عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 22-11-2022, 05:24 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,251
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تأثر الأندلسيين بالمشارقة

تأثر الأندلسيين بالمشارقة


محمد حمادة إمام



ويَرى الحصري القيرواني، أن قول البحتري[17]: [من الوافر]


سَتَفْنَى مِثْلَ مَا تَفْنى وَتْبلَى ♦♦♦ كما تبلى فَيُدْرَكُ مِنْكَ ثَارُ

أخذه أبو القاسم بن هانئ، فقال: [من الكامل]
تفنَى النجوُمُ الزُّهْرُ طالعةً ♦♦♦ والنَّيِّرانِ الشمسُ والقَمَرُ
.... إلخ الأبيات، التي تبيِّن فناءه، وتؤكِّد على نسيان مَن حوله ذكرياتِه، والدليل على ذلك الشمس والقمر والنجوم، التي تفنَى، وتصير كأنْ لم يكُن لها قبْل وجودٌ، ربما يكُون مقصودهُ بالنجوم الشعرات البِيض التي تتخلَّل سوادَ الرأس.
وصُورته هذه عِظَة لمَن تكبَّر، وتجبَّر شبابًّا، ولم يعُد إلى صوابه ورشدِه أشْيَبَ، غيرَ منزجِر عن غيِّه، أو مطلَقِ جبروتِه وبطشِه، فإنْ لم يتجرَّأ عليه البشَر، ستنهال عليه نكبات الدَّهْر، وحوادثُ الزمان، ومَن تدبَّر في المصير، خاصَّة بعد المشيب، أيقَن بضعفه، وفاقتِه إلى بارئه سبحانه وتعالى، فابتعَد عن السعي وراء المظالم، والاستكثارِ من المعايب.

ويُلاحَظ أن البحتري أخذ معنى قوله، من محمود الوراق إذ يقول[18]: [من الطويل]
يُحِبُّ الفتى طُولَ البَقَاءِ كَأنَّه
على ثقةٍ أن البَقَاء بَقَاءُ

إذا ما طَوَى يومًا طَوَى اليومُ بَعْضَه
وَيطوِيهِ إنْ جَنَّ المساءُ مساءُ

..... إلخ
فهو – أي: البحتري - إذًا متأثِّر ومؤثِّر، والعبرة بالجديد، فنلمح أن المتأثرين ألبَسوا اللفظَ حُلَّة بهيَّةً، والمعنَى ثوبًا قشيبًا، وهو ما يُحسَب لهم، مع بقاء الفضل لمن سبَقَهم.

ولعل ابن هانئ متأثر أكثر بمعنى قوله تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ[19]، وقوله تعالى: ﴿ إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ[20]، وقوله تعالى: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ[21]، وكأنه مثل كثير مِن الأندلسيِّين، يُريد الإعلانَ عن ثقافتِه الدينية، والوقوفَ على مُشارِكٍ له في المحنة، وشبيهٍ في جُرح قلبِه، وأسَاهُ مِن جرَّاء المشيبِ ونَوَازِلِه.
ومعنى البحتري، يدُور حول كيان "الدنيا يومانِ: يوم لك، ويوم عليك"، فكما يُدين الإنسان يُدان، ثم يكُون في حيِّز النسيان.

وأصْدق شاهدٍ وأعْدله على إجادة الأندلسيِّين، وقدرَتهم على توليد المعنى الحسَن البكْر مِن اللفظ العقيم المستهلك - بتدويره، وتحوير معناه، والزيادة عليه بما يَرُوق ويُعْجب ويُتْحف - قصة[22] الأمير عبد الله مع أبي الأصبغ (ت 320هـ = 932م).

وهذا أبو العلاء صاعد[23] (ت 417هـ) يُجيب أبا حفص بن برد بأبيات منها[24]: [من البسيط]
لَبَّيْك أَلْفًا أبا حَفْصٍ، إِجابةَ مْن
يُدْلِي إِلَيْك بِوُدٍّ غيرِ مأشوبِ

أَبَعْدَ خَمْسٍ وسَبْعين اْلتَحفْت بها
حتىَّ قَرَعْتُ لهذا الدَّهْرِ ظُنْبُوبي

رَمَيْنَنِي بسهامٍ غير طائشةٍ
حُورٌ زرين عَلَى صُمِّ الأنابيبِ

يا مَنْ يُرقِّع بالآمالِ ما خَرَقَتْ
يَدَا الليالي قبيحٌ صَبْوةُ الشيبِ!

نادَيْتَني لِخيالٍ عَزَّ طائفُهُ
ألا ليومٍ عصيبٍ إذْ تُنَادِي بي!

حتّى أَقِيكَ شَدَا الأيامِ عن عَضُد ٍ
مُلَدَّدٍ وحُسَامٍ غَيْرِ مَخْشُوبِ

إيَّاك والموعدَ الخَوَّانَ تَقْبلُهُ
فلا أمانَةَ لِلُّعْسِ المخَاضِيبِ


إلى أن يقول:
فلا تَسُومَنَّ شيخًا طَارَ طَاِئرُهُ
سَوْمَ الشَّبيبةِ في لَهْوِ الخَراعِيبِ

وأنتَ مُنْفَردُ المِضْمَاِر مَنْصِلُهُ
غَمْرُ البَدِيهةِ رَوَّاضُ المَصاعِيبِ


فالبيب الأول - خاصة - من قول الشاعر[25]: [من الطويل]
قَرَعْتُ ظَنابيبَ الهوى، يومَ عاقل ♦♦♦ ويومَ الِّلوى حتَّى قَشَرْتُ الهوى قَشْرا
أي: "أَذْلَلْتهُ كما تقرع ظنبوبَ بعيرك، لِيتَنَوَّخَ لكَ فَتَرْكبَهُ".
فأبو العلاء صاعد يكشِف عن حُبِّه وتقديره لِصِنْوِهِ أبي حفص، ومع هذا فهو يتحسَّر على شبابه، ويجزَع مِن مَشِيبه، الذي حال بينه وبين أمانيِّ وآمال الماضي، وأتى على ملذَّاته، وأعظَم رُزْيَاه تنفيره الحِسَانَ اللائي صِدْنَه، وبالهجْر قَتَلْنَه، ثم يُبيِّن قُبْح، بل جُرْمَ الأشيَبِ الذي لم يتَّعِظ بشيبِه، ولم يُقْلع عن صَبْوَته وغيِّه، ويرى ابن بسام في الذخيرة أن قوله في الأبيات نفسِها:
إيَّاكَ والموعدَ الخوَّانَ تَقْبلُه ♦♦♦ فلا أمانة للعْسِ المخاضيبِ
مِن قول كثير[26]: [من الطويل]
وإِنْ حَلَفَتْ لا يَنقُضُ النأيُ عَهْدَها ♦♦♦ فليس لمخضوبِ البَنَانِ يمينُ
يُلاحَظ أن المعنى، أو الصورة متبايِنة، فأبو العلاء يحذِّر مِن مواعيد الحِسان، البارعات في الحسْن والدَّلال، فلا أمانة لهن، ولا وَعْد يُحتَرم مِن جانبِهن، ويبدو أنه عظيمُ اللدغ مِن سمومهن، ولذا فإنه قائمٌ على حربهن، وإظهارِ ما انطوَتْ عليه القلوب مِن أحقاد وأضغان، فأراد مِن بَنِي وُدِّه، وجنْسِه عدمَ الانخداع، والجريِ خلف التملُّق والزيف.

أما كثير، فإنه يُثْني على محبوبه بالتمسُّك بالعهد، وصدْق الوعْد، حتى بَعْد طولِ النأيِ والهجر، ولا ينسحب هذا على مَن سِوَاها مِن بَنِي جنسِها، إذ عادتهن الحنثُ في اليمين، وعدمُ الإخلاص لكبير أو صغير.

وكما تأثروا بمعاني بعضِهم البعض، تأثروا بمعاني القرآنِ الكريم، والسُّنَّة النبوية الشريفة[27]. هذا، ومِن تأثُّر الملوك ببعضهم البعض، تأثُّر سليمان الظافر بن الحكَم المستعين (354 - 407هـ) بالرشيد، في تصوير الحال مع الغواني، وبداية أبيات سليمان هي[28]: [من الكامل]
عجبًا يَهَابُ الليثُ حَدَّ سِناني ♦♦♦ وأهابُ لَحْظَ فَواترِ الأجفانِ
ومطلع أبيات الرشيد هو: [من الكامل]
مَلكَ الثَّلاثُ الآنساتُ عِناني ♦♦♦ وَحلَلْنَ مِنْ قَلْبي بِكُلِّ مَكَاني
يتعجَّب سليمان الظافر مِن نفسه، فيهابه البواسل الشجعان، ويقَع هو صريعَ لحْظ الحِسان، يُقارعُ بلا وَجَلٍ الخطوبَ والأهوال، ويَخْشى إعراضَ الغواني، وهجْر ذواتِ الدلال، ثم يأخذ في وصف مَن سَلَبْنَ لُبَّه، وأسَرْنَه، وأصَبْن قلبه، وترفَّعْن عليه.

وكأنه لِيمَ في الحُبِّ، وشِدَّةِ العِشق، وهو الملِك المرهوبُ الجانبِ، القويُّ الجولة، العظيم الصولة، فأبان عن أن هذا دَيْدَنُ بَني مروان، وشِعَار أهلِ الهوى، محبِّي الجَمال، وفي هذا نماء للعشق، وحفاظ على الحب.

أما الرشيد، فإنه يبيِّن أنهن استولَيْن على لبِّه، وحَلَلْن بكلِّ جزء مِن قلبه، فلم توجد منه ناحية إلا وفيها لهن حب، وَوَلَهٌ وعشْق، فهو المطاع من الخلائق، المطيع لهن، وهن مالكات لأوفى وأعزِّ سلطان، سلطان الهوى المتحكِّم في الجَنان.
كشف سلمان عن طبْع أهل مروان - وهو الحب - وميلهم نحو الحِسان، وعشقهم الجمال.
لقد اتَّسَم الأندلسيُّون بجودة الخاطرة، واتِّقاد الذِّهن، وصفائه، ورقة القلب، وحُسْن الصَّبِّ في القالب، فلم يجمُدوا عند المعنى، وأجادوا صياغته، مما يضاف لهم، ويُحْسَب.


[1] انظر: نفح الطيب حـ 3 / 38، 54.

[2] انظر: على مرافئ الأدب الأندلسي صـ 20، 21.

[3] انظر: الأدب الأندلسي بين التأثر والتأثير د / محمد رجب البيومي صـ 28، 29.

[4] انظر: دراسات في الأدب الأندلسي د / سعد... شلبي صـ 62، 63.

[5] في الجذوة صـ 277 كذلك، وفي تاريخ النقد الأدبي عند العرب د/ إحسان عباس صـ 477، دار الثقافة – بيروت. د. ت: " كان".

[6] انظر: الجذوة صـ 277، تاريخ النقد الأدبي د/ إحسان عباس صـ 477.

[7] انظر: في أدواح الأدب الأندلسي صـ 221 ـ 222.

[8] لم أقِف عليه في ديوانه، انظر الشعر والشعراء " لابن قتيبة "ت 276هـ = 899م" تحقيق وضبط د/ مفيد قميحة، مراجعة وضبط أ / نعيم زرزور صـ 64: 77 ط 2 دار الكتب العلمية. بيروت 1405هـ = 1985م.

[9] انظر: النابغة الجعدي وشعره صـ 34 د/ إبراهيم عوض، دار النهضة العربية 1414هـ - 1993م.

[10] انظر ديوانه: صـ 127. ضبط وتصحيح أ/ مصطفى عبد الشافي ط دار الكتب العلمية . بيروت د.ت. الشعر والشعراء صـ 65.

[11] انظر: الأدب المقارن د/ محمد غنيمي هلال صـ 106، 107 ط 3. مكتبة الأنجلو المصرية المطبعة العالمية. القاهرة سنة 1963م.

[12] انظر: ديوان الغزال تحقيق د/ الداية صـ 52، 53.

[13] انظر: المرجع السابق وصفحتيه.

[14] انظر: ديوان أبي نواس (145 – 199هـ) صـ 327، دار صادر. بيروت. د. ت. وديوان الغزال تحقيق د/ الداية صـ 52، 53.

[15] انظر ديوانه: صـ 298، 299 الذخيرة ق1ح1 صـ 65، في الأدب الأندلسي د/ محمد زكريا عناني صـ 84، 85.

[16] انظر ديوانه: صـ 77، جذوة المقتبس صـ 310، المغرب حـ 1 / 356، المعجب صـ 52.

[17] انظر: زهر الآداب حـ 1 صـ 224، 225، وأبيات ابن هانئ في ديوانه صـ 160 ط1 دار الأرقم بيروت شرح وضبط د/ عمر الطباع سنة 1418هـ = 1998م، وقول البحتري في ديوانه حـ 1 صـ 330 ط دار صادر. د. ت.

[18] انظر: ديوان محمود الوراق صـ 67. جمع ودراسة وتحقيق د/ وليد قصاب. مؤسسة الفنون 1412هـ = 1991م، وفيه: "وإنه..... على ثقة أن البقاء فناء"، زهر الآداب ج1 /224.

[19] سورة الرحمن: آية 26، 27.

[20] سورة التكوير: آية 1، 2.

[21] سورة الانفطار آية 1 / 2.

[22] انظر: الحُلة السيراء حـ 1 / 232: 236، تاريخ الأدب العربي د/ عمر فروخ حـ 4 / 162، 163، قضايا أندلسيَّة د/ بدير متولي حميد صـ 249، وهي في البحث في صورة المشيب والمنيَّة.

[23] يقول فيه ابن بسام: "كان أبو حفص في ذلك الأوان واسطة السلْك، وقطْب رحَى الملْك، استهل ببهائه وجلاله، ورفل في بُكره وآصاله، وبرز على نظرائه وأشكاله... توفي سنة 418هـ، انظر: الذخيرة ق1 ح 2 صـ 84، معجم الشعراء الأندلسيِّين صـ 61.

[24] انظر: الذخيرة. ق1 ح 1 / 109، 110.

[25] انظر: لسان العرب حـ 7 / 322.

[26] انظر: ديوان كثير عزة صـ، 363، 364، شرح قدري مايو. دار الجيل. بيروت ط 1 / 1416هـ = 1995م.

[27] انظر: الذخيرة ق1 ح 1 صـ 60، 61، فقد تأثر القسطلي بقصة موسى وابنتي شعيب – عليهم السلام؛ انظر: سورة القصص: آية 24 – والإشارة إلى تأثرهم بالقرآن والسُّنَّة منثورة في ثنايا البحث.

[28] انظر: جذوة المقتبس صـ 21، 22، بغية الملتمس صـ 25، 26، نفح الطيب حـ 1 / 430، 431.





__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.61 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.98 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.05%)]