلد السادس
صـ 2277 الى صـ 2279
الحلقة (322)




إذا رأى غير شيء ظنه رجلا


أن الشيء لا ينطلق إلا على الموجود، إذ لو كان الشيء كل ما يصح أن يعلم عدما كان أو وجودا، أو ممكنا أو مستحيلا، لما صدق على أمر ما أنه ليس بشيء، والأمر في ذلك قريب. انتهى.

[ ص: 2267 ] هذا، وتمسك من منع إطلاقه عليه تعالى بقوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها والاسم إنما يحسن لحسن مسماه، وهو أن يدل على صفة من صفات الكمال، ونعت من نعوت الجلال. ولفظ الشيء أعم الأشياء، فيكون مسماه حاصلا في أحسن الأشياء وفي أرذلها. ومتى كان كذلك، لم يكن المسمى بهذا اللفظ صفة من صفات الكمال، فوجب أن لا نجوز دعوة الله بهذا الاسم؛ لأنه ليس من الأسماء الحسنى، وقد أمر تعالى بأن يدعى بها. وأجيب: بأن كونه ليس من الأسماء الحسنى، لكونها توقيفية، وكونه لا يدعى به لعدم وروده - لا ينافي شموله للذات العلية، شمول العام. والمراد بإطلاقه عليه تعالى فيما تقدم شموله، لا تسميته به. وبالجملة: فلا يلزم أن كونه ليس من الأسماء الحسنى، أن لا يشمل الذات المقدسة شمولا كليا، كيف؟ وهو الموضوعات العامة. والتحاكم للغويين في ذلك. كما قدمنا.

الثانية: ما أسلفناه من أن المعني بالشهادة هو شهادته تعالى في ثبوت النبوة له صلى الله عليه وسلم، هو الذي جنح إليه الأكثر. وكأن مشركي مكة طلبوا منه صلى الله عليه وسلم شاهدا على نبوته. فقيل لهم: أكبر شيء شهادة هو الله تعالى، وقد شهد لي بالنبوة؛ لأنه أوحى إلي هذا القرآن، وتحداكم بمعارضته، فعجزتم، وأنتم أنتم في مقام البلاغة. وإذ كان معجزا، كان إظهاره تعالى إياه على وفق دعواي، شهادة منه على صدقي في النبوة.

ولبعضهم وجه آخر، وهو أن المعني، شهادته تعالى في ثبوت وحدانيته، وتنزهه عن الأنداد والأشباه. ويرشحه تتمة الآية، وهو قوله: أإنكم لتشهدون إلخ، وقوله: شهد الله أنه لا إله إلا هو وقوله تعالى: فإن شهدوا فلا تشهد معهم

[ ص: 2268 ] مما يدل على أن الشهادة إنما عني بها -في موارد التنزيل- ثبوت الوحدانية، والقرآن يفسر بعضه بعضا. والله أعلم.

الثالثة: إنما اقتصر على الإنذار في قوله: لأنذركم به لكون الخطاب مع كفار مكة، وليس فيهم من يبشر. أو اكتفى به عن ذكر البشارة على حد: سرابيل تقيكم الحر

الرابعة: استدل بقوله تعالى: لأنذركم به ومن بلغ على أنه صلى الله عليه وسلم مبعوث إلى الناس كافة، وإلى الجن.

الخامسة: استدل به أيضا على أن أحكام القرآن تعم الموجودين يوم نزوله ومن سيوجد بعد إلى يوم القيامة، خلا أن ذلك بطريق العبارة في الكل - عند الحنابلة - وبالإجماع عندنا في غير الموجودين، وفي غير المكلفين يومئذ. أفاده أبو السعود.

السادسة: روى ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب في قوله: ومن بلغ من بلغه القرآن، فكأنما رأى النبي صلى الله عليه وسلم وكلمه. ورواه ابن جرير عنه بلفظ: من بلغه القرآن فقد أبلغه محمد صلى الله عليه وسلم.

[ ص: 2269 ] وروى عبد الرزاق عن قتادة في هذه الآية: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بلغوا عن الله، فمن بلغته آية من كتاب الله، فقد بلغه أمر الله» .

وقال الربيع بن أنس: حق على من اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يدعو كالذي دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن ينذر بالذي أنذر.

السابعة: دل قوله تعالى: قل إنما هو إله واحد وقوله: وإنني بريء مما تشركون على إثبات التوحيد بأعظم طرق البيان، وأبلغ وجوه التأكيد؛ لأن (إنما) تفيد الحصر، و (الواحد) صريح في نفي الشركاء. ثم صرح بالبراءة عن إثبات الشركاء. وقد استحب الشافعي لمن أسلم بعد إتيانه بالشهادتين، أن يتبرأ من كل دين سوى دين الإسلام، لقوله: وإنني بريء مما تشركون عقب التصريح بالتوحيد.
القول في تأويل قوله تعالى:

[20] الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسهم فهم لا يؤمنون

وقوله تعالى: الذين آتيناهم الكتاب يعني: اليهود والنصارى: يعرفونه أي: يعرفون رسول الله صلى الله عليه وسلم بحليته ونعته الثابت في الكتابين: كما يعرفون أبناءهم بحلاهم ونعوتهم، لا يخفون عليهم، ولا يلتبسون بغيرهم.

قال المهايمي: لأنه صلى الله عليه وسلم ذكر في الكتاب نعته. وهو، وإن لم يفد تعينه باللون والشكل والزمان والمكان، تعين بقرائن المعجزات. فبقاء الاحتمال البعيد فيه، كبقائه في الولد، بأنه يمكن أن يكون غير ما ولدته امرأته، أو يكون من الفجور، مع دلالة القرائن على براءتها من التزوير والفجور. فهو، كما يعرفون أبناءهم في ارتفاع الاحتمال البعيد بالقرائن على براءتها.

[ ص: 2270 ] قال الزمخشري: وهذا استشهاد لأهل مكة بمعرفة أهل الكتاب، وبصحة نبوته.

ثم بين تعالى أن إنكاره خسران لما عرفوه، ولما أمروا بالتدين به بقوله: الذين خسروا أنفسهم أي: من المشركين: فهم لا يؤمنون أي: بهذا الأمر الجلي الظاهر الذي بشرت به الأنبياء، ونوهت به؛ لأنه مطبوع على قلوبهم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[21] ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بآياته إنه لا يفلح الظالمون

ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا كقولهم: الملائكة بنات الله، وهؤلاء شفعاؤنا عند الله. قال الله تعالى: وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها

[ ص: 2271 ] أو كذب بآياته أي: القرآن والمعجزات، حيث سموها سحرا. وإنما ذكر: أو مع أنهم جمعوا بين الأمرين، تنبيها على أن كلا منهما وحده بالغ غاية الإفراط في الظلم على النفس. فكيف وهم وقد جمعوا بينهما؟ فأثبتوا ما نفاه الله تعالى، ونفوا ما أثبته.

إنه لا يفلح الظالمون أي: لا ينجون من مكروه، ولا يفوزون بمطلوب. وإذا كان حال الظالمين هذا، فكيف بمن لا أحد أظلم منه؟

تنبيه:

ما ذكرناه من كون الموصول كناية عن المشركين هو الظاهر؛ لأن السورة مكية، والخطاب مع مشركي أهلها. وجعله البيضاوي لهم، ولأهل الكتاب، وقوفا مع عموم اللفظ، والمهايمي; لأهل الكتاب خاصة، ربطا للآية بما قبلها. والظاهر الأول، لما قلنا. وعبارة المهايمي: الذين خسروا أنفسهم بتفويت ما أوتوا من الكتاب، وما أمروا به، فهم لا يؤمنون. وكيف لا يخسرون، وهم ظالمون، وكل ظالم خاسر؟ وإنما قلنا: إنهم ظالمون؛ لأنهم يحرفون كتاب الله لفظا أو معنى، فيفترون على الله الكذب، ويكذبون آيات الله من كتابهم، ومعجزات محمد صلى الله عليه وسلم وكتابه. وقد يسترون بعض ما في كتابهم، وهو أيضا تكذيب. فعلوا جميع ذلك؛ لأنه لا يتأتى لهم ترك الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم بدون أحد هذه الأمور.

وقال في قوله تعالى: ومن أظلم الآية. لأنهم بالتحريف يدعون إلهية أنفسهم، وبالتكذيب يريدون تعجيز الله عن تصديقه الرسل، وينسبون إيجادها إلى غير الله، مع افتقارها إلى القدرة الكاملة. وإنما قلنا: كل ظالم خاسر؛ لأن كل ظالم لا يفلح. كما قال تعالى: إنه لا يفلح الظالمون أي: لا يفلحون في الدنيا بانقطاع الحجة عنهم، وظهور المسلمين عليهم، وفيه إشارة إلى أن مدعي الرسالة، لو كان كاذبا كان مفتريا على الله، فلا يكون مفلحا، فلا يكون سببا لصلاح العالم، ولا محلا لظهور المعجزات. انتهى.
[ ص: 2272 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[22] ويوم نحشرهم جميعا ثم نقول للذين أشركوا أين شركاؤكم الذين كنتم تزعمون

ويوم نحشرهم أي: الإنس والجن والشياطين. منصوب بمضمر تهويلا للأمر جميعا ليفتضح من لا يفلح من الظالمين مزيد افتضاح، ويظهر المفلحون بكمال الإعزاز.

ثم نقول للذين أشركوا أي: مضوا على الشرك، بأن ماتوا عليه، وهم الشاهدون أن مع الله آلهة أخرى: أين شركاؤكم أي: الذين جعلتموهم شركاءنا، وهم شركاؤكم في العبودية - كذا قاله المهايمي - وعليه، فالإضافة على بابها.

وفي "العناية": الإضافة فيه لأدنى ملابسة، كما أشار إليه القاضي بقوله: أي: آلهتكم التي جعلتموها شركاء لله؛ لأنه لا شركة بينهم، وإنما سموهم شركاء، فلهذه الملابسة أضيفوا إليهم.

قيل: قوله تعالى: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون يقتضي حضورهم معهم في المحشر، و (أين) يسأل بها عن غير الحاضر؟ أجيب بأنه بتقدير مضاف. أي: أين نفعهم وشفاعتهم، أو أنهم بمنزلة الغيب، لعدم ما رجوا منهم من الشفاعة. وعلى كل، فالقصد من السؤال توبيخهم وتقريعهم، وأن يقرر في نفوسهم أن ما كانوا يرجونه مأيوس منه. وذلك تنبيه لهم في دار الدنيا على فساد هذه الطريقة.

وقوله تعالى: الذين كنتم تزعمون أي: تزعمونها شركاء من عند أنفسكم. أي: فقصدتم بذلك فعل الفاتنين في المملكة بجعلها لغير من هي له.
[ ص: 2273 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[23] ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين

ثم لم تكن فتنتهم أي: جواب ما اعترض به على فتنتهم التي هي شهادة أن مع الله آلهة أخرى. وعبر عن جوابهم بالفتنة؛ لأنه كذب. إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين اعتذروا عن أصنامهم بنفيها مؤكدا بالقسم بالاسم الجامع، مع نسبة الربوبية إليه تعالى، لا إلى ما سواه، مبالغة في التبرؤ من الإشراك. فكان هذا العذر ذنبا آخر مؤكدا لافترائهم بالإشراك الذي نفوه. كما قال تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[24] انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون

انظر كيف كذبوا على أنفسهم أي: بنفي الإشراك عنها أمام علام الغيوب، بحضرة من لا ينحصر من الشهود: وضل أي: وكيف ضاع وغاب: عنهم ما كانوا يفترون أي: من الشركاء، فلم تغن عنهم شيئا، ففقدوا ما رجوا من شفاعتها ونصرتها لهم، كقوله تعالى: قالوا أين ما كنتم تدعون من دون الله قالوا ضلوا عنا ف (ما) موصولة، كناية عن الشركاء. وإيقاع الافتراء عليها، مع أنه في الحقيقة واقع على أحوالها من الإلهية، والشركة والشفاعة ونحوها - للمبالغة في أمرها، كأنها نفس المفترى.

[ ص: 2274 ] تنبيهات:

الأول: ما ذكرناه من أنه عبر عن جوابهم بالفتنة هو الأظهر. فالمراد: الجواب بما هو كذب؛ لأنه سبب الفتنة، فتجوز بها إطلاقا للمسبب على السبب، أو هو استعارة. وقيل: الفتنة بمعنى العذر، لأنها التخليص من الغش لغة، والعذر يخلص من الذنب، فاستعيرت له. وقيل: بمعنى الكفر؛ لأن الفتنة ما تفتتن به ويعجبك، وهم كانوا معجبين بكفرهم مفتخرين به، ويظنونه شيئا، فلم تكن عاقبته إلا الخسران، والتبرؤ منه، وليس هذا على تقدير مضاف، بل جعل عاقبة الشيء عينه، ادعاء.

قال الزجاج: تأويل هذه الآية حسن في اللغة، لا يعرفه إلا من عرف معاني الكلام، وتصرف العرب في ذلك. وذلك أن الله تعالى بين كون المشركين مفتونين بشركهم، متهالكين على حبه، فأعلم في هذه الآية، أنه لم يكن افتتانهم بشركهم، وإقامتهم عليه، إلا أن تبرؤوا منه وتباعدوا عنه، فحلفوا أنهم ما كانوا مشركين. ومثاله: أن ترى إنسانا يحب غاويا مذموم الطريقة، فإذا وقع في محنة بسببه تبرأ منه، فيقال: له ما كانت محبتك لفلان إلا أن انتفيت منه.

قال الخفاجي - بعد نقله ما ذكر -: وليس هذا من قبيل عتابك السيف، ولا من تقدير المضاف، وإن صح فاحفظه، فإنه من البدائع الروائع.

الثاني: ما بيناه من أن (ما) في قوله تعالى: وضل عنهم ما كانوا يفترون موصولة، كناية عن الشركاء، بمعنى عدم إغنائها عنهم - هو الموافق للآية الثانية التي سقناها. وجوز كونها مصدرية. أي: انظر كيف ذهب وزال عنهم افتراؤهم من الإشراك، حتى نفوا صدوره عنهم بالكلية، وتبرؤوا منه بالمرة.

هذا، وجعل الناصر في "الانتصاف": ضل بمعنى سلبوا علمه، فكأنهم نسوه وذهلوه دهشا. هو بعيد لعدم ملاقاته للآية الأخرى. والتنزيل يفسر بعضه بعضا. وعبارته: [ ص: 2275 ] في الآية دليل بين على أن الإخبار بالشيء على خلاف ما هو به، كذب، وإن لم يعلم المخبر مخالفة خبره بمخبره. ألا تراه جعل إخبارهم وتبريهم كذبا، مع أنه تعالى أخبر أنهم ضل عنهم ما كانوا يفترون. أي: سلبوا علمه حينئذ دهشا وحيرة. فلم يرفع ذلك إطلاق الكذب عليهم. انتهى.

الثالث: قال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح أن يكذبوا حين يطلعون على حقائق الأمور، وعلى أن الكذب والجحود لا وجه لمنفعته؟

قلت: الممتحن ينطق بما ينفعه وبما لا ينفعه، من غير تمييز بينهما، حيرة ودهشا، ألا تراهم يقولون: ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون ؟ وقد أيقنو بالخلود، ولم يشكوا فيه ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك وقد علموا أنه لا يقضى عليهم.

وأما قول من يقول: معناه: ما كنا مشركين عند أنفسنا، وما علمنا أنا على خطأ في معتقدنا، وحمل قوله: انظر كيف كذبوا على أنفسهم يعني في الدنيا - فتمحل وتعسف وتحريف لأفصح الكلام، إلى ما هو عي وإفحام؛ لأن المعنى الذي ذهبوا إليه، ليس هذا الكلام بمترجم عنه، ولا منطبق عليه، وهو ناب عنه أشد النبو. وما أدري ما يصنع من ذلك تفسيره، بقوله تعالى: يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون بعد قوله تعالى: ويحلفون على الكذب وهم يعلمون فشبه كذبهم في الآخرة بكذبهم في الدنيا. انتهى.

والقول المذكور، والحمل الذي ناقش فيه، أصله لأبي علي الجبائي والقاضي. فإنهما [ ص: 2276 ] ذهبا إلى أن أهل القيامة لا يجوز إقدامهم على الكذب، واعتلا بوجوه واهية ساقها الرازي. فلتنظر ثمت؛ فإنا لا نسود وجوه صحائفنا بما فيه تحكيم العقل على النقل.

ثم بين تعالى بعض ما كان يصدر من مشركي مكة، مما طبع على قلوبهم بسببه فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[25] ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها حتى إذا جاءوك يجادلونك يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين

ومنهم من يستمع إليك أي: يصغي حين تتلو القرآن، ولا يجزئ عنه شيئا؛ لأنه لا يتدبر فيه حتى يطلع على إعجازه، ويؤثر فيه الإرشاد: وجعلنا على قلوبهم أكنة أي: حجابا، جمع كنان، كغطاء وأغطية، لفظا ومعنى: أن يفقهوه أي: كراهة أن يفهموا، ببواطن قلوبهم، بواطنه التي بها إعجازه وإرشاده، بإقامة الدلائل ورفع الشبه. وفي آذانهم وقرا أي: وجعلنا في آذانهم، التي هي طريق الوصول إلى بواطن القلوب، صمما مانعا من وصول السماع النافع. وقد مر في أول البقرة تحقيق ذلك. فتذكر!

وقوله تعالى: وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها إشارة إلى أنه لا يختص ما ذكر منهم بالقرآن، لرؤيتهم قصورا فيه، بل مهما يروا من الآيات والحجج مما يدل على صدق الرسول لا يؤمنوا بها، وحملوها على السحر. لفرط عنادهم، واستحكام التقليد فيهم، فلا فهم عندهم ولا إنصاف. كقوله تعالى: ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم

حتى إذا جاءوك يجادلونك أي: بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنهم إذا جاءوك يحاجونك ويناظرونك في الحق بالباطل. ثم فسر المجادلة بقوله: يقول الذين كفروا إن هذا إلا أساطير الأولين [ ص: 2277 ] أي: أباطيلهم وأحاديثهم التي لا نظام لها. وعد أحسن الحديث وأصدقه، من قبيل الأباطيل: لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه - رتبة من الكفر لا غاية وراءها.
القول في تأويل قوله تعالى:

[26] وهم ينهون عنه وينأون عنه وإن يهلكون إلا أنفسهم وما يشعرون

وهم ينهون عنه أي: لا يقنعون بما ذكر من تكذيبه، بل ينهون الناس عن استماعه.

قال المهايمي: وهم، لرؤيتهم حلاوة نظمه فوق نثرهم وشعرهم، مع متانة معانيه، يعرفون أن التدبر فيه يفيد التطلع على إعجازه. فيخافون تأثيره في قلوب الخلائق. لذلك ينهون عنه. أي: عن قراءته واستماعه؛ لئلا يدعوهم إلى التدبر فيه، فيفسد عليهم أغراضهم الفاسدة.

وينأون عنه أي: يتباعدون عنه بأنفسهم، إظهارا لغاية نفورهم عنه، وتأكيدا لنهيهم عنه. فإن اجتناب الناهي عن المنهي عنه، من متممات النهي. ولعل ذلك هو السر في تأخير (النأي) عن (النهي) . أفاده أبو السعود.

ولما أشعر ذلك بكونهم يبغون الغوائل لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، خوفا من قوة تأثير التنزيل في القلوب، أتبعه بأنه لا يحصل لهم هذا المطلوب؛ لأن الله متم نوره، ومظهر دينه، وإن الدائرة عليهم بقوله: وإن يهلكون إلا أنفسهم بتعريضها لأشد العذاب عاجلا وآجلا: وما يشعرون أي: بذلك.

تنبيه:

روى الحاكم وغيره، عن ثلة من التابعين، أن هذه الآية نزلت في أبي طالب، كان ينهى عن النبي صلى الله عليه وسلم أن يؤذى، وينأى عنه فلا يؤمن به، وجمعيته حينئذ، باعتبار استتباعه لأتباعه.

وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير أنها نزلت في عمومة النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا عشرة. [ ص: 2278 ] فكانوا أشد الناس معه في العلانية، وأشدهم عليه في السر، ولا يخفى أن لفظ التنزيل مما يصدق على ما ذكر ولا ينافيه، وهو المراد بالنزول - كما أسلفنا مرارا - وقد قال أبو طالب يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم:


والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسد في التراب دفينا

فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة
وابشر بذاك وقر منه عيونا

ودعوتني وزعمت أنك ناصح
ولقد صدقت وكنت ثم أمينا

وعرضت دينا لا محالة أنه
من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذاري سبة
لوجدتني سمحا بذاك مبينا



وفي (ينهون) و (ينأون) تجنيس بديع.

ولما أخبر تعالى أنهم يهلكون أنفسهم، شرح كيفيته مع بيان ما سيصدر عنهم في الآخرة. من القول المناقض لعقدهم الدنيوي، بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[27] ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين

ولو ترى إذ وقفوا على النار أي: اطلعوا عليها فعاينوها. يقال: وقف فلانا على ذنبه: أطلعه عليه. أو أدخلوها فعرفوا ما فيها من العذاب. يقال: وقفت على ما عند فلان، تريد: فهمته وتبينته. والوقف عليه مجازي، أو هو حقيقي بمعنى القيام. و (على) إما على حقيقتها. أي: أقيموا واقفين فوق النار على الصراط، وهو جسر فوق جهنم. أو هي بمعنى (في)، أي: أقيموا في جوف النار وغاصوا فيها، وهي محيطة بهم. وصحح معنى الاستعلاء حينئذ كون النار دركات وطبقات، بعضها فوق بعض.

[ ص: 2279 ] فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين تمنوا الرجوع إلى الدنيا، حين لا رجوع، واعدين أن لا يكذبوا بما جاءهم، وأن يكونوا من المؤمنين، أي: بآياته، العاملين بمقتضاها، حتى لا نرى هذا الموقف الهائل. أو من فريق المؤمنين الناجين من العذاب، الفائزين بحسن المآب.

تنبيه:

جواب (لو) محذوف، تفخيما للأمر، وتعظيما للشأن، وجاز حذفه لعلم المخاطب به. وأشباهه كثيرة في القرآن والشعر. ولو قدرت الجواب. كان التقدير: لرأيت سوء منقلبهم. وحذف الجواب في ذلك أبلغ في المعنى من إظهاره؛ ألا ترى أنك لو قلت لغلامك: والله لئن قمت إليك. وسكت عن الجواب، ذهب بفكره إلى أنواع المكروه من الضرب والقتل والكسر، وعظم الخوف، ولم يدر أي الأقسام تبغي. ولو قلت: لأضربنك، فأتيت بالجواب لأمن غير الضرب، ولم يخطر بباله نوع من المكروه سواه. فثبت أن حذف الجواب أقوى تأثيرا في حصول الخوف - أفاده الرازي - وملخصه: أن حذف الجواب ثقة بظهوره، وإيذانا بقصور العبارة عن تفصيله.




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 40.93 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.30 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.53%)]