
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد السادس
الحلقة (416)
سُورَةُ الْفُرْقَانِ .
صـ 27 إلى صـ 34
وما ذكره هنا من أنهم يلقون في مكان ضيق من النار ، جاء مذكورا أيضا في غير هذا الموضع كقوله تعالى : إنها عليهم مؤصدة في عمد ممددة [ 104 \ 8 - 9 ] وقوله تعالى : والذين كفروا بآياتنا هم أصحاب المشأمة عليهم نار مؤصدة [ 90 \ 19 - [ ص: 27 ] 20 ] ومعنى مؤصدة في الموضعين بهمز ، وبغير همز : مطبقة أبوابها ، مغلقة عليهم كما أوضحناه بشواهده العربية في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى : وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد [ 18 \ 18 ] ومن كان في مكان مطبق مغلق عليه ، فهو في مكان ضيق ، والعياذ بالله ، وقد ذكر أن الواحد منهم يجعل في محله من النار بشدة كما يدق الوتد في الحائط ، وعن ابن مسعود : أن جهنم تضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح . والزج بالضم : الحديدة التي في أسفل الرمح .
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : مقرنين : أي في الأصفاد بدليل قوله تعالى في سورة إبراهيم : وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد [ 14 \ 49 ] والأصفاد : القيود . والأظهر أن معنى مقرنين : أن الكفار يقرن بعضهم إلى بعض في الأصفاد والسلاسل ، وقال بعض أهل العلم : كل كافر يقرن هو وشيطانه ، وقد قال تعالى : حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين [ 43 \ 38 ] .
وهذا أظهر من قول من قال : مقرنين مكتفين ، ومن قول من قال : مقرنين : أي قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال ، والثبور : الهلاك والويل والخسران .
وقال ابن كثير : والأظهر أن الثبور يجمع الخسار والهلاك والويل والدمار . كما قال موسى لفرعون : وإني لأظنك يافرعون مثبورا [ 17 \ 102 ] أي هالكا ، قال عبد الله بن الزبعرى السهمي :
إذا جارى الشيطان في سنن الغسـ ـى ومن مال ميله مثبور
ا هـ .
وقال الجوهري في صحاحه : والثبور الهلاك والخسران أيضا ، قال الكميت :
ورأت قضاعة في الأيا من رأي مثبور وثابر
أي مخسور وخاسر يعني في انتسابها لليمن . ا هـ منه .
وقوله تعالى : دعوا هنالك ثبورا معنى دعائهم الثبور هو قولهم : واثبوراه ، يعنون : يا ويل ، ويا هلاك ، تعال ، فهذا حينك وزمانك .
وقال الزمخشري : ومعنى وادعوا ثبورا كثيرا أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا ، إنما هو ثبور كثير ، إما لأن العذاب أنواع وألوان ، كل نوع منها ثبور ، لشدته [ ص: 28 ] وفظاعته ، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها ، فلا غاية لهلاكهم . ا ه .
تنبيه .
اعلم أنه تعالى في هذه الآية الكريمة قال : مكانا ضيقا ، وكذلك في الأنعام في قوله تعالى : يجعل صدره ضيقا حرجا [ 6 \ 125 ] وقال في هود وضائق به صدرك [ 11 \ 12 ] فما وجه التعبير في سورة هود ، بقوله : ضائق على وزن فاعل ، وفي الفرقان والأنعام بقوله : ضيقا على وزن فيعل ، مع أنه في المواضع الثلاثة هو الوصف من ضاق يضيق ، فهو ضيق .
والجواب عن هذا هو أنه تقرر في فن الصرف أن جميع أوزان الصفة المشبهة باسم الفاعل إن قصد بها الحدوث والتجدد جاءت على وزن فاعل مطلقا ، كما أشار له ابن مالك في لاميته بقوله :
وفاعل صالح للكل إن قصد الـ حدوث نحو غدا ذا فارح جذلا
وإن لم يقصد به الحدوث والتجدد بقي على أصله .
وإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في سورة هود : فلعلك تارك بعض ما يوحى إليك وضائق به صدرك [ 11 \ 12 ] أريد به أنه يحدث له ضيق الصدر ، ويتجدد له بسبب عنادهم وتعنتهم في قولهم : لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك ولما كان كذلك ، قيل فيه : ضائق بصيغة اسم الفاعل ، أما قوله : ضيقا في الفرقان والأنعام فلم يرد به حدوث ، ولذلك بقي على أصله .
ومن أمثلة إتيان الفيعل على فاعل إن قصد به الحدوث قوله تعالى : وضائق به صدرك وقول قيس بن الخطيم الأنصاري :
أبلغ خداشا أنني ميت كل امرئ ذي حسب مائت
فلما أراد حدوث الموت قال : مائت بوزن فاعل ، وأصله ميت على وزن فيعل .
ومن أمثلته في فعل بفتح فكسر قول أبي عمرو أشجع بن عمرو السلمي يرثي قتيبة بن مسلم : [ ص: 29 ]
فما أنا من رزء وإن جل جازع ولا بسرور بعد موتك فارح
فلما نفى أن يحدث له في المستقبل فرح ولا جزع قال جازع وفارح ، والأصل : جزع وفرح .
ومثاله في فعيل قول لبيد :
حسبت التقى والجود خير تجارة رباحا إذا ما المرء أصبح ثاقلا
فلما أراد حدوث الثقل قال : ثاقلا والأصل ثقيل ، وقول السمهري العكلي :
بمنزلة أما اللئيم فسامن بها وكرام الناس باد شحوبها
فلما أراد حدوث السمن قال : فسامن والأصل سمين .
واعلم أن قراءة ابن كثير " ضيقا " بسكون الياء في الموضعين راجعة في المعنى إلى قراءة الجمهور بتشديد الياء لأن إسكان الياء تخفيف كهين ولين ، في هين ولين . والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا . التحقيق أن الإشارة في قوله : أذلك راجعة إلى النار ، وما يلقاه الكفار فيها من أنواع العذاب كما ذكره جل وعلا بقوله : وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا [ 25 \ 11 ] إلى قوله تعالى : وادعوا ثبورا كثيرا [ 25 \ 14 ] وغير هذا من الأقوال لا يعول عليه ، كقول من قال : إن الإشارة راجعة إلى الكنز والجنة في قوله تعالى : أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة الآية [ 25 \ 8 ] وكقول من قال : إنها راجعة إلى الجنات والقصور المعلقة على المشيئة في قوله تعالى : تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا [ 25 \ 10 ] والتحقيق إن شاء الله أنه لما ذكر شدة عذاب النار وفظاعته قال : " أذلك العذاب خير أم جنة الخلد الآية " .
وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ، جاء أيضا في غير هذا الموضع [ ص: 30 ] كقوله تعالى في سورة " الصافات " إن هذا لهو الفوز العظيم لمثل هذا فليعمل العاملون أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رءوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون إلى قوله : يهرعون [ 37 \ 60 - 70 ] وكقوله تعالى : أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة الآية [ 41 \ 40 ] .
وفي هذه الآيات وأمثالها في القرآن إشكال معروف ، وهو أن يقال : لفظة خير في الآيات المذكورة صيغة تفضيل كما قال في الكافية :
وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر
كما قدمناه موضحا في سورة النحل ، في الكلام على قوله تعالى : للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ولدار الآخرة خير الآية [ 16 \ 30 ] .
والمعروف في علم العربية أن صيغة التفضيل تقتضي المشاركة بين المفضل والمفضل عليه فيما فيه التفضيل ، إلا أن المفضل أكثر فيه وأفضل من المفضل عليه ، ومعلوم أن المفضل عليه في الآيات المذكورة الذي هو عذاب النار لا خير فيه البتة ، وإذن فصيغة التفضيل فيها إشكال .
والجواب عن هذا الإشكال من وجهين : الأول : أن صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن ، وفي اللغة مرادا بها مطلق الاتصاف ، لا تفضيل شيء على شيء . وقدمناه مرارا وأكثرنا من شواهده العربية في سورة " النور " وغيرها .
الثاني : أن من أساليب اللغة العربية أنهم إذا أرادوا تخصيص شيء بالفضيلة ، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل ، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل ، كقول حسان بن ثابت رضي الله عنه :
أتهجوه ولست له بكفء فشركما لخيركما الفداء
وكقول العرب : الشقاء أحب إليك ، أم السعادة ؟ وقوله تعالى : قال رب السجن أحب إلي الآية [ 12 \ 32 ] .
[ ص: 31 ] قال أبو حيان في البحر المحيط في قوله تعالى : أذلك خير الآية ، وخير هنا ليست تدل على الأفضلية ، بل هي على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء ، وخصوصيته بالفضل دون مقابله كقوله :
فشركما لخيركما الفداء
وكقول العرب : الشقاء أحب إليك أم السعادة ، وكقوله : السجن أحب إلي مما يدعونني إليه [ 12 \ 32 ] وهذا الاستفهام على سبيل التوقيف والتوبيخ . ا ه . الغرض من كلام أبي حيان .
وعلى كل حال فعذاب النار شر محض لا يخالطه خير البتة كما لا يخفى ، والوجهان المذكوران في الجواب متقاربان .
وقوله تعالى في هذه الآية : أم جنة الخلد التي وعد المتقون العائد محذوف : أي وعدها المتقون ، والآية تدل على أن الوعد الصادق بالجنة ، يحصل بسبب التقوى .
وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك بإيضاح في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : كذلك يجزي الله المتقين [ 16 \ 31 ] وقوله تعالى : لهم فيها ما يشاءون العائد أيضا محذوف كالذي قبله : أي ما يشاءونه ، وحذف العائد المنصوب بالفعل أو الوصف كثير ، كما قال في الخلاصة :
والحذف عندهم كثير منجلي في عائد متصل إن انتصب
بفعل أو وصـــــــف كمن نرجـــو يهــب
وهذه الآية الكريمة ، تدل على أن أهل الجنة يجدون كل ما يشاءونه من أنواع النعيم .
وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون [ 16 \ 31 ] والآيات المذكورة تدل على أن حصول كل ما يشاءه الإنسان لا يكون إلا في الجنة ، وقوله : كانت لهم جزاء ومصيرا المصير مكان الصيرورة ، وقد مدح الله جزاءهم ومحله كقوله تعالى : نعم الثواب وحسنت مرتفقا [ 18 \ 31 ] لأن حسن المكان وجودته من أنواع النعيم .
[ ص: 32 ] وقوله في هذه الآية الكريمة : كان على ربك وعدا مسئولا فيه وجهان معروفان .
أحدهما : أن معنى كونه مسئولا أن المؤمنين كانوا يسألونه ، وكانت الملائكة أيضا تسأله لهم ، أما سؤال المسلمين له فقد ذكره تعالى بقوله عنهم : ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد [ 3 \ 194 ] وسؤال الملائكة لهم إياه ذكره تعالى أيضا في قوله : ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم الآية [ 40 \ 47 ] وقال بعض العلماء : مسئولا : أي واجبا ؛ لأن ما وعد الله به واجب الوقوع ، لأنه لا يخلف الميعاد ، وهو جل وعلا يوجب على نفسه بوعده الصادق ما شاء لا معقب لحكمه ، ويستأنس لهذا القول بلفظة " على " في قوله : كان على ربك وعدا مسئولا كقوله تعالى : وكان حقا علينا نصر المؤمنين [ 30 \ 47 ] وقال بعض أهل العلم : إن المسلمين يوم القيامة يقولون : قد فعلنا في دار الدنيا كل ما أمرتنا به فأنجز لنا ما وعدتنا ، والقولان الأولان أقرب من هذا . والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا . قرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم : ( نحشرهم ) ، بالنون الدالة على العظمة ، وقرأ ابن كثير ، وحفص ، عن عاصم : ( يحشرهم ) بالياء المثناة التحتية ، وقرأ عامة السبعة غير ابن عامر : ( فيقول ) بالياء المثناة التحتية ، وقرأ ابن عامر : ( فنقول ) بنون العظمة .
فتحصل أن ابن كثير وحفصا يقرآن بالياء التحتية فيهما ، وأن ابن عامر يقرأ بالنون فيهما ، وأن باقي السبعة يقرءون : ( نحشرهم ) بالنون ، ( فيقول ) بالياء ، وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة : أنه يحشر الكفار يوم القيامة ، وما كانوا يعبدون من دونه : أن يجمعهم جميعا فيقول للمعبودين : أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء فزينتم لهم أن يعبدوكم من دوني ، أم هم ضلوا السبيل : أي كفروا وأشركوا بعبادتهم إياكم من دوني من تلقاء أنفسهم من غير أن تأمروهم بذلك ولا أن تزينوه لهم ، وأن المعبودين يقولون : سبحانك أي تنزيها لك عن [ ص: 33 ] الشركاء وكل ما لا يليق بجلالك وعظمتك ، ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء : أي ليس للخلائق كلهم ، أن يعبدوا أحدا سواك لا نحن ولا هم ، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك ، بل فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم ، من غير أمرنا ، ونحن برآء منهم ، ومن عبادتهم ، ثم قال : ولكن متعتهم وآباءهم [ 25 \ 18 ] أي طال عليهم العمر ، حتى نسوا الذكر أي نسوا ما أنزلته عليهم على ألسنة رسلك ، من الدعوة إلى عبادتك وحدك ، لا شريك لك ، وكانوا قوما بورا . قال ابن عباس : أي هلكى ، وقال الحسن البصري ومالك عن الزهري : أي لا خير فيهم ا ه . الغرض من كلام ابن كثير .
وقال أبو حيان في البحر : ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء : أي ما كان يصح لنا ولا يستقيم إلى آخر كلامه .
وإذا عرفت ما ذكره جل وعلا في هذه الآية من سؤاله للمعبودين وجوابهم له ، فاعلم أن العلماء اختلفوا في المعبودين . فقال بعضهم : المراد بهم الملائكة وعيسى وعزير قالوا : هذا القول يشهد له القرآن ، لأن فيه سؤال عيسى والملائكة عن عبادة من عبدهم ، كما قال في الملائكة : ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [ 34 \ 40 - 41 ] وقال في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام : وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب [ 5 \ 116 ] وجواب الملائكة وجواب عيسى كلاهما شبيه بجواب المعبودين في آية الفرقان هذه ، ولذلك اختار غير واحد من العلماء أن المعبودين الذين يسألهم الله في سورة الفرقان هذه هم خصوص العقلاء ، دون الأصنام .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الأظهر عندي شمول المعبودين المذكورين للأصنام ، مع الملائكة وعيسى وعزير ؛ لأن ذلك تدل عليه قرينتان قرآنيتان : الأولى : أنه عبر عن المعبودين المذكورين بـ : " ما " التي هي لغير العاقل في قوله : ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله الآية . فلفظة ( ما ) تدل على شمول غير العقلاء ، وأنه غلب غير العاقل لكثرته .
[ ص: 34 ] القرينة الثانية : هي دلالة آيات من كتاب الله ، على أن المعبودين غافلون عن عبادة من عبدهم : أي لا يعلمون بها لكونهم غير عقلاء كقوله تعالى في سورة يونس وقال شركاؤهم ما كنتم إيانا تعبدون فكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم لغافلين [ 10 \ 28 - 29 ] وإنما كانوا غافلين عنها لأنهم جماد لا يعقلون . وإطلاق اللفظ المختص بالعقلاء عليهم ، نظرا إلى أن المشركين نزلوهم منزلة العقلاء كما أوضحناه في غير هذا الموضع ، وكقوله تعالى في الأحقاف : ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين [ 46 \ 5 - 6 ] فقد دل قوله تعالى : وهم عن دعائهم غافلون على أنهم لا يعقلون ، ومع ذلك قال : وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين وكقوله تعالى في العنكبوت : وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا الآية [ 29 \ 25 ] . فصرح بأنهم أوثان ، ثم ذكر أنهم هم وعبدتهم يلعن بعضهم بعضا . وكقوله تعالى : كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا [ 19 \ 82 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وقوله في هذه الآية الكريمة حتى نسوا الذكر الظاهر أن معنى ( نسوا ) تركوا . والأظهر أن الذكر هو ما جاءت به الرسل من التوحيد ، وقيل : ذكر الله بشكر نعمه ، والأصح أن قوله بورا معناه هلكى ، وأصله اسم مصدر يقع على الواحد وعلى الجماعة ، فمن إطلاقه على الجماعة قوله هنا : وكانوا قوما بورا وقوله في سورة الفتح : وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا [ 48 \ 12 ] ومن إطلاقه على المفرد قول عبد الله بن الزبعرى السهمي رضي الله عنه :
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
ويطلق البور على الهلاك . وعن ابن عباس أنها لغة أهل عمان ، وهم من أهل اليمن ، ومنه قول الشاعر
: فلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم وكافوا به فالكفر بور لصانعه