
25-11-2022, 06:12 AM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,533
الدولة :
|
|
رد: تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن للشيخ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (402)
سُورَةُ النُّورِ
صـ 475 إلى صـ 482
والذي يظهر لنا في مسألة السكوت عن اللعان أنه إن سكت زمنا يغلب على الظن فيه [ ص: 475 ] عادة أنه لا يسكت فيه إلا راض عد رضى ، وإلا فلا ; لأن العرف محكم ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة الحادية عشرة : اعلم أنه إن كان النكاح فاسدا ، وقذفها زوجها بالزنى إن كان لنفي نسب يلحق به في ذلك النكاح الفاسد ، فلا ينبغي أن يختلف في أنه يلاعن لنفي النسب عنه ، وإن كان النكاح الفاسد يلحق فيه الولد ولكنه قذفها بالزنى ، وأراد اللعان لنفي الحد عنه ، فالأظهر أن له ذلك ; لأنها لما صارت يلحق به ولدها صارت في حكم الفراش ، قاله مالك في " المدونة " .
وقال القرطبي : يلاعن في النكاح الفاسد زوجته ، لأنها صارت فراشا ويلحق النسب فيه مجرى اللعان فيه ، اهـ منه .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : الذي يظهر لي أن النكاح الفاسد إن كان مجمعا على فساده ولا يلحق الولد فيه أن الزوج القاذف فيه لا يمكن من اللعان ، بل يحد حد القذف إن لم يأت بأربعة شهداء ، وهذا ظاهر لا يخفى ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة الثانية عشرة : اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي في الذي يقذف زوجته الحامل بالزنى ، ثم يأتي بأربعة شهداء على زناها أن له أن يلاعن لنفي الحمل مع الشهود ; لأن شهادة البينة لا تفيد الزوج إلا درأ الحد عنه ، أما رفع الفراش ونفي الولد ، فلا بد فيه من اللعان .
وقال القرطبي - رحمه الله - : اختلفوا أيضا هل للزوج أن يلاعن مع شهوده ؟ قال مالك والشافعي : يلاعن كان له شهود أو لم يكن ; لأن الشهود ليس لهم عمل في غير درء الحد ، وأما رفع الفراش ونفي الولد ، فلا بد فيه من اللعان .
وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إنما جعل اللعان إذا لم يكن له شهود غير نفسه ; لقوله تعالى : ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم اهـ منه .
المسألة الثالثة عشرة : قال القرطبي أيضا في تفسيره : يفتقر اللعان إلى أربعة أشياء : عدد الألفاظ ، وهو أربع شهادات على ما تقدم ، والمكان : وهو أن يقصد به أشرف البقاع بالبلدان ، إن كان بمكة فبين الركن والمقام ، وإن كان بالمدينة فعند المنبر ، وإن كانت ببيت المقدس فعند الصخرة ، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها ، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه ، إن كانا يهوديين فالكنيسة ، وإن كانا مجوسيين ففي [ ص: 476 ] بيت النار ، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين ، فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه ، والوقت : وذلك بعد صلاة العصر ، وجمع الناس : وذلك أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدا ، فاللفظ وجمع الناس مشروطان ، والزمان والمكان مستحبان ، اهـ منه ، مع أن مشهور مذهب مالك الذي هو مذهب القرطبي أنه لا ملاعنة بين كافرين وبعض ما ذكره لا يخلو من خلاف .
المسألة الرابعة عشرة : اعلم أن الزوج لا يجوز له نفي الولد بلعان ، إلا بموجب يقتضي أن ذلك الولد ليس منه كأن تكون الزوجة زنت ، قبل أن يمسها الزوج أصلا ، أو زنت بعد أن وضعت ، ولم يمسها الزوج بعد الوضع حتى زنت ، أو زنت في طهر لم يمسها فيه ; لأن الحيضة قبل الزنى تدل على أن الحمل من الزنى الواقع بعد الحيض ، ولا يجوز له الاعتماد في نفي الحمل باللعان على شبه الولد بغيره ولا بسواد الولد ; كما قدمنا ، ولا بعزل لأن الماء قد يسبق نزعه فتحبل منه ، ولا بوطء في فخذين ; لأن الماء يسيل إلى الفرج فتحمل منه ، كما قدمنا .
المسألة الخامسة عشرة : اعلم أن كل ولدين بينهما أقل من ستة أشهر فهما توأمان ، فلا يجوز نفي أحدهما ، دون الآخر ، فإن أقر الزوج بأحدهما لزمه قبول الآخر ، والظاهر أنه إن نفى أحدهما مع اعترافه بالثاني حد لقذفه ; كما قاله مالك وأصحابه ، ومن وافقهم .
وقد أوضحنا في سورة " الرعد " ، في الكلام على قوله تعالى : الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار [ 13 \ 8 ] ، أن أقل مدة الحمل ستة أشهر ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك ، ويعلم منه أن كل ولدين بينهما أقل من ستة أشهر ، فهما توأمان .
وقال ابن قدامة في " المغني " : وإن ولدت امرأته توأمين وهو أن يكون بينهما دون ستة أشهر ، فاستحلق أحدهما ، ونفى الآخر لحقا به ; لأن الحمل الواحد ، لا يجوز أن يكون بعضه منه ، وبعضه من غيره ، فإذا ثبت نسب أحدهما منه ثبت نسب الآخر ضرورة ، فجعلنا ما نفاه تابعا لما استلحقه ، ولم نجعل ما أقر به تابعا لما نفاه ; لأن النسب يحتاط لإثباته لا لنفيه ، ولهذا لو أتت امرأته بولد يمكن أن يكون منه ، ويمكن أن يكون من غيره ألحقناه به احتياطا ، ولم نقطعه عنه احتياطا لنفيه ، إلى أن قال : وإن استلحق أحد التوأمين ، وسكت عن الآخر لحقه ; لأنه لو نفاه للحقه ، فإذا سكت عنه كان أولى ، ولأن امرأته متى [ ص: 477 ] أتت بولد لحقه ما لم ينفه عنه بلعان ، وإن نفى أحدهما وسكت عن الآخر ، لحقاه جميعا .
فإن قيل : ألا نفيتم المسكوت عنه ; لأنه قد نفى أخاه ، وهما حمل واحد .
قلنا : لحوق النسب مبني على التغليب ، وهو يثبت لمجرد الإمكان ، وإن كان لم يثبت الوطء ولا ينتفي الإمكان للنفي فافترقا ، فإن أتت بولد فنفاه ولاعن لنفيه ، ثم ولدت آخر لأقل من ستة أشهر لم ينتف الثاني باللعان الأول ; لأن اللعان تناول الأول وحده ، ويحتاج في نفي الثاني إلى لعان ثان ، ويحتمل أن ينتفي بنفيه من غير حاجة إلى لعان ثان ; لأنهما حمل واحد وقد لاعن لنفيه مرة ، فلا يحتاج إلى لعان ثان ، ذكره القاضي ، اهـ .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : وهذا الأخير هو الأظهر ; لأن الحمل الواحد لا يحتاج إلى لعانين ، ثم قال في " المغني " متصلا بكلامه الأول : فإن أقر بالثاني لحقه هو والأول لما ذكرناه ، وإن سكت عن نفيه لحقاه أيضا ، فأما إن نفى الولد باللعان ثم أتت بولد آخر بعد ستة أشهر فهذا من حمل آخر ، فإنه لا يجوز أن يكون بين ولدين من حمل واحد مدة الحمل ، ولو أمكن لم تكن هذه مدة حمل كامل ، فإن نفى هذا الولد باللعان انتفى ، ولا ينتفي بغير اللعان ; لأنه حمل منفرد ، وإن استلحقه أو ترك نفيه لحقه ، وإن كانت قد بانت باللعان ; لأنه يمكن أن يكون قد وطئها بعد وضع الأول ، وإن لاعنها قبل وضع الأول ، فأتت بولد ثم ولدت آخر بعد ستة أشهر لم يلحقه الثاني ; لأنها بانت باللعان ، وانقضت عدتها بوضع الأول ، وكان حملها الثاني بعد انقضاء العدة في غير نكاح فلم يحتج إلى نفيه ، ثم قال في " المغني " أيضا : وإن مات أحد التوأمين فله أن يلاعن لنفي نسبهما ، وبهذا قال الشافعي ، وقال أبو حنيفة : يلزمه نسب الحي ، ولا يلاعن إلا لنفي الحد ; لأن الميت لا يصح نفيه باللعان ، فإن نسبه قد انقطع بموته ، فلا حاجة إلى نفيه باللعان ، كما لو ماتت امرأته فإنه لا يلاعنها بعد موتها لكون النكاح قد انقطع ، وإذا لم ينتف الميت لم ينتف الحي ; لأنهما حمل واحد ولنا أن الميت ينسب إليه ، ويقال ابن فلان ويلزمه تجهيزه وتكفينه ، فكان له نفي نسبه وإسقاط مؤنته كالحي ، وكما لو كان للميت ولد ، اهـ كلام صاحب " المغني " .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : الأظهر أنه إن كان للولد الميت الذي يراد نفيه بعد الموت ولد كان حكمه في اللعان كحكم الحي ; لأن ولده الحي لا ينتفي إلا بنفي أبيه ، فله اللعان لنفي نسب الميت لينتفي عنه ولده ، وهذا إن قلنا إن له أن يلاعن بعد هذه [ ص: 478 ] المدة الطويلة ; لأنه لم ينف الولد الميت إلا بعد أن عاش عمرا يولد له فيه ، وقد يكون معذورا بالغيبة زمنا طويلا ، وكذلك عند من يقول : إن السكوت لا يسقط اللعان مطلقا كما تقدم ، وكذلك إن أريد إلزامه بتكفين الولد الميت وتجهيزه ، فالأظهر أن له أن ينفيه عنه بلعان ليتخلص من مئونة تجهيزه وتكفينه ، والظاهر أنه إن نفى ولدا بعد موته ، فإن كانت أمه حية فلا بد من اللعان ; لأنه قاذف أمه ، وإن كانت الأم ميتة جرى على الخلاف في حد من قذف ميتة ، فعلى القول بالحد فله اللعان ، وعلى القول بعدمه فلا لعان ، وقد قدمنا الخلاف في ذلك ، ويعتضد ما ذكرنا بما تقدم قريبا من أن له اللعان لنفي الولد ; لأنه يجتمع به موجبان للعان ، وهما إسقاط الحد ونفي الولد ، وبه تعلم أن الأظهر عدم النظر إلى الولد الميت هل ترك مالا أو لا ؟ والعلم عند الله تعالى .
تنبيه .
اعلم أن أهل العلم اختلفوا في توأمي الملاعنة المنفيين باللعان ، هل يتوارثان توارث الشقيقين أو الأخوين لأم ؟ وقال ابن الحاجب من المالكية : هما شقيقان ، وقال خليل في " التوضيح " ، وهو شرحه لمختصر ابن الحاجب في الفقه المالكي : إن كونهما شقيقين هو مشهور مذهب مالك ، وقال المغيرة من المالكية : يتوارثان توارث الأخوين لأم ، كالمشهور عند المالكية في توأمي الزانية والمغتصبة .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : الذي يظهر لنا أن توأمي الملاعنة يتوارثان توارث الأخوين لأم ، وأنهما لا يحكم لهما بحكم الشقيقين ; لأنهما لا يلحقان بأب معروف ، وإذا لم يكن لهما أب معروف فلا وجه لكونهما شقيقين ، ويوضح ذلك أنهما إنما ينسبان لأمهما ، وبه تعلم أن مشهور مذهب مالك في هذه المسألة خلاف الأظهر . وأما قول ابن نافع من المالكية : إن توأمي الزانية شقيقان ، فهو خلاف التحقيق ; لأن الزاني لا يلحق به نسب حتى يكون أبا لابنه من الزنى ، والرواية عن ابن القاسم بنحو قول ابن نافع ظاهرها السقوط ، كما ترى . وأما ما قاله ابن رشد في " البيان " من أن توأمي المسبية ، والمستأمنة شقيقان ، فوجهه ظاهر ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة الخامسة عشرة : اعلم أنه إن تزوجها ثم قذفها بعد النكاح قائلا : إنها زنت قبل أن يتزوجها . فإن أهل العلم اختلفوا هل له لعانها نظرا إلى أن القذف وقع وهي زوجته أو [ ص: 479 ] يحد لقذفها ولا يمكن من اللعان نظرا إلى أنها وقت الزنى الذي قذفها به أجنبية منه ، وليست بزوجة .
قال ابن قدامة في " المغني " : وإن قذفها بعد تزوجها بزنى أضافه إلى ما قبل النكاح حد ولم يلاعن ، سواء كان ثم ولد أو لم يكن ، وهو قول مالك وأبي ثور ، وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والشعبي ، وقال الحسن وزرارة بن أبي أوفى وأصحاب الرأي : له أن يلاعن ; لأنه قذف امرأته ، فيدخل في عموم قوله تعالى : والذين يرمون أزواجهم الآية ، ولأنه قذف امرأته فأشبه ما لو قذفها ولم يضفه إلى ما قبل النكاح ، وحكى الشريف أبو جعفر عن أحمد رواية أخرى كذلك ، وقال الشافعي : إن لم يكن ثم ولد لم يلاعن ، وإن كان بينهما ولد ففيه وجهان ، ولنا أنه قذفها قذفا مضافا إلى حال البينونة فأشبه ما لو قذفها وهي بائن وفارق قذف الزوجة ; لأنه محتاج إليه ، لأنها غاظته وخانته ، وإن كان بينهما ولد فهو محتاج إلى نفيه ، وهاهنا إذا تزوجها وهو يعلم زناها فهو المفرط في نكاح حامل من الزنى ، فلا يشرع له طريق إلى نفيه ، اهـ من " المغني " .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : أظهر الأقوال عندي في هذه المسألة أنه إن لم يكن ولد ، فلا يمكن الزوج من اللعان ، ويحد لقذفها إن لم يأت بأربعة شهداء ; لأنه قذفها وهي أجنبية ، فيدخل في عموم قوله تعالى : والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء الآية ، لأنه قاذف محصنة ليست بزوجة ، والنكاح الطارئ لا يغير الحكم الذي تقرر قبله كما ترى ، وإن كان هناك ولد يلحق به لو سكت ، وهو يعلم أنه ليس منه استنادا إلى بعض الأمور المسوغة لنفي الولد التي قدمناها أن له أن يلاعن لنفي الولد .
والحاصل : أنه له اللعان لنفي الولد لا لدفع الحد فيما يظهر لنا ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة السادسة عشرة : فيما لو قال لامرأته : أنت طالق ثلاثا يا زانية ، فقيل : يلاعن ، وقيل : لا يلاعن ; لأن القذف إنما وقع بعد البينونة بالثلاث على القول بالبينونة بها ، وهو قول جمهور أهل العلم منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم .
قال ابن قدامة في " المغني " : نقل مهنأ قال : سألت أحمد عن رجل قال لامرأته : أنت طالق يا زانية ثلاثا ، فقال : يلاعن ، قلت : إنهم يقولون يحد ، ولا يلزمها إلا واحدة ، قال : بئس ما يقولون فهذا يلاعن ; لأنه قذفها قبل الحكم ببينونتها ، فأشبه قذف الرجعية ، اهـ منه [ ص: 480 ] وله وجه من النظر ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة السابعة عشرة : فيما لو جاءت زوجته بولد فنفاه فصدقته الزوجة في أن الولد من غيره ، فعلى الزوجة حد الزنى .
واختلف أهل العلم هل ينتفي نسب الولد بتصادقهما بدون لعان ، أو لا ينتفي إلا بلعان ، وكلا القولين مروي عن مالك ، وأكثر الرواة عنه أنه لا ينتفي إلا بلعان .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : أظهر القولين عندي أنه لا ينتفي عن الزوج إلا بلعانه ، ولا يسقط حقه من لحوق نسبه بتصديق أمه للزوج ; لأن للولد حقا في لحوق نسبه فلا يسقط إلا بلعان الزوج ، وأما الزوجة فلا يصح منها اللعان في هذه الصورة ; لأنها مقرة بصدق الزوج في دعواه .
المسألة الثامنة عشرة : اعلم أن الأظهر عندنا فيمن قذف امرأته فطالبت بحده لقذفها فأقام شاهدين على إقرارها بالزنى الذي قذفها به أن حكم هذه المسألة مبني على الاختلاف في الإقرار بالزنى ، هل يثبت بشاهدين كغيره من سائر الأقارير أو لا يثبت إلا بأربعة شهود ، فمن قال : يثبت بشاهدين يلزم قوله : أن الرجل لا يحد لقذفها ; لأن إقرارها بالزنى ثبت بالشاهدين ، وعلى القول الآخر يحد ; لأن إقرارها لم يثبت ، هذا هو الأظهر عندنا ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة التاسعة عشرة : اعلم أن الأظهر أنهما إن شهدا عليه بأنه قذف امرأته وقذفهما أعني الشاهدين لم تقبل شهادتهما بقذف المرأة ; لأنهما لما ادعيا عليه أنه قذفهما صارا له عدوين ; لأن القذف يستوجب العداوة . قال ابن قدامة في " المغني " : فإن شهد شاهدان أنه قذف فلانة ، وقذفنا لم تقبل شهادتهما لاعترافهما بعداوته لهما ، وشهادة العدو لا تقبل على عدوه ، فإن أبرآه وزالت العداوة ثم شهدا عليه بذلك القذف لم تقبل لأنها ردت للتهمة ، فلم تقبل بعد كالفاسق إذا شهد فردت شهادته لفسقه ، ثم تاب وأعادها ، ولو أنهما ادعيا عليه أنه قذفهما ، ثم أبرآه وزالت العداوة ، ثم شهدا عليه بقذف زوجته قبلت شهادتهما ; لأنهما لم يردا في هذه الشهادة ، ولو شهدا أنه قذف امرأته ، ثم ادعيا بعد ذلك أنه قذفهما فإن أضافا دعواهما إلى ما قبل شهادتهما ، بطلت شهادتهما لاعترافهما أنه كان عدوا لهما حين شهدا عليه ، وإن لم يضيفاها إلى ذلك الوقت ، وكان ذلك قبل الحكم بشهادتهما لم يحكم بها ; لأنه لا يحكم عليه بشهادة عدوين ، وإن كانت بعد الحكم لم يبطل ; لأن الحكم تم قبل [ ص: 481 ] وجود المانع كظهور الفسق ، وإن شهدا أنه قذف امرأته وأمنا لم تقبل شهادتهما ، لأنها ردت في البعض للتهمة ، فوجب أن ترد للكل ، وإن شهدا على أبيهما أنه قذف ضرة أمهما قبلت شهادتهما ، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة والشافعي في الجديد ، وقال في القديم : لا تقبل ; لأنهما يجران إلى أمهما نفعا ، وهو أنه يلاعنها فتبين ويتوفر على أمهما وليس بشيء ; لأن لعانه لها ينبني على معرفته بزناها لا على الشهادة عليه بما لا يعترف به ، وإن شهدا بطلاق الضرة ، ففيه وجهان : أحدهما : لا تقبل ؛ لأنهما يجران إلى أمهما نفعا وهو توفيره على أمهما .
والثاني : تقبل ؛ لأنهما لا يجران إلى نفسهما نفعا ، اهـ من " المغني " ، وكله لا نص فيه ولا يخلو بعضه من خلاف ، والأظهر عدم قبول شهادتهما بطلاق ضرة أمهما ; لأنهما متهمان بجر النفع لأمهما ، لأن طلاق الضرة فيه نفع لضرتها كما لا يخفى وشهادة الإنسان بما ينفع أمه لا تخلو من تهمة كما ترى ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة العشرون : في اختلاف اللغات أو الأزمنة في القذف أو الإقرار به .
قال ابن قدامة في " المغني " : ولو شهد شاهد أنه أقر بالعربية أنه قذفها وشهد آخر أنه أقر بذلك بالعجمية ، تمت الشهادة; لأن الاختلاف في العربية والعجمية عائد إلى الإقرار دون القذف ، ويجوز أن يكون القذف واحدا والإقرار به في مرتين ، وكذلك لو شهد أحدهما أنه أقر يوم الخميس بقذفها ، وشهد آخر أنه أقر بذلك يوم الجمعة تمت الشهادة لما ذكرناه ، وإن شهد أحدهما أنه قذفها بالعربية وشهد الآخر أنه قذفها بالعجمية ، أو شهد أحدهما أنه قذفها يوم الخميس ، وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة أو شهد أحدهما أنه أقر أنه قذفها بالعربية أو بالعجمية ، أو شهد أحدهما أنه أقر بأنه قذفها بالعربية ، أو يوم الخميس وشهد الآخر أنه أقر أنه قذفها بالعجمية أو يوم الجمعة ، أو يوم الخميس ، وشهد الآخر أنه قذفها يوم الجمعة ، ففيه وجهان :
أحدهما : تكمل الشهادة وهو قول أبي بكر ومذهب أبي حنيفة ; لأن الوقت ليس ذكره شرطا في الشهادة ، وكذلك اللسان فلم يؤثر الاختلاف ; كما لو شهد أحدهما أنه أقر بقذفها يوم الخميس بالعربية ، وشهد الآخر أنه أقر بقذفها يوم الجمعة بالعجمية ، والآخر : لا تكمل الشهادة ، وهو مذهب الشافعي ; لأنهما قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما فلم يثبت ، كما لو شهد أحدهما أنه تزوجها يوم الخميس ، وشهد الآخر أنه تزوجها يوم الجمعة [ ص: 482 ] وفارق الإقرار بالقذف فإنه يجوز أن يكون المقر به واحدا أقر به في وقتين بلسانين ، انتهى من " المغني " .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : هذه المسألة هي المعروفة عند العلماء بالشهادة هل تلفق في الأفعال والأقوال ، أو لا تلفق ؟ وبعضهم يقول تلفق في الأقوال دون الأفعال ، وبعضهم يقول : تلفق فيهما ، والفرق بينهما ليس بظاهر ، وقولهم : هما قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما قد يقال فيه ، وكذلك الإقرار المختلف وقته أو لسانه هما إقراران لم تتم الشهادة على واحد منهما ، وهذه المسألة لا نص فيها وكل من الأقوال فيها له وجه من النظر ، والخلاف المذكور وعدم النص لا يبعد أن يكون شبهة تدرأ الحد ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة الواحدة والعشرون : اعلم أن الذي يظهر لنا أنه الصواب أن من نفى حمل امرأته بلعان أنه ينتفي عنه ، ولا يلزمه لعان آخر بعد وضعه ، وهذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى ، وبه تعلم أن قول أبي حنيفة - رحمه الله - ومن وافقه من أهل الكوفة ، وقول الخرقي ومن وافقه من الحنابلة أن الحمل لا يصح نفيه باللعان ، فلا بد من اللعان بعد الوضع ; لأن الحمل قبل الوضع غير محقق ; لاحتمال أن يكون ريحا خلاف التحقيق فيما يظهر لنا من انتفاء الحمل باللعان ، كما هو قول مالك والشافعي ومن وافقهم من أهل الحجاز ، كما نقله عنهم ابن قدامة في " المغني " ، وقصة هلال بن أمية - رضي الله عنه - صريحة في أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نفى عنه حمل امرأته باللعان ، ولم يلزمه بإعادة اللعان بعد الوضع ، والرواية التي توهم أن لعانه كان بعد الوضع أوضحنا الجواب عنها فيما تقدم بما أجاب به عنها ابن حجر في " الفتح " ، والعلم عند الله تعالى .
المسألة الثانية والعشرون : في حكم من قذف امرأته باللواط ، وقد أوضحنا في سورة " هود " ، في الكلام على قصة قوم لوط أقوال أهل العلم في عقوبة اللائط وبينا أن أقواها دليلا قتل الفاعل والمفعول به ، وعليه فلا حد بالقذف باللواط وإنما فيه التعزير ، وذكرنا قول من قال من أهل العلم : إن اللواط حكمه حكم الزنى وعلى هذا القول يلاعن القاذف باللواط ، وإن امتنع من اللعان حد ، والعلم عند الله تعالى .
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|