عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 28-11-2022, 12:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,635
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الشاعر النابغة الجعدي

نمت في نعيمٍ وانمهلَّ بها الجسمُ




توالدها بيضٌ حرائرُ كالدُّمى

نواعمُ لا بيضٌ قصارٌ ولا خُثْمُ











ثم يخرج الشاعرُ من ذلك إلى مدح قومها بالكرمِ والبطولة في شعرٍ كُلُّه مثل هذا الطراز قوة وجمالًا، والقصيدة إسلامية[51].








ولن أحاول أن أحاجَّ من يقول: إن هذا الغزل قد يكون داخلًا في باب الشر؛ لأن المحاجة في هذا قد تطول[52]. ولكني أسأل: هل مدحُ قوم بالكرم والشجاعة صدقًا هو أيضًا يدخل في هذا الباب؟ أم تراه يدخل فيه أيضًا الأبيات من الحادي والعشرين إلى الرابع والخمسين من القصيدة ذاتها، وهي في الحديث عن رجل من ذَوي رَحم مَعْنٍ يبغضه أشدَّ البغض رغم أن الشاعر يبذُل له صافِيَ مودتِه، ويُخلِص له النُّصح، ويعمل دائما لمصلحته؟ ويُصوِّرُ مَعْنٌ حَيرتَه وحَرجَ موقفه حينئذٍ؛ إذ هو لا يستطيع أن يعادي ذا رحمه وفي الوقت نفسه إذا عفا عنه وصفح لم يزدد إلَّا شرًّا وأشرًا، كما يصف نفاد حِيَلِه كلِّها في كسبه، ثم يقول: إنه لم يزل في لينه له وتعطُّفِه عليه تعطُّفَ الأم على ولدها، وتواضعِه معه، وصبره على سخافاته وكرهه وإيذائه حتى قَدَرَ في نهاية الأمر، وبعد جهد جاهد، أن يستلَّ من نفسه أضغانها، ويحوِّلَه من عدوٍّ كاشحٍ إلى قريبٍ مسالم.








والأبيات، على طولها، من أعذَبِ الشِّعر وأشجاه وأنبله وأقواه فَنًّا، ولا أظن أحدًا يقدر على المجادلة في أنها داخلة في الخير من أوسع أبوابه.








ولمَعْنٍ أيضًا عدة أبيات في التهكُّم بابن الزبير ووصفه بالبخلِ، والتيس المهزول الذي قدَّمه لِقِرى ضيوفه وكانوا يبلغون ثلاثة وسبعين، وهي من أمتع الشعر وأوخزه[53].








أما الحطيئة فلست أحسَب أن أحدًا يجادل في أن شعره الإسلاميَّ من أجود ما يمكن وأروعه، ولو لم يكن له إلَّا الشِّعر الذي تهكم فيه بالزبرقان بن بدر وقومه، ومدح أبناء عمِّهم بما فيه من تصوير حيٍّ، وسخرية ذكية نافذة رغم خُلُوِّهَا من الفُحش والإقذاع، وعذوبة عبارة، وموسيقا جميلة - لَكَفَاه.








ونقتصر من شعر مُتَمِّم بن نويرة وأبي ذؤيب الهذلي بمرثيتيهما: الأوَّل في أخيه الذي قتله خالد بن الوليد، والثَّاني في أولاده الخمسة الذين ماتوا في عام واحد، وهما من الشعراء المخضرمين، والقصيدتان إسلاميتان، وليس من السهل العثورُ على نظيرٍ لهما من شعر الرثاء الجاهلي.








ونأتي إلى حسَّان بن ثابت، الذي كانت ملاحظةُ الأصمعيِّ على شعره هو والنابغة الجعدي أساسَ مقولته التي كانت مثارًا لهذه الأقاويل والآراء الكثيرة عن ضَعف الشعر في الإسلام، لقد حكم الأصمعيُّ على شعر حسان في الإسلام بأنه تَنَكَّبَ شعر الفحول، ودخل في باب الخير من مراثي الرسول عليه السلام وصحابته البررة الأطهار، ولذلك ضعُفَ وأصابه اللين والتهافت، وهو حكمٌ، كما كرَّرْنا، مجحفٌ لا ينهض على أساس نظريٍّ أو تطبيقيٍّ، وقد سُقنا شواهدَ من شعر بعض المُخضرمين، وها نحن أولاء نَسُوق شواهدَ من ديوان حسَّان أيضًا تُثبت أن ما قاله الأصمعيُّ غيرُ صحيح: فلا حسَّان ترك الأغراض الشعرية التي كان فحول الجاهلية ينظمون فيها، ولا شعره ضَعُف بسبب الإسلام، أما إن وجدنا له شعرًا ضعيفًا فذلك وضع طبيعي، إذ لا يوجد شاعرٌ كلُّ شعرِه بارع متين، علاوة على أن بعض العلماء قد عزوا الشعر الضعيف في ديوان حسان إلى أنه مصنوعٌ ومنسوبٌ إليه زورًا، ولعل الأصمعيَّ نفسه هو أول من قال ذلك، وقد سبق أن أوردت كلماته في هذا الصدد.








على أية حال، يمكن الرجوعُ في شعر حسان مثلا إلى هَمْزِيَّتِه التي أولها:



عَفَتْ ذاتُ الأصابعِ فَالجواءُ ♦♦♦ إلى عذراءَ منزلُها خلاءُ







وهي في الردِّ على هجاء أحد الشعراء المشركين للنبي عليه السلام، وقد وقف فيها حسان على الأطلال، وذكر الطَّيف، ووصف فتنةً شَعْثَاء متمثلةً في ريقِها الذي هو أحلى من الخمر الممزوجةِ من عسل وماء، ومن طعم التفاح الغضِّ الذي قُطف لتوِّه، ثم يدخل في الثناء على الخمر ويتباهَى بتعاطيها، قائلًا: إنهم حين يشربونها تجعلهم ملوكًا وأسودًا مفترسة، ثم يهدد قريشًا بغارة إمَّا أن يخلوا سبيلها فيؤدوا نسكَ العمرة، وإمَّا أن يعترضوها فيذلهم الله على أيديهم، وهو يتحدث عن إيمانه بالرسول وبالوحي الذي ينزل عليه ويفاخر بقومه الأنصار لمسارعتهم إلى الإيمان ونصرة الإسلام ونبيه، ويردُّ على شتيمة ذلك الشاعر للرسول مجلجلًا بأنه هو وأباه وعِرْضَه فداءٌ له عليه السلام من أي إساءة تحاول قريش توجيهها إليه... إلخ[54].








والقصيدة كما ترى فيها خمرٌ ووصفٌ لبعض مفاتنِ المرأة، وفيها هجاءٌ، وفيها شيء من الفخر، وفيها مدح للنبي عليه السلام، وفيها منافحة عنه وعن دينه، وتهديد بغارة كاسحة، أي إنها تجمع بين الأغراض القديمة والجديدة، وكلُّها من أوَّلها لآخرها قوية صلبة، فلا الخير الكثير الذي فيها نال منها، ولا الإسلام منع حسَّان مثلًا من أن يتغزَّلَ في تلك التي سمَّاها شعثاءَ على النحو الذي شبَّبَ بها.








كذلك لم يمنعْه الإسلام من أن يهجوَ واحدًا من المسلمين المهاجرين من رهط أبي بكر الصديق، وهو هجاءٌ شديدُ العنف، قال[55]:





لوْ كُنْتَ من هاشم أوْ من بني أَسَدٍ

أو عَبْدِ شَمْسٍ أو اصْحَابِ اللِّوَا الصِّيدِ




أَوْ من بَني نَوْفَلٍ أَو رَهْطِ مُطَّلِبٍ

لله دَرُّك لم تَهْمُمْ بتهديدي




أوْ في الذُّؤابةِ من قَوْمٍ ذَوي حَسَبٍ

لمْ تصبحِ اليومَ نِكْسًا ثانيَ الجيدِ




أوْ من بني زُهرةِ الأخيار قد علموا

أوْ من بني جمح البيضِ المناجيدِ




أوْ في السرارة مِن تَيْمٍ، رَضِيتَ بهمْ

أوْ من بني خلفِ الخضرِ الجلاعيدِ




يا آلَ تيمٍ ألا ينهى سفيهكمُ

قبْلَ القِذَافِ بقوْلٍ كالجَلامِيدِ




لولا الرسولُ، فإني لستُ عاصيَهُ

حتى يغيبني في الرمسِ ملحودي




وَصَاحِبُ الغَارِ، إني سوْفَ أحفظُهُ

وطلحةُ بنُ عبيدِ اللهِ ذو الجودِ




لقدْ رميتُ بها شنعاءَ فاضحةً

يظلُّ منها صحيحُ القومِ كالمودي




لكنْ سأصرفها جهدي، وأعدلها

عنكمْ بقولٍ رصينٍ، غيرِ تهديدِ




إلى الزبعرى، فإنَّ اللؤمَ حالفُهُ

أوِ الأخابثِ منْ أولادِ عبودِ












وقد استطاع الشاعر، كما هو بيِّنٌ ظاهر، أن يقيم توازنًا بارعًا بين رغبته في شفاء غيظه من مهجوِّه وبين انصياعِه لمبادئ دينه وحبه للرسول وللصحابة الكبار الذين تربطهم بذلك المهجوِّ روابط القرابة، وانتهى إلى أن حوَّل هجاءه وصواعقه إلى ابن الزبعرى المشرك الذي كان يهاجي المسلمين ودينَهم ونبيَّهم عليه الصلاة والسلام.








والآن، ما قول الأصمعي في هذه القصيدة؟ أهي من شعر الخير أم من شعر الشر؟ سيقال: إنها هجاءٌ لمسلم، وبالتالي فقد دخلت في باب من أبواب الشر؛ ولكن ألا يمكن أن يكون حسان قد قالها دفاعًا عن نفسه، وما على دافع العدوان عن نفسه من سبيل؟ وحتى لو قلنا: إنها هجاءٌ لا يرضاه الإسلام، أفليس معنى هذا أن الإسلام لم يمنع حسان من قول مثل هذا الهجاء؟ أيًّا ما كانت الزاوية التي ننظر منها إلى المسألة فإن مقولة الأصمعي تتكشف عن عوار فادح، وعلى أية حال، فالقصيدة قوية الأس جد محكمة.
يتبع




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 24.65 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.02 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.55%)]