
25-11-2022, 06:51 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,764
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد السادس
الحلقة (413)
سُورَةُ الْفُرْقَانِ .
صـ 3 إلى صـ 10
سُورَةُ الْفُرْقَانِ .
قَوْلُهُ تَعَالَى : تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا . ذَكَرَ جَلَّ وَعَلَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّهُ نَزَّلَ الْفُرْقَانَ ، وَهُوَ هَذَا الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ عَلَى عَبْدِهِ ، وَهُوَ مُحَمَّدٌ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ; لِأَجْلِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا أَيْ : مُنْذِرًا ، وَقَدْ قَدَّمْنَا مِرَارًا أَنَّ الْإِنْذَارَ هُوَ الْإِعْلَامُ الْمُقْتَرَنُ بِتَهْدِيدٍ وَتَخْوِيفٍ ، وَأَنَّ كُلَّ إِنْذَارِ إِعْلَامٌ ، وَلَيْسَ كُلُّ إِعْلَامٍ إِنْذَارًا ، كَمَا أَوْضَحْنَاهُ فِي أَوَّلِ سُورَةِ " الْأَعْرَافِ " .
وَهَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ تَدُلُّ عَلَى عُمُومِ رِسَالَتِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ وَالْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، لِدُخُولِ الْجَمِيعِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا .
وَهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ جَاءَ مُوَضَّحًا فِي آيَاتٍ أُخَرَ ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ [ 7 \ 158 ] أَيْ : أَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ كَافَّةً ، أَيْ : جَمِيعًا . وَقَوْلِهِ تَعَالَى : قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ [ 6 \ 19 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ [ 55 \ 33 - 43 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ الْآيَةَ [ 46 \ 29 - 32 ] . وَفِي مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى : تَبَارَكَ أَقْوَالٌ لِأَهْلِ الْعِلْمِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : تَبَارَكَ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ ، فَقَالَ [ ص: 4 ] الْفَرَّاءُ : هُوَ فِي الْعَرَبِيَّةِ بِمَعْنَى : تَقَدَّسَ وَهُمَا لِلْعَظَمَةِ ، وَقَالَ الزَّجَّاجُ : تَبَارَكَ : تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ . قَالَ : وَمَعْنَى الْبَرَكَةِ : الْكَثْرَةُ مِنْ كُلِّ ذِي خَيْرٍ ، وَقِيلَ : تَبَارَكَ : تَعَالَى ، وَقِيلَ : تَعَالَى عَطَاؤُهُ ، أَيْ : زَادَ وَكَثُرَ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى دَامَ وَثَبَتَ إِنْعَامُهُ . قَالَ النَّحَّاسُ : وَهَذَا أَوْلَاهَا فِي اللُّغَةِ وَالِاشْتِقَاقِ مِنْ بَرَكَ الشَّيْءُ إِذَا ثَبَتَ ، وَمِنْهُ بَرَكَ الْجَمَلُ وَالطَّيْرُ عَلَى الْمَاءِ ، أَيْ : دَامَ وَثَبَتَ ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي " الْبَحْرِ الْمُحِيطِ " : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : تَبَارَكَ : لَمْ يَزَلْ ، وَلَا يَزُولُ . وَقَالَ الْخَلِيلُ : تَمَجَّدَ . وَقَالَ الضَّحَّاكُ : تَعَظَّمَ . وَحَكَى الْأَصْمَعِيُّ : تَبَارَكْتُ عَلَيْكُمْ مِنْ قَوْلِ عَرَبِيٍّ صَعِدَ رَابِيَةً ، فَقَالَ ذَلِكَ لِأَصْحَابِهِ ، أَيْ : تَعَالَيْتُ وَارْتَفَعْتُ . فَفِي هَذِهِ الْأَقْوَالِ تَكُونُ صِفَةَ ذَاتٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَيْضًا ، وَالْحَسَنُ ، وَالنَّخَعِيُّ : هُوَ مِنَ الْبَرَكَةِ ، وَهُوَ التَّزَايُدُ فِي الْخَيْرِ مِنْ قِبَلِهِ . فَالْمَعْنَى زَادَ خَيْرُهُ وَعَطَاؤُهُ وَكَثُرَ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ صِفَةَ فِعْلٍ ، انْتَهَى مَحَلُّ الْغَرَضِ مِنْ كَلَامِ أَبِي حَيَّانَ .
قَالَ مُقَيِّدُهُ - عَفَا اللَّهُ عَنْهُ وَغَفَرَ لَهُ - : الْأَظْهَرُ فِي مَعْنَى تَبَارَكَ بِحَسَبِ اللُّغَةِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ أَنَّهُ تَفَاعَلَ مِنَ الْبَرَكَةِ ، كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ ، وَعَلَيْهِ فَمَعْنَى تَبَارَكَ : تَكَاثَرَتِ الْبَرَكَاتُ وَالْخَيْرَاتُ مِنْ قِبَلِهِ ، وَذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ عَظَمَتَهُ وَتَقَدُّسَهُ عَنْ كُلِّ مَا لَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ ; لِأَنَّ مَنْ تَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ الْبَرَكَاتُ وَالْخَيْرَاتُ وَيَدِرُّ الْأَرْزَاقَ عَلَى النَّاسِ هُوَ وَحْدَهُ الْمُتَفَرِّدُ بِالْعَظَمَةِ ، وَاسْتِحْقَاقِ إِخْلَاصِ الْعِبَادَةِ لَهُ ، وَالَّذِي لَا تَأْتِي مِنْ قِبَلِهِ بَرَكَةٌ وَلَا خَيْرٌ ، وَلَا رِزْقٌ كَالْأَصْنَامِ ، وَسَائِرِ الْمَعْبُودَاتِ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَصِحُّ أَنَّ يُعْبَدَ ، وَعِبَادَتُهُ كُفْرٌ مُخَلِّدٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ، وَقَدْ أَشَارَ تَعَالَى إِلَى هَذَا فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [ 29 \ 17 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ [ 16 \ 73 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ [ 6 \ 14 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [ 51 \ 57 - 58 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ [ 40 \ 13 - 14 ] .
تنبيه .
اعلم أن قوله : تبارك فعل جامد لا يتصرف ، فلا يأتي منه مضارع ، ولا مصدر ، [ ص: 5 ] ولا اسم فاعل ، ولا غير ذلك ، وهو مما يختص به الله تعالى ، فلا يقال لغيره تبارك خلافا لما تقدم عن الأصمعي ، وإسناده تبارك إلى قوله : الذي نزل الفرقان ، يدل على أن إنزاله الفرقان على عبده من أعظم البركات والخيرات والنعم التي أنعم بها على خلقه ، كما أوضحناه في أول سورة " الكهف " ، في الكلام على قوله تعالى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب [ 18 \ 1 ] وذكرنا الآيات الدالة على ذلك ، وإطلاق العرب تبارك مسندا إلى الله تعالى معروف في كلامهم ، ومنه قول الطرماح :
تباركت لا معط لشيء منعته وليس لما أعطيت يا رب مانع
وقول الآخر :
فليست عشيات الحمى برواجع لنا أبدا ما أورق السلم النضر
.
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر
وقد قدمنا الشاهد الأخير في سورة " الأنبياء " ، في الكلام على قوله تعالى : فظن أن لن نقدر عليه [ 21 \ 87 ] . وقوله : الفرقان ، يعني هذا القرآن العظيم ، وهو مصدر زيدت فيه الألف والنون كالكفران والطغيان والرجحان ، وهذا المصدر أريد به اسم الفاعل ; لأن معنى كونه فرقانا أنه فارق بين الحق والباطل ، وبين الرشد والغي ، وقال بعض أهل العلم : المصدر الذي هو الفرقان بمعنى اسم المفعول ; لأنه نزل مفرقا ، ولم ينزل جملة .
واستدل أهل هذا القول بقوله تعالى : وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث [ 17 \ 106 ] وقوله : وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا [ 25 \ 32 ] وقوله في هذه الآية الكريمة : نزل بالتضعيف يدل على كثرة نزوله أنجما منجما . قال بعض أهل العلم : ويدل على ذلك قوله في أول سورة " آل عمران " : نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل [ 3 \ 3 ] قالوا : عبر في نزول القرآن بـ : نزل بالتضعيف لكثرة نزوله . وأما التوراة والإنجيل ، فقد عبر في نزولهما بـ : أنزل التي لا تدل على تكثير ; لأنهما نزلا جملة في وقت واحد ، وبعض الآيات لم يعتبر فيها كثرة نزول القرآن ; [ ص: 6 ] كقوله تعالى : الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب الآية [ 18 \ 1 ] وقوله في هذه الآية : على عبده قال فيه بعض العلماء : ذكره صفة العبودية مع تنزيل الفرقان ، يدل على أن العبودية لله هي أشرف الصفات ، وقد بينا ذلك في أول سورة " بني إسرائيل " .
قوله تعالى الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا قوله : الذي له ملك السماوات والأرض ، بدل من الذي في قوله تعالى : تبارك الذي نزل ، وقال بعضهم : هو مرفوع على المدح ، وقال بعضهم : هو منصوب على المدح . وقد أثنى جل وعلا على نفسه في هذه الآية الكريمة بخمسة أمور ، هي أدلة قاطعة على عظمته ، واستحقاقه وحده لإخلاص العبادة له : الأول منها : أنه هو الذي له ملك السماوات والأرض .
والثاني : أنه لم يتخذ ولدا ، سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا .
والثالث : أنه لا شريك له في ملكه .
والرابع : أنه هو خالق كل شيء .
والخامس : أنه قدر كل شيء خلقه تقديرا ، وهذه الأمور الخمسة المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت موضحة في آيات أخر .
أما الأول منها : وهو أنه له ملك السماوات والأرض ، فقد جاء موضحا في آيات كثيرة ; كقوله تعالى في سورة " المائدة " : ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض الآية [ 5 \ 40 ] وقوله تعالى في سورة " النور " : ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير [ 24 \ 42 ] وقوله تعالى : ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير الآية [ 35 \ 13 ] وجميع الآيات التي ذكر فيها جل وعلا أن له الملك ، فالملك فيها شامل لملك السماوات والأرض وما بينهما ، وغير ذلك . كقوله تعالى : قل اللهم مالك الملك الآية [ 3 \ 26 ] وقوله تعالى : تبارك الذي بيده الملك الآية [ 67 \ 1 ] وقوله تعالى : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [ 40 \ 16 ] وقوله تعالى : وله الملك يوم ينفخ في الصور الآية [ 6 \ 73 ] وقوله تعالى : مالك [ ص: 7 ] يوم الدين [ 1 \ 4 ] والآيات الدالة على أن له ملك كل شيء كثيرة جدا معلومة .
وأما الأمر الثاني : وهو كونه تعالى لم يتخذ ولدا ، فقد جاء موضحا في آيات كثيرة ; كقوله تعالى : لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد [ 112 \ 3 - 4 ] وقوله تعالى : وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا الآية [ 72 \ 3 ] وقوله تعالى : بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة الآية [ 6 \ 101 ] وقوله تعالى : وقالوا اتخذ الرحمن ولدا لقد جئتم شيئا إدا تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [ 19 \ 88 - 93 ] وقوله تعالى : وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا ما لهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا [ 18 \ 4 - 5 ] وقوله تعالى : أفأصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما [ 17 \ 40 ] وقوله تعالى : ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله ، إلى قوله : سبحان الله عما يصفون [ 23 \ 91 ] والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة ، وقد قدمنا ذلك في مواضع من هذا الكتاب المبارك في سورة " الكهف " وغيرها .
وأما الأمر الثالث : وهو كونه تعالى لم يكن له شريك في الملك ، فقد جاء موضحا في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى في آخر سورة " بني إسرائيل " : وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك الآية [ 13 \ 111 ] وقوله تعالى في سورة " سبأ " : قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير [ 34 \ 22 ] وقوله تعالى : لمن الملك اليوم لله الواحد القهار [ 40 \ 16 ] ; لأن قوله : الواحد القهار يدل على تفرده بالملك ، والقهر ، واستحقاق إخلاص العبادة ، كما لا يخفى ، إلى غير ذلك من الآيات .
وأما الأمر الرابع : وهو أنه تعالى خلق كل شيء ، فقد جاء موضحا في آيات كثيرة ; كقوله تعالى : بديع السماوات والأرض أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء وهو بكل شيء عليم ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه وهو على [ ص: 8 ] كل شيء وكيل [ 6 \ 101 - 102 ] وقوله تعالى : ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو فأنى تؤفكون كذلك يؤفك الذين كانوا بآيات الله يجحدون [ 40 \ 62 - 63 ] إلى غير ذلك من الآيات .
وأما الأمر الخامس : وهو أنه قدر كل شيء خلقه تقديرا ، فقد جاء أيضا في غير هذا الموضع ; كقوله تعالى : الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى [ 87 \ 2 - 3 ] ، وقوله تعالى : وكل شيء عنده بمقدار [ 13 \ 8 ] وقوله تعالى : إنا كل شيء خلقناه بقدر [ 54 \ 49 ] إلى غير ذلك من الآيات . وقال ابن عطية : تقدير الأشياء هو حدها بالأمكنة ، والأزمان ، والمقادير ، والمصلحة ، والإتقان ، انتهى بواسطة نقل أبي حيان في " البحر " .
تنبيه .
في هذه الآية الكريمة سؤال معروف ، وهو أن يقال : الخلق في اللغة العربية ، معناه التقدير . ومنه قول زهير :
ولأنت تفري ما خلقت وبعـ ـض القوم يخلق ثم لا يفري قال بعضهم : ومنه قوله تعالى : فتبارك الله أحسن الخالقين [ 23 \ 14 ] قال : أي أحسن المقدرين ، وعلى هذا فيكون معنى الآية وخلق كل شيء ، أي : قدر كل شيء فقدره تقديرا ، وهذا تكرار كما ترى ، وقد أجاب الزمخشري عن هذا السؤال ، وذكر أبو حيان جوابه في " البحر " ، ولم يتعقبه .
والجواب المذكور هو قوله : فإن قلت في الخلق معنى التقدير ، فما معنى قوله : وخلق كل شيء فقدره تقديرا [ 25 \ 2 ] كأنه قال : وقدر كل شيء فقدره .
قلت : المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعيا فيه التقدير والتسوية فقدره وهيأه لما يصلح له .
مثاله : أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدر المسوى ، الذي تراه فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا ، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الحيلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير ، فقدره لأمر ما ومصلحة مطابقا لما قدر له غير [ ص: 9 ] متجاف عنه ، أو سمى إحداث الله خلقا ; لأنه لا يحدث شيئا لحكمته إلا على وجه التقدير غير متفاوت ، فإذا قيل : خلق الله كذا ، فهو بمنزلة قولك : أحدث وأوجد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق ، فكأنه قيل : وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده لم يوجده متفاوتا . وقيل : فجعل له غاية ومنتهى ، ومعناه : فقدره للبقاء إلى أمد معلوم ، انتهى كلام صاحب " الكشاف " وبعضه له اتجاه ، والعلم عند الله تعالى .
قوله تعالى : واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا . ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الآلهة التي يعبدها المشركون من دونه ، متصفة بستة أشياء ، كل واحد منها برهان قاطع ، أن عبادتها مع الله ، لا وجه لها بحال ، بل هي ظلم متناه ، وجهل عظيم ، وشرك يخلد به صاحبه في نار جهنم ، وهذا بعد أن أثنى على نفسه جل وعلا بالأمور الخمسة المذكورة في الآية التي قبلها التي هي براهين قاطعة ، على أن المتصف بها هو المعبود وحده ، والأمور الستة التي هي من صفات المعبودات من دون الله : الأول منها : أنها لا تخلق شيئا ، أي : لا تقدر على خلق شيء .
والثاني منها : أنها مخلوقة كلها ، أي : خلقها خالق كل شيء .
والثالث : أنها لا تملك لأنفسها ضرا ولا نفعا .
الرابع والخامس والسادس : أنها لا تملك موتا ، ولا حياة ، ولا نشورا ، أي : بعثا بعد الموت ، وهذه الأمور الستة المذكورة في هذه الآية الكريمة ، جاءت مبينة في مواضع أخر من كتاب الله تعالى .
أما الأول منها : وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله لا تخلق شيئا ، فقد جاء مبينا في آيات كثيرة ; كقوله تعالى : إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له الآية [ 22 \ 73 ] وقوله تعالى : والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون [ 16 \ 20 - 21 ] وقوله تعالى في سورة " فاطر " : قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا [ 35 \ 40 ] [ ص: 10 ] وقوله تعالى في سورة " لقمان " : هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين [ 31 \ 11 ] وقوله تعالى في " الأحقاف " : قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين [ 46 \ 4 ] وقوله تعالى : ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا [ 18 \ 51 ] وقد بين تعالى في آيات من كتابه الفرق بين من يخلق ، ومن لا يخلق ; لأن من يخلق هو المعبود ، ومن لا يخلق لا تصح عبادته ; كقوله تعالى : ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم الآية [ 2 \ 21 ] أي : وأما من لم يخلقكم ، فليس برب ، ولا بمعبود لكم ، كما لا يخفى . وقوله تعالى : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون [ 16 \ 17 ] وقوله تعالى : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار [ 13 \ 16 ] أي : ومن كان كذلك ، فهو المعبود وحده جل وعلا ، وقوله تعالى : أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون [ 7 \ 191 ] .
وأما الأمر الثاني منها : وهو كون الآلهة المعبودة من دونه مخلوقة ، فقد جاء مبينا في آيات من كتاب الله ; كآية " النحل " ، و " الأعراف " ، المذكورتين آنفا .
أما آية " النحل " ، فهي قوله تعالى : والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون [ 16 \ 20 ] فقوله : وهم يخلقون صريح في ذلك . وأما آية " الأعراف " ، فهي قوله تعالى : أيشركون ما لا يخلق شيئا وهم يخلقون [ 7 \ 191 ] إلى غير ذلك من الآيات .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|