عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 18-12-2022, 05:04 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,502
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع للشيخ محمد الشنقيطي

شرح زاد المستقنع في اختصار المقنع
(كتاب المناسك)
شرح فضيلة الشيخ الدكتور
محمد بن محمد المختار بن محمد الجكني الشنقيطي
الحلقة (247)

صـــــ(1) إلى صــ(27)


وقت ذبح الأضحية

يقول المصنف رحمه الله تعالى: [ووقت الذبح بعد صلاة العيد أو قدره إلى يومين بعده]. بيّن المصنف رحمه الله جملة من الأحكام المتعلقة بالأضحية، ثم شرع في بيان تأقيت الأضحية؛ والسبب في ذلك: أن النصوص التي وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم بينت أن للأضحية ميقاتاً خاصاً ينبغي مراعاته عند ذبحها، فلا يقع الذبح قبل هذا الوقت المحدد من الشرع ولا بعده، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك حينما خطب يوم النحر فقال صلى الله عليه وسلم: (من ذبح قبل الصلاة فليذبح أخرى مكانها، ومن لم يذبح فليذبح باسم الله).
وقوله عليه الصلاة والسلام: (من ذبح قبل الصلاة) المراد بالصلاة صلاة عيد الأضحى، والتي يسن إيقاعها بعد طلوع الشمس وارتفاعها قيد رمح، فالسنة في صلاة عيد الأضحى أن يخفف الإمام ويعجل؛ لأن الناس سيشتغلون بالأضحية، وهذا يحتاج إلى وقت لكي يصيبوا فضيلة إيقاع الذبح في ضحى يوم النحر، وما سميت الأضحية أضحية إلا لأنها تقع ضحى يوم النحر، ففضيلتها في هذا الوقت، والسنة أن يصلي بهم والشمس قيد رمح، أما في صلاة عيد الفطر فيوقعها والشمس قيد رمحين؛ لأن الناس يحتاجون إلى وقت أكثر قبل الصلاة من أجل إخراج زكاة الفطر، فاختلف الحكم بالنسبة لهدي النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الأضحى وصلاة الفطر.
وقد قالوا: إنه يوقع ذبح الأضحية بعد صلاة الإمام، والمراد بذلك الإمام الذي يصلي بالناس عيد الأضحى، فإذا تعددت المساجد ووجد أكثر من إمام؛ فبعض أهل العلم يرى تأقيت كل جماعة بإمامهم، فإذا كان في المدينة مصليان للعيد، فصلى مع الإمام بالناحية الشرقية أو الغربية فإنه -عند هؤلاء- يتقيد بالإمام، فإذا صلى مع إمامه انصرف وذبح أضحيته، وإذا كان مريضاً لم يتمكن من الخروج فإنه ينتظر فراغ إمامه من صلاة عيد الأضحى ثم يضحي.
وقال بعض العلماء: يعتد بالأسبق منهما، حتى ولو كان غير إمامه؛ فلو كان هناك حيان، حي تقام فيه صلاة الأضحى في الشرق وحي في الغرب، والذي في الشرق من عادته أن يطول أو يتأخر، والذي في الغرب يبكر، فيعتد بصلاة المبكر منهما.
فعلى هذا نخرج بحكم شرعي وهو: أن ذبح الأضحية ينبغي أن يكون بعد الصلاة لا قبلها.
ولا يشترط انتظار فراغ الإمام من خطبة يوم النحر، بل العبرة بالصلاة وحدها، فإذا انتهت الصلاة وخرجت وذبحت أجزأك ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من ذبح قبل الصلاة فشاته شاة لحم)، أي: أن شاته لا تقع أضحية على السنة، وإنما تنقلب شاة لحم، إن شاء تصدق بها، وإن شاء أكلها، فليست بأضحية، وقال بعد ذلك: (ومن لم يذبح فليذبح باسم الله)، فأذن بالذبح بعد الصلاة؛ لأن هذا الكلام وقع في خطبته وهي من بعد صلاة الأضحى إجماعاً، فبيّن رحمه الله أن وقت الأضحية يبتدئ بما بعد الصلاة.


وقت انتهاء الذبح

وللأضحية وقت انتهاء، فبعد هذا الوقت لا تقع شاته أضحية، وقد اختلف العلماء في وقت الانتهاء على قولين مشهورين:القول الأول: أن وقت الأضحية ينتهي بثالث أيام التشريق؛ فإذا غابت شمس يوم الثالث عشر فلا تقع أضحية وإنما تقع صدقة من الصدقات، أو شاة لحم، كما قال صلى الله عليه وسلم فيمن سبق الوقت المعتبر. وهذا هو مذهب الشافعية ورواية عن الإمام أحمد رحمة الله عليهم، وكان يقول به أكثر من سبعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يقولون: إنه يجوز أن ينحر الإنسان ويذبح في اليوم الثالث عشر، وهو اليوم الأخير من أيام التشريق.
القول الثاني: وهو أشبه بمذهب الجمهور، وهو أن وقت الذبح يوم العيد ويومان من بعده، فآخر وقت الذبح عندهم بمغيب شمس اليوم الثاني عشر.
والخلاف فقط في اليوم الثالث عشر الذي هو آخر أيام التشريق؛ لأن أيام التشريق ثلاثة كما لا يخفى، فقال بعض العلماء: إن اليوم الثالث يعتبر من أيام الذبح، وقال بعضهم: إنه ليس من أيام الذبح، وظاهر قوله عليه الصلاة والسلام: (أيام منى أيام أكل ونحر) يدل على أنه يجزئ الذبح فيها، وهذا على ظاهر القرآن: وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ [الحج:28] ، فهذا نص عند العلماء في أن الذبح يتأقت بثلاثة أيام يدخل فيها اليوم الثالث عشر.
وإخراج اليوم الثالث عشر لا يخلو من نظر؛ فإن جلّ الأحكام التي وقعت في أيام التشريق استوت فيها الأيام الثلاثة كلها، ولذلك فإن من ذبح هدي التمتع أو هدي القران فإنه يجزيه في أيام التشريق على القول بالتأقيت، وكذلك بالنسبة لمسائل الحاج، فإن الله جعل للحاج اليوم الثالث عشر كاليوم الثاني عشر، لكنه خفف بالتعجل في اليوم الثاني عشر، وهذا لا يسقط اعتباره إن تأخر.
وعلى هذا فالذي يترجح: أن يوم العيد وثلاثة أيام من بعده هي أيام النحر والذبح.
وإذا أراد الإنسان أن يذبح في الليل، فهل ليالي هذه الأيام كنهارها؟
للعلماء في هذه المسألة قولان:
القول الأول: قال جمهور أهل العلم: يجوز للإنسان أن يذبح أضحيته بالليل والنهار، ولا فرق بينهما، وإن كان الأفضل أن يذبح نهاراً، حتى يخرج من خلاف أهل العلم رحمة الله عليهم.
القول الثاني: أن الذبح يختص بالنهار دون الليل، وأنه لا يذبح ليلاً، واليوم إذا أطلق في لغة العرب فالمراد به النهار دون الليل، ويحمل قوله عليه الصلاة والسلام: (أيام منى) على النهار دون الليل، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا [الحاقة:7]، ففرق الله تعالى بين النهار وبين الليل.
واحتج من قال: إن الليل والنهار سواء -كما هو مذهب الجمهور- بأن قوله تعالى: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ [الحاقة:7] من باب عطف الخاص على العام، والعرب تعطف الخاص على العام والعام على الخاص، فتقول: يدخل محمد والناس، ومرادك بذلك تشريف محمد وتكريمه، أو أن النهار كان أشد عذاباً من الليل، أو أن الليل أشد إيقاعاً وأشد ألماً وعذاباً، فلذلك خص بالذكر.
وظاهر الدليل: أن الليل والنهار سواء، وأنه يذبح بالليل والنهار؛ لقوله تعالى: فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [هود:65]، وقوله: (ثَلاثَةَ أَيَّامٍ) بالإجماع أن هذا التربص شامل لليل والنهار، ولذلك قالوا: الأصل في اليوم أنه يشمل الليل والنهار، إلا إذا خصه الدليل بالنهار دون الليل، ولا دليل يخص هاهنا.
وعليه: فإنه يجوز أن يذبح في الليل كما يجوز أن يذبح في النهار، ولكن الأفضل والأكمل أن يذبح في النهار، لكن لو أراد أن يصل رحمه، أو أن يكرم الضعفاء؛ فرأى أن ظروفه لا تساعده إلا بالذبح ليلاً، أو كما يقع بين القرابة أنهم يترقبون مجيء بعضهم، فتقع قرعة الإنسان وحصته بالليل، فحينها لا بأس أن يذبح ليلاً، ولا حرج عليه في ذلك، وإن ذبح قبل غروب الشمس ثم بعد ذلك يطبخها ويقدمها لضيوفه ولو بعد العشاء، فهو الأفضل؛ خروجاً من الخلاف.


حكم من فاته وقت الذبح

قال رحمه الله: [ويكره في ليلتيهما، فإن فات قضى واجبه].بيّن رحمه الله بداية وقت ذبح الأضحية ونهاية وقت ذبحها، وما تخلل هذا الميقات الزماني من الذبح ليلاً، وعليه فإنه يرد السؤال: لو أن إنساناً فاتته أيام التشريق وأراد أن يذبح بعد أيام التشريق، فما الحكم؟
إذا ذبح بعد اليوم الثالث عشر فشاته شاة لحم، ولكن يفصّل في هذا: فإن كان عينها فإنه يذبحها وتكون شاته شاة لحم، ولكنها تلزمه من جهة الإلزام، ولذلك قالوا: لو نذر وقال: لله عليَّ أن أذبح أضحية هذا العام، فإنه يذبح ولو بعد انتهاء أيام التشريق، ويأثم إذا قصر وتراخى فيها حتى خرج الوقت المعتبر.

الأسئلة



ضابط المرض الذي لا تجزئ به الأضحية

السؤال: نرجو توضيح القول في المرض الذي يكون في باطن البهيمة من حيث المنع والإجزاء، أحسن الله إليكم؟
الجواب: باسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
أما بعد:
فقد حَدَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم المرض البيّن، والأطباء يقولون: المرض: هو خروج الجسد عن حَدِّ الاعتدال، ففي كل جسد طبائع، وهذه الطبائع إذا استوت ولم يغلب بعضها على بعض فإن الصحة تكون مستقرة بإذن الله عز وجل ولطفه، فإذا بغت إحدى الطبائع على البقية أو على غيرها اعتلت الصحة، فيخرج البدن عن حَدِّ الاعتدال إلى المرض والسقم.
وعلى هذا فإنه لا يحكم بكونها مريضة مرضاً بيّناً موجباً لعدم الإجزاء إلا بالرجوع لأهل الخبرة الذين لهم معرفة؛ سواء كان عن طريق تربية البهائم، أو كانت الخبرة عن طريق معالجة البهائم، فالأطباء البيطريون الموجودون الآن قولهم حجة في هذا، وكذلك أيضاً أهل البادية الذين يرعون ولهم معرفة وخبرة قولهم حجة ومعتد به، فلو قال أحدهم: إن هذا مرض مؤثر، فإنه يعتبر مؤثراً، وإذا قال: إن هذا شيء عارض، فيؤخذ بقوله وهو حجة؛ فإن التجارب جعلها الله عز وجل سنناً في الكون، وقد يكون الرجل الذي له خبرة ومعرفة شخصية أفضل من الطبيب في بعض الأحيان؛ لأنه تمر عليه أحوال قد لا يتيسر للطبيب أن يراها؛ لأنه قد لا يأتيه إلا بعض الحالات، لكن هذا يعايش ويجد، وقد يربي فيرى ويصاحب الألم في البهيمة ويعرف ما بها.
فالمقصود: إذا قال أهل الخبرة من الأطباء وأهل المعرفة في السوق وتربية البهائم: إن هذا المرض يعتبر مرضاً مؤثراً، فإن هذه البهيمة لا تجزئ، ولا يضحى بها، وأما إذا قالوا: إنه شيء عارض سهل وبسيط؛ فإنه يجوز أن يضحى بمثلها.
وهناك ضابط عند العلماء في الفتوى، فإنهم يقولون: لابد على الفقيه أن يبين القاعدة، فمثلاً حينما نقول: إنه يجوز للمريض أن يفطر. فهذا شيء يرجع إلى ضابط الأطباء للمرض المؤثر، وليس الكلام لنا نحن؛ لأن هذا ليس بعلمنا ولا بمعرفتنا، وإذا كنا نقول: إن هذا الشيء مؤثر، ويرجع في معرفة تأثيره إلى إنسان له خبرة؛ فينبغي أن نرجع إلى ذي الخبرة.
ومما يدل على فقه العلماء الأولين رحمهم الله: أن الإمام النووي لما جاء إلى مسألة: إذا نام الإنسان وسال اللعاب من فمه، قال: قال بعض العلماء: إن اللعاب نجس، وعليه أن يغسل ما أصاب الوسادة التي نام عليها؛ لأن اللعاب يخرج من المعدة، وحكمه حكم القيء، وقال بعض العلماء: اللعاب طاهر؛ لأنه مستحلب من الفم، ثم قال هذا العالم الجليل الفقيه في هذه المسألة: يسأل عن هذا أهل الخبرة، وقد سألت الأطباء فقالوا: إنه مستحلب من الفم، وعليه فإنه طاهر، والآن الطب الحديث يقوي كلامه، وأن هناك غدة للعاب مختصة به، وأنها في الفم وليس لها صلة بالمعدة أصلاً.
فالرجوع إلى أهل الخبرة وأهل المعرفة في المسائل التي لها ضوابط وقواعد هذا هو المعوّل عليه، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (المريضة البيّن مرضها)، فنرجع إلى أهل الخبرة من الأطباء ونحوهم ممن لهم معرفة بالدواب والبهائم، فإذا قالوا: إن هذا مرض مؤثر ومؤذٍ ومضر؛ فإنه يعتبر حينئذٍ موجباً لعدم الإجزاء وإلا فلا. والله تعالى أعلم.

حكم جِلد الأضحية والدماء الواجبة


السؤال: عند القيام بسلخ الأضحية في المطبخ يأخذ السلاخ الجلد، فهل يجوز ذلك؟ وهل يعتبر من الأجرة أم لا، أفيدونا بارك الله فيكم؟

الجواب: جلد الأضحية والدماء الواجبة يجب أن يتصدق به، ولا يجوز أن يعطى ضمن الأجرة، ولا يعطى للسلاخ، ولكن إذا كان السلاخ فقيراً أو محتاجاً وطلب هذا الجلد، فلا بأس بإعطائه، أما إذا كان قوياً أو قادراً، أو كان ليس بحاجة لهذا الجلد؛ فإنه لا يجوز إعطاؤه، وهو حرام عليه، ويكون أخذه من السحت، وينبغي عليه أن يصرفه للفقراء، فإذا أُخذ من الإنسان قهراً ثم بيع لمن يصنّع الجلد، فإن هذا من الظلم، ولا يجوز له، وماله حرام، وهو سحت -نسأل الله السلامة والعافية- لأنه إذا كانت البهيمة قد نذرها لله، فجميع أجزائها التي يسعه أن يتصدق بها صدقة، وجلدها مما ينتفع به، فينبغي أن يمكَّن من التصدق به على من يحتاجه.
أما إذا كان هناك شركة تشتري الجلد في نفس المسلخ، وأعطيته الفقير، ثم ذهب الفقير وباعه لهذه الشركة أو لهذه المؤسسة، فلا بأس، أما أن يؤخذ من الإنسان في دم واجب فإنه لا يجوز ذلك، وماله حرام؛ لأنه لا يجوز صرف ما كان وقفاً أو صدقة إلا في جهته التي سُبّل عليها وأوقف عليها وتصدق به عليها، وهذا أصل مذكور ومقرر عند العلماء.
هذا بالنسبة للجلود التي تكون في الدماء الواجبة؛ كدم الجبران ونحوها من الدماء الواجبة، فإنه لا يجوز أن تجعل في الأجرة، ولا يجوز للسلاخ أن يأخذها.
بل قال العلماء رحمهم الله: لو كانت عند الإنسان شاة -ليست بأضحية ولا هدي- وأراد أن يذبحها للبيت، فقال للجزار: اذبحها ولك الجلد، فهذه المسألة تعرف بمسألة استئجار السلاخ بالجلد، وهي المشهورة عند الفقهاء في باب الإجارة بمسألة: قفيز الطحان، والمراد بها: أن تستأجر العامل بجزء من عمله، وهو نوع من الغرر؛ والسبب في هذا: أنك حينما تتعاقد معه قبل الذبح والسلخ فلا يُعلم هل الجلد جيد أو رديء؟ وهل هو خفيف أو ثخين؟ وهل يخرج سالماً دون أن يقدّه ويؤذيه أم لا؟ ثم إنه قد يحيف على الجلد خوفاً من قدّه فيضر الشاة أكثر، ولذلك قالوا: إنه لا يجوز أن يستأجر بالجلد، وفيها حديث: (نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قفيز الطحان) ، ولكنه حديث ضعيف، وقد تكلم العلماء عليه سنداً ومتناً، وذكر شيخ الإسلام رحمه الله في مجموع الفتاوى: أن هذا الحديث في متنه ما يدل على ضعفه؛ لأن القفيز لم يكن موجوداً في المدينة، ولا يعقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب أهل المدينة ومكة بما لم يعرفوه ولم يعهدوه مما هو في غير بلدهم، ولذلك لم يصح هذا الحديث لا سنداً ولا متناً.
لكن بالنسبة لحكم المسألة: أن تستأجر السلاخ أو الجزار على أن يأخذ الجلد؛ فالصحيح أنه لا يجوز ذلك، وهو من باب الإجارة بجزء من العمل، ولا يحل للمسلم أن يتعاقد معه؛ لأنه من عقود الغرر، والشريعة تحرم عقود الغرر. والله تعالى أعلم.

الفرق بين الحكم الوضعي والحكم التكليفي


السؤال: أشكل عليَّ قول الفقهاء رحمهم الله: إن الأحكام الوضعية يستوي فيها العامد والناسي، أرجو إيضاح ذلك، أثابكم الله؟

الجواب: الحكم الشرعي ينقسم إلى: حكم تكليفي وحكم وضعي.
فالحكم التكليفي يشمل: الواجب، والمندوب، والمباح، والمحرم، والمكروه، فهذه الخمسة الأحكام تكليفية، ويكلف بها الإنسان وهي في وسعه؛ لأن الشرع لا يرد بالتكليف إلا بما هو في وسع المكلف ومقدوره.
أما الحكم الوضعي: فهي العلامات والأمارات التي نصبها الشرع وليس لك فيها دخل، فإن الشيء الذي أوجبه الشرع عليك يكون في وسعك، لكن الأمارات والعلامات، كزوال الشمس فإنه سبب في وجوب صلاة الظهر عليك، فهذا حكم وضعه الشرع، ومغيب الشمس جعله الشارع علامة على وجوب صلاة المغرب، ومغيب الشفق الأحمر علامة على وجوب صلاة العشاء. فهذا يسمى حكماً وضعياً ولا دخل للمكلف فيه، ولا يلتفت فيه إلى قدرة المكلف وعدمها.
ففي بعض الأحيان يفرق العلماء في باب النسيان بين ما يكون من باب الأحكام التكليفية وبين ما يكون من باب الأحكام الوضعية، فمثلاً: لو أن إنساناً نسي أو أخطأ أو جهل، فتارة يجب عليه الضمان، مع أنه لم يقصد ولم يتعمد، وتارة تسقط عنه المؤاخذة، وتارة يجمع له بين الإسقاط والمؤاخذة، فمثلاً: لو أن إنساناً يريد أن يقول لامرأته: أنت طالعة، فقال: أنت طالقة، فأخطأ في اللفظ، فهذا لا يؤثر، ويسقط عنه، وإذا ظهرت قرائن المجلس وآماراته على أنه لا يريد الطلاق فليست بطالق.
وأما كونه يجمع بين الإسقاط والمؤاخذة فمن أمثلته: إذا رأى صيداً وأطلق النار عليه فأصاب إنساناً وقتله، فإن هذا من باب قتل الخطأ، فنقول: إن خطأه يوجب سقوط الإثم عنه، فلا نؤاخذه، ولا نقول: إنه آثم، ولا نوجب القصاص عليه؛ لأنه لم يتعمد قتل أخيه، ولكن نوجب عليه الدية ضماناً لهذه النفس، ونوجب عليه الكفارة؛ لأنه لم يخطئ فيقتل بالخطأ إلا وهو مقصر بعض التقصير، ومن هنا لو تحرى وتعاطى أسباب الحفظ لما وقع في الإخلال، فحينئذٍ أسقط عنه الشرع المؤاخذة فلم يقتص منه، وأوجب عليه المؤاخذة بوجوب الدية ووجود الضمان، ومباحث هذا مشهورة في كتب أصول الفقه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
وصلى الله وسلم وبارك على محمد.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 33.84 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 33.21 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.86%)]