عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 28-11-2022, 12:07 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,578
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شعر النابغة الجعدي وموضوعاته

شعر النابغة الجعدي وموضوعاته


د. إبراهيم عوض



وفي القصيدة ذاتها التي منها هذه الأبيات نقرأ له رثاءَه في أخيه، ذلك الرثاء الذي يخلطه بشيء من الحكمة الممزوجة باللامبالاة بالمال؛ إذ كل شيء زائل:





تلوم على هُلْك البعير ظعينتي

وكنتُ على لوم العواذل زاريا




ألم تعلمي أني رُزئت بوَحْوح

وكان ابنَ أمي والخليل المصافيا




فتًى كملت أخلاقُه غيرَ أنه

جوادٌ فما يُبقي من المال باقيا




فتًى تم فيه ما يسرُّ صديقَه

على أن فيه ما يسوءُ الأعاديا




يقول لمَن يلحاه في بذلِ ماله:

أأنفقُ أيامي وأترُك ماليا؟




يُدر العروق بالسنان ويشتري

مِن الحمد ما يبقى وإن كان غاليا




أشَمُّ طويل الساعدين سميدع

إذا لم يرُحْ للمجد أصبح غاديا




أتيحت له والغم يحتضر الفتى

ومِن حاجة الإنسان ما ليس لاقيا








ويُعجبني في البيتين الرابع والخامس هذا الاستدراك الذي يوحي في البداية أن الشاعر يريد أن يستثني من شمائل أخيه الرفيعة عيبًا يشِذُّ عن تلك الشمائل ولا ينسجم معها، ثم يُفاجئنا بإضافة خط آخر من خطوط النُّبل والعتق في شخصية ذلك الأخ، وهو ما يسميه البلاغيون "المدح بما يشبه الذم"، وتأثير هذا الأسلوب هو فيما أشرت إليه من تلك المفاجأة وما توقِعه من دهشة منعشة على نفوسنا في الوقت الذي نكون فيه مترقبين لذكر ما يسوء.



ولا شكَّ أن إرداف الشاعر وصفه لأخيه بـ: "ابن أمه" بقوله: "والخليل المصافيا" من الكلام الجميل؛ إذ ما أكثرَ الإخوة الذين تنعدم بينهم المودة! بل قد تكون بينهم من العداوات ما لا مثيل له بين الأخصام الألداء!



كذلك مما لا ريب فيه أن قول أخيه: "أأُنفق أيامي وأترك ماليا؟" هو من اللفتات الذهنية والنفسية المبدعة: فهذا رجل قد استطاع أن يتعمَّق الحياة وأن يتغلَّب على ما غُرس في نفوسنا من حرص على المال ورغبة في استبقاء أكبر قدر منه، إنه يرى أن عمره ذاهب ولا يمكن استبقاؤه أبدًا، فيتساءل: ولمَ أحاول استبقاء مالي إذا كنت عاجزًا عن استبقاء عمري؟ أيكون مالي أعزَّ على نفسي من حياتي؟ ألا إن ذلك لا يمكن أن يكون، ثم إنه يتصرف في حياته على هدى من هذا التفكير ولا يبالي.



وقد أُخذ على الشاعر قوله عن أخيه: "إذا لم يَرُح للمجد أصبح غاديا"؛ إذ يحكي الأصمعي أنه أنشد بعض أبيات هذه اليائية، ومنها هذا البيت، فتساءل الرشيد في استنكار: "ويله! ولمَ لم يروِّحه في المجد كما أغداه؟"[4]، وكأن المسألة مسألة مزايدة يفوز فيها من يدفع أكثر، فإذا كان بعض الناس يقولون مثلًا: "إن فلانًا إذا فاته في آخر اليوم أن يأتي فعلًا من أفعال المجد فإنه يبادر في الغد إلى استدراك ما فات"، فأفضل منهم عندهم من يقولون عن ذلك الشخص: "إنه لا يكف عن فعال المجد في أي يوم لا صباحًا ولا مساءً"، لا، ليس الأمر كذلك، وليس الشِّعر هو أن نبالغ فيما نقول، إن النَّابغة، كما لاحظتُ في شعره مرارًا، حريص في كثير من الأحيان على الواقعية، ولا جرم أن الإنسان، مهما يكن من نبله وأريحيته، ليس آلة لإنتاج الخير لا تتوقف، وحتى الآلات كثيرًا ما تكِلُّ وتحتاج إلى الصيانة والإصلاح، فما بالنا بالبشر؟ ثم إن قول النَّابغة عن أخيه: إنه حريص على أن يستدرك في أول فرصة فعل ما فاته ليوحي بشدة رغبته في إتيان المكرمات، إنه بشر، ولكنه في نفس الوقت يعمل كل ما في وسعه للارتقاء ببشريته في سلَّم المجد والنبل إلى أعلى درجة مستطاعة؟ أما الرجل الذي لا يتوقف أبدًا عن صُنع المكارم، كما هو في خيال الرشيد، فأين هو؟



أما البيت الأخير فلعله كان قبله بيت ثم سقط أو أكثر، فالضمير في "أتيحت له" لا يجد ما يعود عليه، ولعل الشاعر يقصد المنيَّة أو حادثة أدت إليها، وقوله: "ومن حاجة الإنسان ما ليس لاقيا" لا يبدو له اتصال بما سبقه، وقد يكون المراد أن الإنسان يريد أن يبقى حيًّا أبد الدهر ولكنه لا يمكنه ذلك.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.18 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.55 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.27%)]