
13-12-2022, 03:19 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,268
الدولة :
|
|
رد: الكلمات النادرة
الكلمات النادرة
د. إبراهيم عوض
وقد حاول بعض اللُّغويين والنقاد أن يجدوا له تأويلًا، غير أن تأويلاتهم إن صحت من شأنها أن تكسب العبارة ركاكةً؛ مثال ذلك أن بعضهم قال ما معناه إن الكلام هو: (لأنت أسود في عيني)، ثم استطرد، فقال: (من الظلم)؛ أي إن شبه الجملة هذا خبر ثانٍ[16]، والحقيقة أن المتنبي جرى في ذلك على مذهب الكوفيين الذين يجوِّزون اشتقاق أفعل التفضيل وصوغ فعل التعجب من لوني البياض والسواد[17].
♦♦ ♦♦ ♦♦
ولم يقتصر استخدام الصيغ غير المعهودة عند المتنبي على أسماء الجنس والصفات وجموعهما، بل دخل في ذلك أيضًا بعض أسماء الاستفهام والوصل والإشارة والظروف.
وقد وجدته يُسكِّن اسم الاستفهام في (لِمَ) عدة مرات (1/146/3 و1/271/15 و1/351/8 و2/298/14 و2/372/2 و4/247/25)، ولا أظن من السائغ تفسير ذلك بضرورة الشعر، فإن المتنبي لم يكن ناظمًا أو مجرد شاعر صغير، ثم إن الضرورة الشعرية قد تتخذ ذريعة مرة مثلًا، ولكن ست مرات أكثر من أن تسوغها مثل هذه الضرورة.
والتفسير الأكثر إقناعًا أنه يجري على ما يراه الكوفيون من جواز تسكين ميم (لِمْ)، يستوي في ذلك الشعر والنثر؛ حيث ورد عن العرب استعمالها شعرًا ونثرًا[18].
كما أنه استعمل (كم) في مكان (ما) أو (متى) ثلاث مرات على الأقل، مرتين منهما في بيت واحد، هو:
إلى كم ذا التخلفُ في التواني؟ ♦♦♦ وكم هذا التمادي في التمادي؟
والثالثة في البيت التالي:
إلى أي حينٍ أنت في زي محرمِ؟ ♦♦♦ وحتى متى في شِقوةٍ؟ وإلى كمِ؟
وقد وجَّهها العكبري توجيهًا ركيكًا؛ إذ قال إن معناها: (إلى أي عدد من أعداد من الزمان)[19]، والأفضل أن تفسر هكذا: (إلى كم من السنين؟)، ومع ذلك فإن استعمالها غريب.
أما (الذْ) بسكون الذال بدلًا من (الذي)، فقد أحصيتها له مرتين (1/31/47 و4/206/36)، ويغلب على ظني أنه ربما استعملها أكثر من ذلك، وقد ذكر العكبري أنها لغة في (الذي)[20]، كما أن المتنبي قد صغرها مرة على الأقل (الُّذَيَّا) بضم اللام وفتح الذال وتشديد الياء مع فتحها ومدها: (1/219/4)، وكان ذلك تحقيرًا لمن تصفه هذه الكلمة، وأنا وإن كنت أنوي أن أعالج التصغير في مبحث تالٍ أحب ألا تفوتني الإشارة إلى أن تصغير الشاعر للاسم الموصول على هذا النحو هو صيغة غير مألوفة، كذلك قد استعمل الاسم الموصول المثنى المذكَّر من غير نون، فقال: (لرأسك والصدر اللَّذِي ملئا حزما) (4/106/20).
كذلك فمن الملاحظ أن المتنبي أحيانًا ما يحول الضمير العائد على الاسم الموصول من الغَيبة، كما هو الشائع، إلى التكلم أو الخطاب؛ مثال ذلك قوله:
أنا الذي نظَر الأعمى إلى أدبي ♦♦♦ وأسمعَتْ كلماتي من به صممُ
والمعتاد أن يقال: (أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبه = وأسمعت كلماته...).
ومنه قوله في سيف الدولة:
أيها السيفُ الذي لست مغمدًا ♦♦♦ ولا فيك مرتابٌ ولا منك عاصمُ
وذلك بدلًا من (أيها السيف الذي ليس مغمدًا).
وقوله متحدثًا عمن سماها أو كناها بـ(داهية):
يا وجهَ داهية التي لولاك ما ♦♦♦ أكَل الضنى جسدي ورضَّ الأعظما
وقوله:
فنحن الأُلى لا نأتلي لك نصرةً ♦♦♦ وأنت الذي لو أنه وحدَه أغنى
(ولاحظ أنه في هذا البيت قد جرى على الأسلوب المعتاد في الشطرة الثانية).
وقوله:
أنت الذي سبك الأموالَ مكرمةً ♦♦♦ ثم اتخذت له السؤالَ خزانا
(والطريف أنه في هذا عكس الآية، فجرى على الأسلوب المعتاد في الشطرة الأولى، وخرج على المألوف في الثانية).
وقوله:
وأنت الذي يغشى الأسنة أولًا ♦♦♦ وتأنف أن تغشى الأسنة ثانيَا
وقد أخذ عليه هذا منذ وقت مبكر، وعقب الجرجاني على هذا بقوله: إنه من شنيع ما وجد في شعر المتنبي، وإن كان قد ساق حجة مَن احتجوا عن الشاعر، وتتلخص في أن استعمال ضمير المتكلم أو الخطاب بدلًا من الغائب، إنما هو حمل على المعنى؛ لأن هذا هو ذاك، فضلًا على أن العرب قد استعملته، ومع ذلك فقد عاد الجرجاني فقال: إن مثل هذه الاستعمالات تجوز أحيانًا ولا تجوز أخرى، وما فعله المتنبي هو مما يجوز، ثم رجع الجرجاني مرة ثانية إلى القول بأن المتنبي قد أخطأ بترك القوي إلى الضعيف لغير ضرورة داعية[21].
وقد رد الدكتور مندور على الجرجاني، وقال: إن صنيع المتنبي (وقد سماه كسر البناء: Rupture de Syntaxes) هو صنيع كل شاعر كبير، إنه لا يجهل القواعد النَّحْوية، ولكنه قد يخرج عليها عامدًا، لتحقيق غرض لا تحققه له هذه القواعد. وإذا كان الجرجاني قد رأى أن المتنبي في البيت التالي:
وإني لمِن قوم كأن نفوسَنا ♦♦♦ بها أنف أن تسكنَ اللحم والعظما
لم تُلجِئه ضرورة شِعرية إلى هذا الكسر في البناء، فإن رغبته في الفخر الذي يحققه له الضمير (نا)، هي التي أمَّلت عليه هذا الأسلوب[22].
وهو بهذا التعليل يلتقي مع العكبري، الذي لا أدري أكان قد قرأه وردد رأيه عن وعي أو عن غير وعي أم لا، والذي يقول إن الضمير العائد على الاسم الموصول إذا كان فيه ذم، وكان المتنبي يتحدث عن نفسه، لم يُعِده على نفسه واستخدام ضمير الغائب كالمعتاد، وذلك كما فعل في البيت التالي:
لا أستزيدك فيما فيك من كرمٍ ♦♦♦ أنا الذي نام إن نبهت يقظانا
(أي لو أنني طالبتُك بالمزيد من الكرم كنت كمَن ينبه يقظان، وتكون هذه غفلة مني كغفلة النائم)، أما إذا كان في الضمير مدح، فإنه يخرج به من الغَيبة إلى التكلم، كما في قوله:
وإني لمن قومٍ كأن نفوسنا ♦♦♦ بها أنف أن تسكنَ اللحم والعظما
ثم قال: (وهذه عادته في شعره، وهو مِن البلاغة والحذق)[23].
والحقيقة أن ذلك غير كثير في شعر المتنبي، وهو كذلك غير مطرد تمامًا فيما يخص ضمير التكلم على عكس ما يقول العكبري، فإنه في قوله: (أنا الذي نام إن نبهت يقظانا)، قد استعمل ضمير الغائب مرة وضمير المتكلم أخرى، مع أن كليهما في معرض ذم كذلك فإننا نتساءل: هل قصد العكبري تعميم ملاحظته السابقة على مدح الشاعر، سواء كان مدحًا لنفسه أو لغيره، أو إنه قصد بها مدحه لنفسه فقط؟
الراجح أنه أراد التعميم[24].
وقد وجدت أن الشاعر قد يجعل الضمير العائد على اسم الموصول ضمير غَيبة، مع أنه في معرض مدح؛ مثال ذلك قوله:
يا مَن يقتل مَن أراد بسيفِه ♦♦♦ أصبحتُ مِن قتلاك بالإحسانِ
وقوله:
أنت الذي سبك الأموال مكرمةً ♦♦♦ ثم اتخذت لها السؤال خزانا
(وإن كان استخدم ضمير المخاطب في الشطرة الثانية).
وقوله في سيف الدولة:
ما الدهرُ عندك إلا روضة أنف ♦♦♦ يا مِن شمائله في دهرِه زهرُ
وقوله فيه أيضًا:
فنحن الألى لا نأتلي لك نصرةً ♦♦♦ وأنت الذي لو أنه وحدَه أغنى
أيًّا ما يكن الأمر، فإني لا أرى في تنكُّب المتنبي، في العائد على الاسم الموصول، ضمير الغيبة إلى ضمير التكلم أو الخطاب ما يؤاخذ عليه؛ لأن ذلك قد أثر عن العرب؛ كقول المهلهل:
وأنا الذي قتلت بكرًا بالقنا ♦♦♦ وتركتُ تغلب غير ذات سنامِ
وقول أبي النجم:
يا أيها الذي قد سؤتني ♦♦♦ وفضحتني وطردت أم عياليا[25]
وهو ما يسمى بـ(الالتفات)، وأمثلته كثيرة في القرآن[26].
وجدير بالذكر أن ما كان يفعله المتنبي أحيانًا قد أصبح شائعًا في الأسلوب العربي الحديث.
نقطة أخرى قبل أن أغادر هذه المسألة؛ إذ وجدت أن المتنبي يخرج عن ضمير الغَيبة إلى التكلم والخطاب في جملة الصفة أيضًا، كما في قوله:
كفاني الذم أنني رجلٌ ♦♦♦ أكرم مال ملكته الكرمُ
وقوله:
قومٌ تفرست المنايا فيكمُ ♦♦♦ ورأَت لكم في الحربِ صبَر كرامِ[27]
ومن ذلك أيضًا البيت الذي ذكره الجرجاني وعابه على المتنبي، على حين رأى فيه د. مندور اقتدارًا فنيًّا، وهو: (وإني لمن قوم كأن نفوسنا =... إلخ).
ويتصل بعدول المتنبي من ضمير الغَيبة إلى ضمائر التكلم والخطاب مسألة تذكيره أو تأنيثه، وإفراده أو تثنيته أو جمعه للضمائر العائدة على الاسم الظاهر المتقدم عليها.
ويلحق به تذكير أو تأنيث الفعل، وإفراده أو تثنيته أو جمعه على خلاف فاعله، فقد لفتتني عدة ملاحظات في هذا السبيل تدل على أن المتنبي، حتى في هذه النقطة الحساسة، كان (عامدًا أو غير عامد، مضطرًّا أو لا) يكسر الأسلوب العربي المعتاد.
وأحب أن أنبه إلى أني لا أستطيع الزعم بأن غيره من الشعراء لا يصنع صنيعه في هذه السمة الأسلوبية أو تلك، بَيْدَ أني أعتقد اعتقادًا قويًّا أن تجمع هذا الحشد من السمات الأسلوبية التي تنم عن ميل إلى مخالفة المعتاد ربما لا يتوفر في شعر غيره من الشعراء، وحتى إن توفر لبعضهم شيء من هذا، فإن بقية خصائص شعر المتنبي ستميِّزه عن هؤلاء البعض، وأنه لا يوجد مثلًا ذلك الإنسان الذي يتميز بكل ملمح أو سريرة في وجهه عن غيره من الناس، ولكن ما يميز كل إنسان عن غيره حقًّا إنما هو ملمح أو اثنان، ثم النسق الذي يجمع هذه الملامح مع بعضها البعض ثم مع سائر مظهره ومخبره.
♦♦ ♦♦ ♦♦
والآن نعود إلى الظواهر التي لاحظتها في شعر المتنبي خاصة بتذكير الأفعال والضمائر أو تأنيثها، وإفرادها أو تثنيتها أو جمعها:
لاحظ أولًا الأمثلة الآتية:
(حجب السماء بروقه) (1/249/15).
و(حرص النفوس على الفلاح)[28].
و(سيم مزادة جمع (مزادة) (2/55/29).
و(يُنضى المطي (بالبناء للمجهول) (2/88/13).
و(حسد الأرض السماءُ (السماء هي الفاعل)) (2/190/14).
و(هل ترك البيض الصوارم منهمُ * أسيرًا...؟) (2/313/33).
و(طال أعمار الرماح) (3/397/26).
و(كان الهباتُ صوانها (الهبات جمع (هبة)، وهي اسم كان) (4/169/1).
وإنه لم يخطئ طبعًا في تذكير الفعل هنا، فإن التذكير والتأنيث كلاهما جائز، ولكن المعتاد هو التأنيث، ولا أظن أن الضرورة الشعرية مسؤولة عن ذلك كله؛ إذ لا أعتقد أن المتنبي كان عاجزًا عن تأنيث الأفعال في هذه الأمثلة وغيرها حتى يقال إنها الضرورة الشعرية، وحتى لو قلنا بهذا فأين الضرورة الشعرية في (يُنضَى المطي)، وكل ما كان سيتغير، لو أنه أراد الجري على الأسلوب الشائع، هو الياء، التي كانت ستنقلب تاءً؟
وإذا كنا قد رأيناه في عدد من الأمثلة يُذكِّر الفعل المسند إلى فاعل مؤنث (تأنيثًا مجازيًّا)، فإنه في أمثلة أخرى يذكر الفعل المسند إلى الفعل مؤنث أو فاعل يعامل معاملة المؤنث ومعطوف عليه مذكر؛ مثل قوله: (سقط العمامة والخمار) (2/106/29)، و(أضاء المشرفية والنهار) (2/105/25)، ولكن التوجيه هنا أسهل؛ إذ يمكن القول إنه بما أن المعطوف عليه والمعطوف هنا هما معًا الفاعل، فقد غلب المتنبي المعطوف المذكر على المعطوف عليه المؤنث (أي الفاعل النَّحْوي)، إلا أنه يمكن الرد بأن الفاعل (النحوي) له الأولوية على المعطوف على هذا الفاعل؛ لأنه هو الأقرب إلى الفعل، وبالتالي كان أولى بالفعل أن يجانسه في التأنيث، ومع ذلك فإن التذكير في هذين المثالين الأخيرين أخفُّ من التذكير في الأمثلة السابقة، التي لا يمكن الزعم، رغم كل شيء، بأنها خطأ.
وإذا كنا قد رأينا المتنبي في بعض الأمثلة التي مرَّت يُذكِّر الفعل المسند إلى جماعة الإناث (وإن كان تأنيثًا معنويًّا)، فإنه في حالات أخرى قد أنَّث الفعل المسند إلى ضمير عائد على اسم ظاهر مذكَّر مجموع قد سبق، أو ضمير عائد على هذا الاسم الظاهر؛ مثال ذلك قوله: (موتانا التي دُفنت (بالبناء للمجهول) (1/92/28).
و:
رعدُ الفوارسِ منك في أبدانِها ♦♦♦ أجرى مِنَ العسلانِ في قنواتِها
(رعد: جمع (رِعدة)، بكسر الراء، والعسلان: الاضطراب).
فقد قال: (أبدانها) بدل (أبدانهم)، ولو كان استعمل ضمير الجمع المذكر ما كسر الوزن؛ أي إنه قالها بلا أدنى ضرورة، على عكس المثال التالي، الذي وقع الضمير آخر حرف في البيت، فلو تغير لضاعت القافية:
لا نعذلُ المرضَ الذي بك شائقٌ ♦♦♦ أنت الرجالُ وشائق علَّاتِها
(علات: جمع (علة).
وهو مما ذكر فيه الضمير العائد على اسم مذكر مجموع قد سبق قوله:
(وجنبني قرب السلاطين مقتُها (مقتها) هو الفاعل) (2/157/35)، وذلك بدلًا من (مقتهم).
ومثلها قوله: (شعراء كأنها الخازباز) (2/183/36).
وقوله: (فيها الكماة التي مفطومها رجل) (2/226/18).
وقوله (2/327/34):
وكانوا يروعونَ الملوكَ بأن بدوا ♦♦♦ وأن نبتَت في الماء نبتَ الغلافقِ
(المعنى أن هؤلاء القبائل كانوا يخيفون الملوك بأنهم قد نشؤوا في البادية، فلا يبالون بالحر والعطش، وأن الملوك لا صبر لهم عن الماء؛ لأنهم نشؤوا فيه كما ينشأ الطحلب).
وكان المتوقع أن يقول: (وأن نبتوا (أي هؤلاء الملوك) في الماء نبت الغلافق)، فليس في البيت من ناحية الوزن ما يعدل به إلى تغيير الضمير على هذا النحو، ومع ذلك فإني أرى أن خوف اللبس هو الذي دفعه إلى ذلك؛ إذ لو قال: (نبتوا) كما قال: (بدوا)، فلربما ظن سامعوه وقرَّاؤه أن الضميرين كليهما يعودان على ما يعود عليه الضمير المفرد المؤنث، بين أنه يريد غيرهم، وهم (الملوك)؛ مثال آخر:
تُمسي الضيوفُ مشهاةً بعقوتِه
كأن أوقاتها في الطيبِ آصالُ 
لو اشتهت لحم قاريها لبادرِها
خراذلُ منه في الشيزَى وأوصالُ 
(العقوة: ساحة الدار، قاريها: مضيفها، خراذل: قطع، الشيزي: نوع من الجفان الخشبية).
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|