
18-12-2022, 02:36 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,696
الدولة :
|
|
رد: اكتشاف مخطوطات علم التعمية
اكتشاف مخطوطات علم التعمية
د. محمد حسان الطيان
رحلة البحث عن المخطوطات
1- في دمشق (عام 1979):
من هنا بدأت رحلتنا في البحث والتنقير عن ذلك المخطوط الضائع، وعن صاحبه المجهول، بل عن كل ما له مِساس بعلم التعمية واستخراج المعمى. بدأناها في الظاهرية التي كانت آنذاك (عام 1979) أعظم مكتبة في دمشق، وكانت تضم في جنباتها نحواً من اثني عشر ألف مخطوط استعرضنا جذاذتها واحدة واحدة بحثاً عن ضالتنا دون أن نحلى بطائل أو نظفر بدليل يدل على المخطوط الضائع، على أننا وجدنا آثاراً تدل على صاحبه أعني ابن الدريهم. فقد عثرنا على رسالتين مخطوطتين له، أما الأولـى فهــي "منهج الصواب في قبح استكتاب أهل الكتاب" وأما الثانية فهي قصيدة في ثلاثين قافية في مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم، نحا فيها ابن الدريهم نحواً عجيباً إذ جعل لكل بيت فيها ثلاثين قافية تستغرق حروف العربية وتزيد عليها اللام ألف، فلك أن تقول إن القصيدة همزية أو بائية أو تائية أو........ إلى أن تستنفد حروف العربية. ولما كانت القصيدة في ثلاثين بيتاً فقد بلغ عدد قوافيها تسعمئة قافية. (وقد حققتها ونشرتها في حوليات كلية الآداب بجامعة الكويت).
لقد كان لعثورنا على رسالتي ابن الدريهم هاتين أثر كبير في شحذ همتنا لمتابعة البحث، فابن الدريهم إذن عالم عربي مسلم كان له وجودٌ، وقد خلف آثاراً ضمت الظاهرية اثنين منها فيكف بباقي المكتبات؟!.. ثم إن ترجمة الرجل في (الدرر الكامنة) تؤذن بوجود عشرات المؤلفات له في فنون شتى منها فن التعمية.
على أن بحثنا في الظاهرية لم يخلُ من فوائد أخرى، إذ جمعنا كل ما تضمه المكتبة من رسائل التعمية البديعية، وهي تعمية تعتمد على إخفاء المعاني بالتورية ومجالها الشعر، وقد عني بها الفُرس وتلقفها عنهم العرب بأَخَرَة (فيما يسمى بعصور الانحطاط).
أما مفتاح الكنوز فلم يزل ضائعاً...
2- في اصطنبول (عام 1981):
لابد إذن من الترحل في البحث عن مفتاح الكنوز، ولعل مكتبات تركية بما تضم من كنوز تراثنا العربي الإسلامي خير ما يمكن أن يتطلع إليه الباحث إذ تضم بين جنباتها أكثر من مئة ألف مخطوط، ولكن.. كيف السبيل إليها؟ وهل يستطيع أي باحث أن يصور ما يشاء منها؟!.
طرحنا هذا السؤال على شيخنا الأستاذ أحمد راتب النفاخ علامة الشام طيب لله ثراه، فأرسل به إلى صديقه الأستاذ الدكتور صلاح الدين المنجد أول مدير لمعهد المخطوطات ليعود الجواب مخيباً للآمال، فتصوير المخطوطات من مكتبات تركية من الصعوبة بمكان، وهو من المحظورات التي يحاسب عليها القانون التركي بحزم لا هوادة فيه لكن ذلك لم يكن ليفتَّ في عضدنا فما نذرنا أنفسنا له أكبر من أن يحبسه حابس أو تعترضه عقبة. ومن ثم فقد رحنا نبحث عن كل ما من شأنه أن يذلل لنا الطريق ويضمن لنا التصوير.
زوَّدنا د. مراياتي بخطابين حبرهما المدير العام لمركز الدراسات والبحوث العلمية بدمشق موجهين إلى كل من السفير السوري في تركية ومدير المكتبة السليمانية باصطنبول.
وزودنا أحد العاملين في تصوير المخطوطات برسالة موجهة من الأستاذ الدكتور سهيل زكار إلى طالب موفد من جامعة دمشق يحضر الدكتوراه في كلية الآداب بجامعة اصطنبول. حملناها إليه مع اثني عشر ميكروفلم لو رآها شرطة الحدود للبثنا في السجن بضعة شهور، ولكن الله سلَّم!.
وحملنا إلى ذلك كله أصنافاً من الهدايا والتحف نقدمها بين يدي المهمة التي ارتحلنا في سبيلها عسانا نحظى ببغيتنا، ولكن هيهات!!.
وهكذا انتقل البحث من دمشق إلى اصطنبول، ومن الظاهرية إلى السليمانية حيث ترقد الكثرة الكاثرة من المخطوطات العربية الإسلامية رهينة المحبسين: الغربة، وخزائن الكتب. وبدأنا البحث ثمة عن ضالتنا في جذاذات الفهارس التي كتبت بالحروف اللاتينية فازدادت غربتها وانطمست معالمها، وضُرِب بينها وبين المطالع العربي بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب، ولكن العذاب يَعذُب حين تلوح من ورائه بارقة الأمل بالعثور على المفقود.. والكشف عن المخطوط الضائع.
وكان لنا ما أردنا، لقد وجدنا المخطوط الضائع، عثرنا على مفتاح الكنوز فما كان أشد فرحتنا وما كان أعظم سعادتنا.
أرأيت إلى الأعرابي يُضل بعيره في الصحراء... ثم يجده بعد طول يأسٍ واغتمام..؟..أرأيت إلى الأم تفقد فلذة كبدها في متاهة... ثم تلقاه بعد طول بعد وغياب..؟..أرأيت إلى الباحث الجاد يمضي مع بحثه خطوة خطوة.. يجمع مصادره.. ويجري تجاربه.. ويستقري كل أدواته.. ثم يؤتى بحثه أكله بعد طول عنت واستعصاء..؟.. كذلك كانت فرحتنا يوم لقينا مخطوطنا الضائع "مفتاح الكنوز في إيضاح المرموز" لابن الدريهم الموصلي. وقد كتب اسمه في جذاذة الفهارس هكذا:
(Miftah Al Kunuz Fi Idah Al Marmoz) Ibn Al-durayhim Al Mowsili
لم نكد نصدق أعيننا حين قرأنا هذه التهجئة، ومن ثم هُرعنا إلى أمين المكتبة نأخذ طلب استعارة ونكتب ما رُقِن على الجذاذة حرفاً حرفاً نخشى أن نخطىء في حرف أو في رقم فيفلت الضائع منا.. وبتنا على أحر من الجمر دقائق حسبناها ساعات، أقبل علينا بعدها رجل يحمل الكنز المرتقب إنه هو "مفتاح الكنوز" وإن مؤلفه ذلكم المجهول المُغَيَّب علي بن الدريهم الموصلي.
لم ننتظر إذناً بالتصوير أو نلتمس إلى ذلك سبيلاً وإنما عكفنا عليه ناسخين حتى أتينا عليه جميعاً من الجلدة إلى الجلدة ثم عارضنا ما نسخنا، حتى إذا ما تم لنا كل ذلك التفتنا نبتغي التصوير ونسعى إليه سعينا ملتمسين كل سبيل يمكن أن يوصلنا إليه.
سلمنا ما بأيدينا من رسائل محفوفة بالهدايا والتحف إلى مدير المكتبة وإلى القنصلية في اصطنبول فلم يُجدِ ذلك شيئا، وسعينا عند أساتذة أجلاء تعرفنا إليهم هناك فلم تُغنِ معرفتهم فتيلاً.
وصادف أن لقينا الأستاذ الدكتور صلاح الدين المنجد في السليمانية، ولم نكن نعرفه، وإنما دلنا عليه اسمه وقد كُتب على محفظة تكاد تحيلها السنون إلى مخطوطة لكثرة ما عانت من صحبة المخطوطات، اقتربنا منه على وجل وسألناه التعارف والمصاحبة فبذلهما لنا، ورأيتنا نكتنفه متوسلين أن يمدَّ لنا يد العون في تصوير المخطوط فما زادنا غير يأس وقنوط، بل راح يقرِّعنا لأننا لم نستمع إلى نصحه حين أرسل إليه شيخنا النفاخ يسأله عن تصوير المخطوطات في مكتبات تركية. وأكد لنا أن تصوير صفحة واحدة من مخطوطات السليمانية أمر محال.
لم نتوقف في أثناء ذلك عن البحث في فهارس المكتبة وهي كثيرة تبلغ بضعة وتسعين فهرساً – استعرضناها واحداً واحداً، فحظينا بعدة رسائل في التعمية كان أهمها على الإطلاق "رسالة الكندي في استخراج المعمى" تلك الرسالة التي جعلتنا نعيد تاريخ علم التعمية خمسة قرون إلى الوراء، لأن صاحبها يعقوب بن إسحاق الكندي فيلسوف العرب المشهور توفي في القرن الثالث للهجرة (260هـ).
وكان مما عثرنا عليه مجموع يشتمل على ثماني رسائل في التعمية، والحق أن شيخنا النفاخ - عليه رحمات المولى سبحانه – كان قد حصل على مصورة عنه من صديقه المؤرخ العلامة التركي المعروف د. فؤاد سزكين. ولكن فيه ورقةً ناقصة استدركناها من الأصل الذي وجدناه في المكتبة السليمانية آنذاك.
وقد صنعنا برسالة الكندي صنيعنا بسابقتها إذ نسخناها وعارضناها، وكذلك الورقة الناقصة من المجموع.
على أن أملنا لم ينقطع في إمكانية الوصول إلى تصوير كل تلك المخطوطات مع مخطوطات أخرى كنا نسعى إليها على رأسها رسالة "أسباب حدوث الحروف" لابن سينا.
وطرقنا آخر الأبواب إنه ذلكم الطالب الموفد الذي حملنا إليه رسالة د. زكار والأفلام الاثني عشر، وقد أجابنا إلى طََلِبَتِِنا، ولكنه أغلى الثمن لأن كل من يساعده على إنجاز مهمة التصوير يحتاج إلى تلقيم وكذلك كان، فلم نبخل عليه بأي ثمن طلبه، دفعنا ذلك من حرِّ أموالنا، على ضيق ذات اليد، تغشانا سعادة غامرة بما حصَّلنا، ويحدونا أمل وطيد بأن يخلف كل ذلك عند الله أولاً ثم عند أولي الأمر ثانياً.
ولابد لنا هنا من كلمة شكر نزجيها لذلك الطالب الموفَد الذي أعاننا على إنجاز مهمتنا على خير وجه وقد أصبح فيما بعد وكيلاً لكلية الآداب بجامعة دمشق، إنه الصديق الدكتور محمود عامر، فله منا كل الشكر والتقدير.
وهكذا عدنا من رحلتنا وقد امتلأت جَعبتنا بأكثر مما كنا نؤمل، إن حصيلة ما اجتمع لدينا من رسائل التعمية بلغ إحدى عشرة رسالة، دع عنك ما جمعناه من رسائل التعمية البديعية، وهي الرسائل التي عنيت بفن التعمية بوصفه فناً بديعاً يعتمد على تزيين الشعر والإلغاز فيه.
عكفنا بعد ذلك على مخطوطات التعمية دارسين ومحققين وشارحين وموازنين لنُخرج فيها سِفرَين كبيرين، اشتمل الأول على ثلاثة من أهم رسائلها مع دراسة تحليلية لكل منها ودراسة موسعة لتاريخ علم التعمية عند العرب، ونشر بعنوان "علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب- الجزء الأول- دراسة وتحقيق لرسائل الكندي وابن عدلان وابن الدريهم" ضمن مطبوعات مجمع اللغة العربية بدمشق عام 1987 مصدراً بمقدمة ضافية لرئيس المجمع أستاذنا الدكتور شاكر الفحام. واشتمل الثاني على ثماني مخطوطات ونشره المجمع أيضاً عام 1997 بعنوان "علم التعمية واستخراج المعمى عند العرب (التشفير وكسر الشفرة)- الجزء الثاني - دراسة وتحقيق لثماني رسائل مخطوطة" مصدراً بمقدمة ضافية لأستاذنا الفحام رئيس المجمع.
تلكم كانت محطتنا الثانية في رحلة البحث والكشف عن مخطوطات التعمية، أما المحطة الثالثة فكان لها شأن آخر، وهذا أوان الحديث عنها.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|