عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 05-12-2022, 04:55 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,505
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الأسطورة والسرد وجمالية الشعر: دراسة في قصيدة لأمية بن أبي الصلت

تَطَيَّرْتُ منها وَالدُّعاءُ يَعُوقُني
وَأَزْمَعْت حَجّاً أَنْ أَطيرَ أماميا

فَلاَ تَيْأَسَنْ إِنِّي معَ الصُّبْح بَاكراً
أُوَافي غدا نحو الحَجيجِ الغَوَاديا

لِحُبِّ امرئٍ فَاكَهْتُهُ[4] قَبْلَ حجّتي
وآثَرْتُ عَمْداً شَأْنَه قَبْل شَانِيا

هُنَاكَ ظَنَّ الدِّيكُ إذْ زَال زَولُهُ
وَطَالَ عليه اللَّيلُ أَنْ لا مُغَاديا

فَلَمَّا أَضَاء الصُّبْحُ طَرَّبَ صَرْخَةً
ألا يا غُرابُ هلْ سَمِعْتَ نِدَائيا

عَلَى وُدِّهِ لَوْ كانَ ثَمَّ مجيبهُ
وكان لَهُ نَدمانُ صِدْقٍ مُؤَاتيا

وَأَمْسى الغرابُ يَضْربُ الأرضَ كلَّها
عَتِيقاً وأَضْحى الدِّيكُ في القِدِّ عَانِيا

فذلك مما أَسْهَب الخَمرُ[5] لُبَّهُ
ونادمَ نَدماناً من الطَّير عَادِيا


المضمون السردي للنص الشعري:
تحكي القصيدة قصة الديك المرهون عند صاحب خمارة، والسبب انقضاء ماله وإصابته بالإفلاس؛ فقد كان صديق غراب يتنادمان على شرب الخمر، ولعل هذه الصداقة ستجعله يأتمن صاحبه ويعيره جناحيه حتى يأتي بالمال ليفك نفسه، موصيا إياه بالسرعة في القدوم حتى لا تطول إقامة الديك المرهون؛ يقول أمية:
أَمَنْتُكَ لاَ تَلْبَتْ مِنَ الدَّهْرِ سَاعَةً
وَلا نِصْفَهَا حَتّى تَؤُوبَ مُآبِيا

وَلا تُدْرِكَنْكَ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِها
فَأَغْلَقُ فِيهم أَوْ يَطولُ ثَوَائيا


ولكن الغراب أخذ الجناحين واعداً صديقه بالسرعة والعودة باكراً، فطار بعيداً فرحاً بالتحليق في السماء ولم يرجع، وظل الديك ينتظر فطال عليه الليل وأدرك خيانة الغراب، وأنه لا مغيث مما أصابه، ولما طلع الصبح طَربَ صرخة ينادي الغراب ويرجو عودته، ويتساءل عن أيام الود والمودة التي جمعتهما؛ يقول الشاعر:
فَلَمَّا أَضَاء الصُّبْحُ طَرَّبَ صَرْخَةً ♦♦♦ ألا يا غُرابُ هَلْ سَمِعْتَ نِدَائيا

هكذا أصبح للغراب جناحان يطير بهما في السماء ويتجول في أرجاء الأرض حيث يشاء، بينما تحول الديك الذي في الأصل - حسب الأسطورة - صاحب الجناحان إلى أسير لا يفارق الأرض، ولا ينعم بالتحليق، وأضاع كنزا ثمينا أخذه منه الغراب بالحيلة والمكر، وأدرك الديك الصباح فأوقف تفكيره عن انتظار الغراب غير العائد إلى الأبد.


ترصد هذه القصة الشعرية حدث الخيانة بأسلوب رمزي، حيث يبدو الديك وحيدا خائفا من عدم قدوم صديقه، في الوقت الذي تركه الغراب وفضل التحليق عاليا في السماء.

ولعل الشاعر يجعل من الديك الفاقد للحرية قناعا رمزيا لنفسه، بينما الغراب قناعا لأصدقائه وللمجتمع عامة، وإذا كان الأمر كذلك فإن أحداث الخيانة في القصة الحيوانية تكاد تكون مشابهة في مشهدها لما يلقاه شخص ما في الحياة الإنسانية.

إن أمية في هذه القصة الشعرية يعمل على تشكيل الواقع الأسطوري وفق رؤية جمالية تكشف عن تناقضات الحياة؛ فهل يمكننا القول إن الشاعر يصنع أسطورته الخاصة؟ خصوصا أنه لا يروي أحداثا جرت في الماضي وانتهت، وإنما يصور صراعا أبديا تعرفه الحياة الإنسانية، وهو صراع موجود على الدوام ومظهر من المظاهر الحياتية التي قد تصيب الإنسان في أي وقت وحين.

من نص الأسطورية إلى جمالية النص الشعري:
إن الشاعر في هذه القصيدة يسترفد من الإرث الأسطوري القديم، في حديثه عن خداع الغراب للديك؛ وهي أسطورة معروفة عند العرب فقد "كانوا يقولون: إن الديك كان نديما للغراب فرهنه على الخمر وغدر به، ولم يرجع، وتركه عند الخمار، فجعله الخمار حارسا"[6].

والأسطورة في هذا النص الشعري القصصي تعلل سبب فقد الديك لجناحيه، وتبين صياحه كل صباح لكنها لا تكتفي بهذا، بل تجلي حقيقة الغراب المتسمة بالخيانة والغدر، "فالغراب عند العرب مع هذا كله، قد خدع الديك وتلعب به، ورهنه عند الخمار، وتخلص من الغرم، وأغلق عند الخمار، فصار له الغنم وعلى الديك الغرم"[7].

وواضح أن صفات سمات الخداع والخيانة والمكر ترتبط بالغراب أكثر من غيره في المعتقدات العربية، وتؤكد موقف العرب من هذا الحيوان وتشاؤمهم به؛ إذ إن "الغراب من لئام الطير وليس من كرامها، ومن بغاتها وليس من أحرارها... إن أصاب جيفة نال منها وإلا مات هزلا"[8]، في مقابل الديك الذي يحمل في العقلية العربية معاني الخير والفضل؛ فقد "رووا عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا سمعتم صياح الديكة، فاسألوا الله من فضله، فإنها رأت ملكا وإذا سمعتم نهيق الحمار، فتعوذا بالله من الشيطان فإنها رأت شيطانا"[9].

وفي الثقافة العربية يوحي الغراب بالسوداوية والنظرة التشاؤمية في الحياة من جراء أفعاله القبيحة، إضافة إلى لونه الأسود الذي يتطابق مع أعماله وتصرفاته؛ فسمي بغراب البين في كثير من الأحيان، إذ كان إذا "بان أهل الدار للنجعة، وقع في مرابض بيوتهم يلتمس ويتقمم، فيتشاءمون به ويتطيرون منه"[10].

وكما يتضح من القصة الشعرية لأمية، أنه يستند إلى هذا الإرث الأسطوري الذي ضمنه القصيدة كلها، والتي أراد من خلالها استخلاص العبرة وتأكيد موقف العرب من الغراب، من خلال استحضار الأحداث والاستفادة من التراث العربي القديم، الذي أثر في مخيلة الشعراء، وهو ما يفيد أن طبيعة الشعر القديم كانت دائما منفتحة على مختلف الأنواع والأنماط الأخرى.

إن أمية في هذا النص القصصي الشعري يعمد إلى استثمار قصة سيدنا نوح عليه السلام مع الغراب؛ فقد "بعث نوح غرابا يأتيه بالخبر، فوجد جيفة فوقع عليها واشتغل عن الرجوع، فدعا عليه نوح بالخوف، فلذلك لا يألف البيوت، ثم بعث الحمامة فجاءت بورق زيتون بمنقارها وطين برجليها، فعلم أن البلاد قد جفت"[11]. ومن ثم خان الغراب العهد والأمانة وأضحى بذلك رمزا للنكد والتشاؤم والنسيان والبطء، حتى غدا مثلا يضرب فيقال "لا يرجع فلان حتى يرجع غراب نوح"[12].

وفي التوراة أن نوحا "أرسل الغراب، فخرج مترددا حتى انشقت المياه عن الأرض ثم أرسل الحمامة..."[13]، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه أحد الباحثين حيث يقول: "في التوراة أن سيدنا نوح أرسل الغراب، بعد أربعين يوما من سير سفينته في الطوفان، لينظر هل انحسر الماء، فمضى ولم يعد"[14].

والمتأمل في قصة الغراب سواء عند العرب أو غيرهم يجدها تحمل نفس الدلالات وترمز إلى معاني الشؤم والخيانة، فالغراب في قصة نوح عليه السلام تشخيص للنسيان والبطء وقلة العناء والدناءة وانقطاع الرجاء، كما أن فيه معنى الموت و الافتراس والغوائل[15].

وفي إطار التفاعل الثقافي مع جميع المكونات المحيطة بالشاعر، نجد أمية في هذه القصة الشعرية يتخذ من أسطورة الديك والغراب موضوعة قناعية لتمرير ثقافته الذاتية حول جملة من المفاهيم التي تصطدم بها الذات الإنسانية في هذه الحياة، ولعل من أبرزها مواجهة الذات لثنائية الخير والشر، وصراعهما الأبدي، بل الشاعر يعمق من الصراع ويبقى في شك مستمر لكل ما يضمره القدر؛ وقد يقول أحد إن القصة هنا دلالة ورمز لمن نعتقد أننا نساعده، فإذا بنا نصبح في حاجة إلى المساعدة؛ عندما يتحول الخير شرا، ويصبح القوي ضعيفا محتاجا إلى مد يد العون.

إن ما يربط الشعراء عموما بالتراث القديم والأساطير وثقافات الديانات السابقة وتاريخ الأمم والشعوب، "هو تلك السمات التي تتمتع بها هذه الأساطير ومنها القدرة على التشخيص والتمثيل، ومنح الحياة للأشياء الجامدة"[16]، وجعل الحيوانات تتكلم وتتصرف مثل الإنسان؛ فالديك والغراب يتنادمان ويتكلمان ويمارسان حياة شبيهة بحياة البشر، ويتجاذبان أطراف الحديث لقضاء شؤونهما، وفي هذا بعض من السمات الأسطورية التي تعود إلى الزمن البدائي.

إن الشاعر في هذه القصيدة يعمل على خلق عالم غير متوازن؛ فيه الوفاء والخيانة والصداقة والغدر مثله في ذلك مثل العالم الأسطوري للديك والغراب، وهو ما يفيد أن النص يصنع أسطورته الخاصة؛ بحيث لا نجد أنفسنا أمام نص الأسطورة كما يرويها ابن قتيبة والجاحظ وغيرهما، بل أمام أسطرة للنص الشعري؛ ففي الشعر عالم مواز للعالم الأسطوري ولعالم الواقع كذلك، ومن هنا يغدو الشعر رؤية جمالية للوجود الإنساني؛ فأمية غير مشدود إلى الأسطورة للحديث عنها في ذاتها، بل يستعملها في كشف اختلالات الواقع وثنائيات الحياة وتحولات الإنسان، ومن خلالها يقدم رؤيته للكون والواقع معا؛ الواقع الحياتي الذي لا يستقر على حالة واحدة، فالشاعر يرى أن الخيانة قد تصيب الإنسان في حياته حتى من أقرب الناس إليه ويبين كيف تنقلب الأدوار وتتغير الأحوال، ويصبح الغني فقيرا، والوفي خائنا، والحر عبدا، وما فعله أمية في هذا النص هو توظيف الأسطورة توظيفا جديدا، عبر بها عن الواقع الاجتماعي، وبذلك نقل نص الأسطورة من دلالاته وايحاءاته الحقيقية إلى رؤية فنية وجمالية للحياة.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 23.88 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.56%)]