عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 21-11-2022, 12:44 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,351
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 2155 الى صـ 2166
الحلقة (313)



[ ص: 2155 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[95] يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام

يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم أي: محرمون بحج أو عمرة.

قال المهايمي: لأن قتله تجبر. والمحرم في غاية التذلل. انتهى.

وذكر القتل دون الذبح والذكاة، للتعميم. أو للإيذان بكونه في حكم الميتة. والصيد: ما يصاد مأكولا أو غيره. ولا يستثنى إلا ما ثبت في "الصحيحين" عن عائشة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور» . وفي رواية: (الحية) بدل (العقرب).

قال زيد بن أسلم وابن عيينة: الكلب العقور يشمل السباع العادية كلها. ويستأنس لهذا بما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعا على عتبة بن أبي لهب قال: «اللهم سلط عليه كلبك» . فأكله السبع بالزرقاء.

ومن قتله منكم أيها المحرمون: متعمدا ذاكرا [ ص: 2156 ] لإحرامه: فجزاء بالتنوين ورفع ما بعده، أي: فعليه جزاء هو: مثل ما قتل من النعم أي: شبهه في الخلقة. وفي قراءة بإضافة (جزاء): يحكم به أي: بالمثل مجتهدان: ذوا عدل منكم لهما فطنة يميزان بها أشبه الأشياء به. وقد حكم ابن عباس وعمر وعلي رضي الله عنهم في النعامة ببدنة. وابن عباس وأبو عبيدة في بقر الوحش وحماره ببقرة. وابن عمر وابن عوف في الظبي بشاة. وحكم بها ابن عباس وعمر وغيرهما في الحمام؛ لأنه يشبهها في العب: هديا حال من (جزاء): بالغ الكعبة أي: يبلغ به الحرم. فيذبح فيه ويتصدق به على مساكينه. فلا يجوز أن يذبح حيث كان: أو عليه: كفارة غير الجزاء. وإن وجده. هي: طعام مساكين من غالب قوت البلد ما يساوي قيمة الجزاء. لكل مسكين مد. وفي قراءة بإضافة (كفارة) لما بعده، وهي للبيان: أو عليه: عدل مثل: ذلك الطعام: صياما يصوم، عن كل مد يوما: ليذوق أي: هاتك حرمة الله: وبال أمره أي: شدة وثقل هتكه لحرمة الإحرام. و (وليذوق) متعلق بالاستقرار في الجار والمجرور. أي: فعليه جزاء ليذوق أو بفعل يدل عليه الكلام. أي: شرع ذلك عليه ليذوق: عفا الله عما سلف من قتل الصيد قبل تحريمه ومن عاد إليه: فينتقم الله منه بطلب الجزاء في الدنيا والمعاقبة في الآخرة. وكيف يترك ذلك: والله عزيز غالب على أمره. ومقتضى عزته الانتقام من هاتك حرمته، فهو لا محالة: ذو انتقام ممن عصاه.

تنبيهات:

الأول: - روى ابن أبي حاتم عن طاوس قال: لا يحكم على من أصاب صيدا خطأ، إنما يحكم على من أصابه متعمدا.

قال ابن كثير: وهذا مذهب غريب. وهو تمسك بظاهر الآية.

ورأيت في بعض تفاسير الزيدية نسبة هذا القول إلى ابن عباس وعطاء ومجاهد وسالم وأبي ثور وابن جبير والحسن (في إحدى الروايتين)، والقاسم والهادي والناصر وغيرهم. انتهى.

[ ص: 2157 ] والجمهور: أن العامد والناسي سواء في وجوب الجزاء عليه.

وقال الزهري: دل الكتاب على العابد. وجرت السنة على الناسي.

الثاني: إذا لم يكن الصيد مثليا حكم ابن عباس بثمنه يحمل إلى مكة. رواه البيهقي.

الثالث: ذهب معظم الأئمة إلى التخيير في هذا المقام بين الجزاء والإطعام والصيام، لأنه بلفظ (أو) وحقيقتها التخيير.

وعن بعض السلف أن ذلك على الترتيب. قالوا: إنما دخلت (أو) لبيان أن الجزاء لا يعدو أحد هذه الأشياء، ولأنا وجدنا الكفارات من الظهار والقتل على الترتيب. قلنا: هذا معارض بكفارة اليمين وبدم الأذى، فلا يخرج عن حقيقة اللفظ وهو التخيير.

الرابع: تعلق بظاهر قوله تعالى: ومن عاد فينتقم الله منه من قال: لا كفارة على العائد؛ لأنه تعالى لم يذكرها. هو مروي عن ابن عباس وشريح. والجمهور: على وجوبها عليه؛ لأن وعيد العائد لا ينافي وجوب الجزاء عليه. وإنما لم يصرح به لعلمه فيما مضى. مع أن الآية يحتمل أن معناها: من عاد بعد التحريم إلى ما كان قبله.

الخامس: قال الحاكم: كما دلت الآية على الرجوع إلى ذوي العدل في المماثلة. ففي ذلك دلالة على جواز الاجتهاد وتصويب المجتهدين. وجواز تعليق الأحكام بغالب الظن. وجواز رجوع العامي إلى العالم، وأن عند التنازع في الأمور يجب الرجوع إلى أهل البصر... انتهى.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[96] أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما واتقوا الله الذي إليه تحشرون

أحل لكم خطاب للمحرمين: صيد البحر وطعامه قال المهايمي: إذ ليس فيه التجبر المنافي للتذلل الإحرامي. و: صيد البحر ما يصطاد منه طريا، و: وطعامه ما يتزود [ ص: 2158 ] منه مملحا يابسا، كذا في رواية عن ابن عباس. والمشهور عنه أن صيده ما أخذ منه حيا، وطعامه ما لفظه ميتا. قال ابن كثير: وهذا ما روي عن أبي بكر الصديق وزيد بن ثابت وعبد الله بن عمرو وأبي أيوب الأنصاري رضي الله عنهم، وعن غير واحد من التابعين.

وروى ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي بكر قال: طعامه: كل ما فيه.

وعن ابن المسيب: طعامه: ما لفظه حيا أو حسر عنه فمات.

متاعا لكم أي: تمتيعا للمقيمين منكم يأكلونه طريا: وللسيارة منكم يتزودونه قديدا.

و (السيارة) القوم يسيرون. أنث على الرفقة والجماعة.

تنبيهان:

الأول: قال ابن كثير: استدل الجمهور على حل ميتته بهذه الآية، وبما رواه الإمام مالك عن ابن وهب وابن كيسان عن جابر قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا قبل الساحل. فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة - قال: وأنا فيهم - قال: فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد. فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش. فجمع ذلك فكان مزودي تمر، قال: فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني ولم تصبنا إلا تمرة تمرة، فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال: لقد وجدنا فقدها حين فقدت. قال: ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت مثل الظرب. فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة. ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من أضلاعه فنصبا. ثم أمر براحلة فرحلت، ثم مرت تحتها ولم تصبها.

وهذا الحديث مخرج من "الصحيحين" وله طرق عن جابر. وفي "صحيح مسلم" [ ص: 2159 ] عن جابر: وتزودنا من لحمه وشائق. فلما قدمنا المدينة أتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه الله لكم. هل معكم من لحمه شيء فتطعمونا؟ قال: فأرسلنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منه فأكله.

وفي بعض روايات مسلم: أنهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم حين وجدوا هذه السمكة. فقال بعضهم: هي واقعة أخرى. وقال بعضهم: هي قضية واحدة، ولكن كانوا أولا مع النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعثهم سرية مع أبي عبيدة. فوجدوا هذه في سريتهم تلك مع أبي عبيدة. والله أعلم؟

وعن أبي هريرة: أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء. فإن توضأنا به عطشنا. أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» . رواه مالك والشافعي وأحمد وأهل السنن. وصححه البخاري والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وغيرهم.

[ ص: 2160 ] وعن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال» . رواه الشافعي وأحمد وابن ماجه والدارقطني والبيهقي، وله شواهد. وروي موقوفا. فهذه حجج الجمهور.

الثاني: احتج بهذه الآية أيضا من ذهب من الفقهاء إلى أنه يؤكل دواب البحر، ولم يستثن من ذلك شيئا. وقد تقدم عن الصديق أنه قال: طعامه: كل ما فيه. وقد استثنى بعضهم الضفادع، وأباح ما سواها، لما رواه الإمام أحمد وأبو داود عن أبي عبد الرحمن التيمي، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل الضفدع. وللنسائي عن عبد الله بن عمرو قال: «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الضفدع وقال: نقيقها تسبيح»

وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما أي: محرمين; فإذا اصطاد المحرم الصيد متعمدا أثم وغرم. أو مخطئا غرم وحرم عليه أكله؛ لأنه في حقه كالميتة: واتقوا الله في الاصطياد في الحرم أو في الإحرام، ثم حذرهم بقوله سبحانه: الذي إليه تحشرون أي: تبعثون فيجازيكم على أعمالكم.

[ ص: 2161 ] لطيفة:

قال المهايمي: إنما حرم الصيد على المحرم، لأنه قصد الكعبة التي حرم صيد حرمها، فجعل كالواصل إليه. وإنما حرم صيد حرمها لأنها مثال بيت الملك، لا يتعرض لما فيه أو في حرمه. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[97] جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم

جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس أي: مدارا لقيام أمر دينهم بالحج إليه، ودنياهم بأمن داخله وعدم التعرض له وجبي ثمرات كل شيء إليه.

قال المهايمي: جعله الله مقام التوجه إليه في عبادته للناس المتفرقين في العالم، ليحصل لهم الاجتماع الموجب للتألف، الذي يحتاجون إليه في تمدنهم، الذي به كمال معايشهم ومعاهدهم، لاحتياجهم إلى المعاونة فيهما.

والشهر الحرام بمعنى الأشهر الحرم - ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب - قياما لهم بأمنهم من القتال فيها. لأنه حرم فيها ليحصل التآلف فيها: والهدي وهو ما يهدى إلى مكة: والقلائد جمع قلادة. وهي ما يجعل في عنق البدنة التي تهدى وغيره. والمراد ب (القلائد) ذوات القلائد وهي البدن. خصت بالذكر لأن الثواب فيها أكثر، وبهاء الحج بها أظهر. والمفعول الثاني محذوف، ثقة بما مر، أي: جعل الهدي والقلائد أيضا قياما لهم؛ فإنهم كانوا يأمنون بسوق الهدي إلى البيت الحرام على أنفسهم. وفيه قوام لمعيشة الفقراء ثمت. وكذلك كانوا يأمنون إذا قلدوها أو قلدوا أنفسهم، عند الإحرام، من لحاء شجر [ ص: 2162 ] الحرم. فلا يتعرض لهم أحد: ذلك أي: الجعل المذكور: لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم فإن جعله ذلك لجلب المصالح لكم ودفع المضار عنكم قبل وقوعها، دليل على علمه بما هو في الوجود وما هو كائن.

وقد جود الرازي تقرير هذا المقام فأبدع، فلينظر.

وقوله تعالى: وأن الله بكل شيء عليم تعميم إثر تخصيص للتأكيد.

وقوله تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[98] اعلموا أن الله شديد العقاب وأن الله غفور رحيم

اعلموا أن الله شديد العقاب وعيد لمن انتهك محارمه أو أصر على ذلك: وأن الله غفور رحيم وعد لمن حافظ على مراعاة حرماته تعالى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[99] ما على الرسول إلا البلاغ والله يعلم ما تبدون وما تكتمون

ما على الرسول إلا البلاغ يعني: ليس على رسولنا الذي أرسلناه إليكم، إلا تبليغ ما أرسل به من الإنذار بما فيه قطع الحجج. وفي الآية تشديد في إيجاب القيام بما أمر به. وأن الرسول قد فرغ مما وجب عليه من التبليغ. وقامت عليكم الحجة، ولزمتكم الطاعة، فلا عذر لكم في التفريط: والله يعلم ما تبدون وما تكتمون من الخير والشر، فيجازيكم بذلك.
[ ص: 2163 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[100] قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث فاتقوا الله يا أولي الألباب لعلكم تفلحون

قل لا يستوي الخبيث والطيب حكم عام في نفي المساواة عند الله سبحانه وتعالى بين الرديء من الأشخاص والأعمال والأموال، وجيدها. قصد به الترغيب في صالح العمل وحلال المال: ولو أعجبك كثرة الخبيث فإن العبرة بالجودة والرداءة، دون القلة والكثرة. فإن المحمود القليل خير من المذموم الكثير. والخطاب عام لكل معتبر - أي: ناظر بعين الاعتبار - ولذلك قال: فاتقوا الله يا أولي الألباب أي: فاتقوه في تحري الخبيث وإن كثر. وآثروا الطيب وإن قل: لعلكم تفلحون أي: بمنازل القرب عنده تعالى المعد للطيبين.

تنبيهان:

الأول: - قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما زجر عن المعصية ورغب في الطاعة بقوله: اعلموا أن الله شديد العقاب الآية. ثم بما بعدها أيضا - أتبعه بنوع آخر من الترغيب والترهيب بقوله: قل لا يستوي الآية.. وذلك لأن الخبيث والطيب قسمان: أحدهما الذي يكون جسمانيا وهو ظاهر لكل أحد.

والثاني الذي يكون روحانيا. وأخبث الخبائث الروحانية الجهل والمعصية. وأطيب الطيبات الروحانية معرفة الله تعالى وطاعته. وذلك لأن الجسم الذي يلتصق به شيء من النجاسات يصير مستقذرا عند أرباب الطباع السليمة. فكذلك الأرواح الموصوفة بالجهل بالله والإعراض عن طاعته تصير مستقذرة عند الأرواح الكاملة المقدسة. وأما الأرواح العارفة بالله تعالى، المواظبة على خدمته، فإنها تصير مشرقة بأنوار المعارف الإلهية، مبتهجة بالقرب من الأرواح المقدسة الطاهرة. وكما أن الخبيث والطيب [ ص: 2164 ] في عالم الجسمانيات لا يستويان، فكذلك في عالم الروحانيات لا يستويان. بل المباينة بينهما في عالم الروحانيات أشد؛ لأن مضرة خبث الخبيث الجسماني شيء قليل ومنفعة طيبة مختصرة. وأما خبث الخبيث الروحاني فمضرته عظيمة دائمة أبدية. وطيب الطيب الروحاني فمنفعته عظيمة دائمة أبدية. وهو القرب من جوار رب العالمين، والانخراط في زمرة الملائكة المقربين، والمرافقة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فكان هذا من أعظم وجوه الترغيب في الطاعة والتنفير عن المعصية.

الثاني: قال بعض المفسرين: من ثمرة الآية أنه ينبغي إجلال الصالح وتمييزه على الطالح. وأن الحاكم إذا تحاكم إليه الكافر والمؤمن، ميز المؤمن في المجلس. انتهى.
القول في تأويل قوله تعالى:

[101] يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينـزل القرآن تبد لكم عفا الله عنها والله غفور حليم

يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا أي: نبيكم: عن أشياء إن تبد أي: تظهر: لكم تسؤكم لما فيها من المشقة: وإن تسألوا عنها حين ينـزل القرآن تبد لكم أي: وإن تسألوا عن أشياء نزل القرآن بها مجملة، فتطلبوا بيانها، تبين لكم حينئذ لاحتياجكم إليها. هذا وجه في الآية. وعليه ف (حين) ظرف ل (تسألوا).

وثمة وجه آخر: وهو جعل (حين) ظرفا ل (تبد)، والمعنى: وإن تسألوا عنها تبد لكم حين ينزل القرآن.

قال ابن القيم: والمراد ب (حين النزول) زمنه المتصل به، لا الوقت المقارن للنزول. وكأن في هذا إذنا لهم في السؤال عن تفصيل المنزل ومعرفته بعد إنزاله. ففيه رفع لتوهم المنع من السؤال عن الأشياء مطلقا. ثم قال: وثمة قول ثان في قوله تعالى: وإن تسألوا عنها إلخ، وهو أنه من باب التهديد والتحذير، أي: ما سألتم عنها في وقت نزول الوحي جاءكم [ ص: 2165 ] بيان ما سألتم عنه بما يسوءكم: والمعنى: لا تتعرضوا للسؤال عما يسوءكم بيانه، وإن تعرضتم له في زمن الوحي أبدي لكم. انتهى.

وقال بعضهم: إنه تعالى، بين أولا أن تلك الأشياء - التي سألوا عنها - إن أبديت لهم ساءتهم. ثم بين ثانيا أنهم إن سألوا عنها أبديت لهم. فكان حاصل الكلام: إن سألوا عنها أبديت لهم، وإن أبديت لهم ساءتهم، فيلزم من مجموع المقدمتين أنهم: إن سألوا عنها ظهر لهم ما يسوءهم ولا يسرهم.

قال العلامة أبو السعود: قوله تعالى: إن تبد لكم تسؤكم صفة ل (أشياء) داعية إلى الانتهاء عن السؤال عنها. وحيث كانت المساءة في هذه الشرطية معلقة بإبدائها، لا بالسؤال عنه، عقبت بشرطية أخرى ناطقة باستلزام السؤال عنها لإبدائها الموجب للمحذور قطعا. فقيل: وإن تسألوا عنها حين ينـزل القرآن تبد لكم أي: تلك الأشياء الموجبة للمساءة بالوحي، كما ينبئ عنه تقييد السؤال بحين التنزيل. والمراد به: ما يشق عليهم ويغمهم من التكاليف الصعبة التي لا يطيقون بها، والأسرار الخفية التي يفتضحون بظهورها، ونحو ذلك مما لا خير فيه. فكما أن السؤال عن الأمور الواقعة مستتبع لإبدائها، كذلك السؤال عن تلك التكاليف مستتبع لإيجابها عليهم بطريق التشديد، لإساءتهم الأدب واجترائهم على المسألة والمراجعة، وتجاوزهم عما يليق بشأنهم من الاستسلام لأمر الله عز وجل، من غير بحث فيه ولا تعرض لكيفيته وكميته. أي: لا تكثروا مساءلة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما لا يعنيكم من تكاليف شاقة عليكم - إن أفتاكم بها وكلفكم إياها حسبما أوحي إليه - لم تطيقوا بها، ونحو بعض أمور مستورة تكرهون بروزها.

عفا الله عنها أي: عن تلك الأشياء حين لم ينزل فيها القرآن ولم يوجبها عليكم توسعة عليكم. أو: عفا الله عن بيانها لئلا يسوءكم بيانها. فالجملة في موضع جر صفة أخرى ل: أشياء . أو المعنى: عفا الله عن مسائلكم السالفة، وتجاوز عن عقوبتكم الأخروية بمسائلكم، فلا تعودوا إلى مثلها. فالجملة حينئذ مستأنفة مبينة لأن نهيهم عنها لم يكن لمجرد [ ص: 2166 ] صيانتهم عن المساءة. بل لأنها في نفسها معصية مستتبعة للمؤاخذة وقد عفا عنها. وفيه من حثهم على الجد في الانتهاء عنها ما لا يخفى: والله غفور رحيم اعتراض تذييلي مقرر لعفوه تعالى، أي: مبالغ في مغفرة الذنوب. ولذا عفا عنكم ولم يؤاخذكم بما فرط منكم.
القول في تأويل قوله تعالى:

[102] قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين

قد سألها قوم من قبلكم أي: سألوا هذه المسألة، لكن لا عينها، بل مثلها في كونها محظورة ومستتبعة للوبال. وعدم التصريح بالمثل للمبالغة في التحذير: ثم أصبحوا بها كافرين أي: بسببها. حيث لم يمتثلوا ما أجيبوا به، ويفعلوه. وقد كان بنو إسرائيل يستفتون أنبياءهم عن أشياء، فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا. والمعنى: احذروا مشابهتهم والتعرض لما تعرضوا له.

تنبيهات:

الأول: روى البخاري في سبب نزولها في "التفسير" عن أبي الجويرية عن ابن عباس قال: كان قوم يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم استهزاء. فيقول الرجل: من أبي؟ ويقول الرجل، تضل ناقته: أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا حتى فرغ من الآية كلها.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 46.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 45.51 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.36%)]