عرض مشاركة واحدة
  #195  
قديم 17-11-2022, 06:03 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الموافقات - أبو إسحاق الشاطبي -----متجدد إن شاء الله


الموافقات
أبو إسحاق إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الشاطبي
الجزء الخامس
الحلقة (195)
صـ216 إلى صـ 230




وبائس الشخث وقد مر بيانه ، وقول ذي الرمة فيه : إن " بائس " و " يابس " واحد ، ومثل ذلك قوله : فأصبحت كالصريم [ القلم : 20 ] 4 [ ص: 216 ] فقيل : كالنهار بيضاء لا شيء فيها ، وقيل : كالليل سوداء لا شيء فيها ، فالمقصود شيء واحد وإن شبه بالمتضادين اللذين لا يتلاقيان .

والتاسع : أن يقع الخلاف في التأويل وصرف الظاهر عن مقتضاه إلى ما دل عليه الدليل الخارجي ، فإن مقصود كل متأول الصرف عن ظاهر اللفظ إلى وجه يتلاقى مع الدليل الموجب للتأويل ، وجميع التأويلات في ذلك سواء ، فلا خلاف في المعنى المراد ، وكثيرا ما يقع هذا في الظواهر الموهمة للتشبيه ، وتقع في غيرها كثيرا أيضا ، كتأويلاتهم في حديث خيار المجلس بناء على رأي مالك فيه ، وأشباه ذلك .

[ ص: 217 ] والعاشر : الخلاف في مجرد التعبير عن المعنى المقصود وهو متحد ، كما اختلفوا في الخبر ، هل هو منقسم إلى صدق وكذب خاصة ، أم ثم قسم ثالث ليس بصدق ولا كذب ؟ فهذا خلاف في عبارة ، والمعنى متفق عليه ، وكذلك الفرض والواجب يتعلق النظر فيهما مع الحنفية بناء على مرادهم فيهما .

قال القاضي عبد الوهاب في مسألة الوتر ، أواجب هو ؟ إن أرادوا به أن تركه حرام يجرح فاعله به ، فالخلاف بيننا وبينهم في معنى يصح أن تتناوله الأدلة ، وإن لم يريدوا ذلك وقالوا : لا يحرم تركه ، ولا يجرح فاعله ، فوصفه [ ص: 218 ] بأنه واجب خلاف في عبارة لا يصح الاحتجاج عليه ، وما قاله حق ، فإن العبارات لا مشاحة فيها ، ولا ينبني على الخلاف فيها حكم ، فلا اعتبار بالخلاف فيها .

هذه عشرة أسباب لعدم الاعتداد بالخلاف ، يجب أن تكون على بال من المجتهد ، ليقيس عليها ما سواها ، فلا يتساهل فيؤدي ذلك إلى مخالفة الإجماع .
فصل

وقد يقال : إن ما يعتد به من الخلاف في ظاهر الأمر يرجع في الحقيقة إلى الوفاق أيضا .

وبيان ذلك أن الشريعة راجعة إلى قول واحد كما تبين قبل هذا ، والاختلاف في مسائلها راجع إلى دورانها بين طرفين واضحين أيضا يتعارضان في أنظار المجتهدين ، وإلى خفاء بعض الأدلة وعدم الاطلاع عليه .

[ ص: 219 ] أما هذا الثاني فليس في الحقيقة خلافا ؛ إذ لو فرضنا اطلاع المجتهد على ما خفي عليه لرجع عن قوله ، فلذلك ينقض لأجله قضاء القاضي .

أما الأول : فالتردد بين الطرفين تحر لقصد الشارع المستبهم بينهما من كل واحد من المجتهدين ، واتباع للدليل المرشد إلى تعرف قصده ، وقد توافقوا في هذين القصدين توافقا لو ظهر معه لكل واحد منهم خلاف ما رآه لرجع إليه ، ولوافق صاحبه فيه ، فقد صار هذا القسم في المعنى راجعا إلى القسم الثاني ، فليس الاختلاف في الحقيقة إلا في الطريق المؤدي إلى مقصود الشارع الذي هو واحد ، إلا أنه لا يمكن رجوع المجتهد عما أداه إليه اجتهاده بغير بيان اتفاقا ، وسواء علينا أقلنا بالتخطئة أو قلنا بالتصويب ، إذ لا يصح للمجتهد أن يعمل على [ ص: 220 ] قول غيره وإن كان مصيبا أيضا ، كما لا يجوز له ذلك إن كان عنده مخطئا ، فالإصابة على قول المصوبة إضافية ، فرجع القولان إلى قول واحد بهذا الاعتبار ، فإذا كان كذلك فهم في الحقيقة متفقون لا مختلفون .

ومن هنا يظهر وجه الموالاة والتحاب والتعاطف فيما بين المختلفين في مسائل الاجتهاد ، حتى لم يصيروا شيعا ولا تفرقوا فرقا ؛ لأنهم مجتمعون على طلب قصد الشارع ، فاختلاف الطرق غير مؤثر ، كما لا اختلاف بين المتعبدين لله بالعبادات المختلفة ، كرجل تقربه الصلاة ، وآخر تقربه الصيام ، وآخر تقربه الصدقة ، إلى غير ذلك من العبادات ، فهم متفقون في أصل التوجه لله المعبود ، وإن اختلفوا في أصناف التوجه ، فكذلك المجتهدون لما كان قصدهم إصابة مقصد الشارع صارت كلمتهم واحدة وقولهم واحدا ؛ ولأجل ذلك لا يصح لهم ولا لمن قلدهم التعبد بالأقوال المختلفة كما تقدم ؛ لأن التعبد بها راجع إلى اتباع الهوى ، لا إلى تحري مقصد الشارع ، والأقوال ليست بمقصودة لأنفسها ، بل ليتعرف منها المقصد المتحد ، فلا بد أن يكون التعبد متحد الوجهة وإلا لم يصح ، والله أعلم .
[ ص: 221 ] فصل

وبهذا يظهر أن الخلاف - الذي هو في الحقيقة خلاف - ناشئ عن الهوى المضل لا عن تحري قصد الشارع باتباع الأدلة على الجملة والتفصيل ، وهو الصادر عن أهل الأهواء ، وإذا دخل الهوى أدى إلى اتباع المتشابه حرصا على الغلبة والظهور بإقامة العذر في الخلاف ، وأدى إلى الفرقة والتقاطع والعداوة والبغضاء ، لاختلاف الأهواء وعدم اتفاقها ، وإنما جاء الشرع بحسم مادة الهوى بإطلاق ، وإذا صار الهوى بعض مقدمات الدليل لم ينتج إلا ما فيه اتباع الهوى ، وذلك مخالفة الشرع ، ومخالفة الشرع ليست من الشرع في شيء ، فاتباع الهوى من حيث يظن أنه اتباع للشرع ضلال في الشرع ، ولذلك سميت البدع ضلالات ، وجاء " إن كل بدعة ضلالة " ؛ لأن صاحبها مخطئ من حيث توهم أنه مصيب ، ودخول الأهواء في الأعمال خفي ، فأقوال أهل الأهواء غير معتد بها في الخلاف المقرر في الشرع ، فلا خلاف حينئذ في مسائل الشرع من هذه الجهة .

فإن قيل : هذا مشكل ، فإن العلماء قد اعتدوا بها في الخلاف الشرعي ، ونقلوا أقوالهم في علمي الأصول ، وفرعوا عليها الفروع ، واعتبروهم في [ ص: 222 ] الإجماع والاختلاف ، وهذا هو الاعتداد بأقوالهم .

فالجواب من وجهين :

أحدهما : أنا لا نسلم أنهم اعتدوا بها ، بل إنما أتوا بها ليردوها ، ويبينوا فسادها ، كما أتوا بأقوالاليهود والنصارى وغيرهم ليوضحوا ما فيها ، وذلك في علمي الأصول معا بين ، وما يتفرع عنها مبني عليها .

والثاني : إذا سلم اعتدادهم بها ، فمن جهة أنهم غير متبعين للهوى بإطلاق ، وإنما المتبع للهوى على الإطلاق من لم يصدق بالشريعة رأسا ، وأما من صدق بها وبلغ فيها مبلغا يظن به أنه غير متبع إلا مقتضى الدليل يصير إلى حيث أصاره ، فمثله لا يقال فيه : إنه متبع للهوى مطلقا ، بل هو متبع للشرع ، ولكن بحيث يزاحمه الهوى في مطالبه من جهة اتباع المتشابه ، فشارك أهل الهوى في دخول الهوى في نحلته ، وشارك أهل الحق في أنه لا يقبل إلا ما عليه دليل على الجملة .

وأيضا ، فقد ظهر منهم اتحاد القصد على الجملة مع أهل الحق في مطلب واحد ، وهو اتباع الشريعة ، وأشد مسائل الخلاف مثلا مسألة إثبات الصفات ، حيث نفاها من نفاها فإنا إذا نظرنا إلى الفريقين وجدنا كل فريق حائما حول حمى التنزيه ونفي النقائص وسمات الحدوث ، وهو مطلوب الأدلة ، فاختلافهم في الطريق قد لا يخل بهذا القصد في الطرفين معا ، وهكذا إذا اعتبرت سائر المسائل الأصولية .

وإلى هذا فإن منها ما يشكل وروده ويعظم خطب الخوض فيه ؛ ولهذا [ ص: 223 ] لم يظهر من الشارع خروجهم عن الإسلام بسبب بدعهم .

وأيضا ، فإنهم لما دخلوا في غمار المسلمين ، وارتسموا في مراسم المجتهدين منهم بحسب ظاهر الحال ، وكان الشارع في غالب الأمر قد أشار إلى عدم تعيينهم ، ولم يتميزوا إلا بحسب الاجتهاد في بعضهم ، ومدارك الاجتهاد تختلف - لم يمكن والحال هذه إلا حكاية أقوالهم ، والاعتداد بتسطيرها ، والنظر فيها ، واعتبارهم في الوفاق والخلاف ليستمر النظر فيه ، وإلا أدى إلى عدم الضبط ، ولهذا تقرير في كتاب الإجماع ، فلما اجتمعت هذه الأمور ، نقل خلافهم .

وفي الحقيقة ، فمن جهة ما اتفقوا فيه مع أهل الحق حصل التآلف ، ومن جهة ما اختلفوا حصلت الفرقة ، وإذا كان كذلك ، فجهة الائتلاف لا خلاف فيها في الحقيقة ، لصحتها واتحاد حكمها ، وجهة الاختلاف هم مخطئون فيها قطعا ، فصارت أقوالهم زلات لا اعتبار بها في الخلاف ، فالاتفاق حاصل إذا على كل تقدير .

فالحاصل من مجموع هذه المسألة أن كلمة الإسلام متحدة على الجملة في كل مسألة شرعية ، ولولا الإطالة لبسط هذا الموضع بأدلته التفصيلية وأمثلته الشافية ، ولكن ما ذكر فيها كاف ، والله الموفق للصواب .
[ ص: 224 ] المسألة الثالثة عشرة

مر الكلام فيما يفتقر إليه المجتهد من العلوم ، وأنه إذا حصلها فله الاجتهاد بالإطلاق .

وبقي النظر في المقدار الذي إذا وصل إليه فيها توجه عليه الخطاب بالاجتهاد بما أراه الله ، وذلك أن طالب العلم إذا استمر في طلبه مرت عليه أحوال ثلاثة :

أحدها : أن يتنبه عقله إلى النظر فيما حفظ ، والبحث عن أسبابه ، وإنما ينشأ هذا عن شعور بمعنى ما حصل ، لكنه مجمل بعد ، وربما ظهر له في بعض أطراف المسائل جزئيا لا كليا ، وربما لم يظهر بعد ، فهو ينهي البحث نهايته ومعلمه عند ذلك يعينه بما يليق به في تلك الرتبة ، ويرفع عنه أوهاما وإشكالات تعرض له في طريقه ، يهديه إلى مواقع إزالتها ويطارحه في الجريان على مجراه ، مثبتا قدمه ، ورافعا وحشته ، ومؤدبا له حتى يتسنى له النظر والبحث على الصراط المستقيم .

فهذا الطالب حين بقائه هنا ، ينازع الموارد الشرعية وتنازعه ، ويعارضها وتعارضه ، طمعا في إدراك أصولها ، والاتصال بحكمها ومقاصدها ، ولم تتلخص له بعد - لا يصح منه الاجتهاد فيما هو ناظر فيه ؛ لأنه لم يتخلص له مستند الاجتهاد ، ولا هو منه على بينة بحيث ينشرح صدره بما يجتهد فيه ، فاللازم له الكف والتقليد .

[ ص: 225 ] والثاني : أن ينتهي بالنظر إلى تحقيق معنى ما حصل على حسب ما أداه إليه البرهان الشرعي ، بحيث يحصل له اليقين ، ولا يعارضه شك ، بل تصير الشكوك - إذا أوردت عليه - كالبراهين الدالة على صحة ما في يديه ، فهو يتعجب من المتشكك في محصوله كما يتعجب من ذي عينين لا يرى ضوء النهار ، لكنه استمر به الحال إلى أن زل محفوظه عن حفظه حكما ، وإن كان موجودا عنده ، فلا يبالي في القطع على المسائل ، أنص عليها أو على خلافها أم لا .

فإذا حصل الطالب على هذه المرتبة ، فهل يصح منه الاجتهاد في الأحكام الشرعية أم لا ؟ هذا محل نظر والتباس ، ومما يقع فيه الخلاف .

[ ص: 226 ] وللمحتج للجواز أن يقول : إن المقصود الشرعي إذا كان هذا الطالب قد صار له أوضح من الشمس ، وتبينت له معاني النصوص الشرعية حتى التأمت ، وصار بعضها عاضدا للبعض ، ولم يبق عليه في العلم بحقائقها مطلب ، فالذي حصل عنده هو كلية الشريعة ، وعمدة النحلة ، ومنبع التكليف ، فلا عليه أنظر في خصوصياتها المنصوصة أو مسائلها الجزئية أم لا ، إذ لا يزيده النظر في ذلك زيادة ، إذ لو كان كذلك لم يكن واصلا بعد إلى هذه المرتبة ، وقد فرضناه واصلا ، هذا خلف .

ووجه ثان ، وهو أن النظر في الجزئيات والمنصوصات إنما مقصوده التوصل إلى ذلك المطلوب الكلي الشرعي ، حتى يبني عليه فتياه ، ويرد إليه حكم اجتهاده ، فإذا كان حاصلا فالتنزل إلى الجزئيات طلب لتحصيل الحاصل ، وهو محال .

ووجه ثالث ، وهو أن كلي المقصود الشرعي إنما انتظم له من التفقه في الجزئيات والخصوصيات وبمعانيها ترقى إلى ما ترقى إليه ، فإن تكن في الحال [ ص: 227 ] غير حاكمة عنده لاستيلاء المعنى الكلي ، فهي حاكمة في الحقيقة ؛ لأن المعنى الكلي منها انتظم ، ولأجل ذلك لا تجد صاحب هذه المرتبة يقطع بالحكم بأمر إلا وقامت له الأدلة الجزئية عاضدة وناصرة ، ولو لم يكن كذلك لم تعضده ولا نصرته ، فلما كان كذلك ثبت أن صاحب هذه المرتبة متمكن جدا من الاستنباط والاجتهاد ، وهو المطلوب .

وللمانع أن يحتج على المنع من أوجه :

- منها أن صاحب هذه المرتبة إذا فاجأته حقائقها ، وتعاضدت مراميها ، واتصل له بالبرهان ما كان منها عنده مقطوعا حتى صارت الشريعة في حقه أمرا متحدا ، ومسلكا منتظما ، لا يزل عنه من مواردها فرد ، ولا يشذ له عن الاعتبار منها خاص إلا وهو مأخوذ بطرف لا بد من اعتباره عن طرف آخر لا بد أيضا من اعتباره ؛ إذ قد تبين في كتاب الأدلة أن اعتبار الكلي مع اطراح الجزئي خطأ كما في العكس ، وإذا كان كذلك لم يستحق من هذا حاله أن يترقى إلى درجة الاجتهاد حتى يكمل ما يحتاج إلى تكميله .

ومنها : أن للخصوصيات خواص يليق بكل محل منها ما لا يليق بمحل [ ص: 228 ] آخر كما في النكاح مثلا ، فإنه لا يسوغ أن يجري مجرى المعاوضات من كل وجه ، كما أنه لا يسوغ أن يجري مجرى الهبات والنحل من كل وجه ، وكما في مال العبد ، وثمرة الشجرة ، والقرض ، والعرايا ، وضرب الدية على العاقلة ، والقراض ، والمساقاة ، بل لكل باب ما يليق به ، ولكل خاص خاصية تليق به لا تليق بغيره ، وكما في الترخصات في العبادات ، والعادات ، وسائر الأحكام .

وإذا كان كذلك - وقد علمنا أن الجميع يرجع مثلا إلى حفظ الضروريات ، والحاجيات ، والتكميليات - فتنزيل حفظها في كل محل على وجه واحد لا يمكن ، بل لا بد من اعتبار خصوصيات الأحوال والأبواب ، وغير ذلك من الخصوصيات الجزئية ، فمن كانت عنده الخصوصيات في حكم التبع الحكمي ، لا في حكم المقصود العيني بحسب كل نازلة ، فكيف يستقيم له جريان ذلك الكلي ، وأنه هو مقصود الشارع ؟ هذا لا يستمر مع الحفظ على مقصود الشارع .

- ومنها : أن هذه المرتبة يلزمها إذا لم يعتبر الخصوصيات ألا يعتبر محالها ، وهي أفعال المكلفين ، بل كما يجري الكليات في كل جزئية على [ ص: 229 ] الإطلاق يلزمه أن يجريها في كل مكلف على الإطلاق من غير اعتبار بخصوصياتهم ، وهذا لا يصح كذلك على ما استمر عليه الفهم في مقاصد الشارع ، فلا يصح مع هذا إلا اعتبار خصوصيات الأدلة ، فصاحب هذه المرتبة لا يمكنه التنزل إلى ما تقتضيه رتبة المجتهد ، فلا يستقيم مع هذا أن يكون من أهل الاجتهاد .

وإذا تقرر أن لكل احتمال مأخذا كانت المسألة بحسب النظر الحقيقي فيها باقية الإشكال .

ومن أمثلة هذه المرتبة مذهب من نفى القياس جملة ، وأخذ بالنصوص على الإطلاق ، ومذهب من أعمل القياس على الإطلاق ولم يعتبر ما خالفه من الأخبار جملة ، فإن كل واحد من الفريقين غاص به الفكر في منحى شرعي مطلق عام اطرد له في جملة الشريعة اطرادا لا يتوهم معه في الشريعة نقص ولا تقصير ، بل على مقتضى قوله : اليوم أكملت لكم دينكم [ المائدة : 3 ] .

[ ص: 230 ] فصاحب الرأي يقول : الشريعة كلها ترجع إلى حفظ مصالح العباد ودرء مفاسدهم ، وعلى ذلك دلت أدلتها عموما وخصوصا ، دل على ذلك الاستقراء ، فكل فرد جاء مخالفا فليس بمعتبر شرعا ؛ إذ قد شهد الاستقراء بما يعتبر مما لا يعتبر ، لكن على وجه كلي عام ، فهذا الخاص المخالف يجب رده وإعمال مقتضى الكلي العام ؛ لأن دليله قطعي ، ودليل الخاص ظني ، فلا يتعارضان .

والظاهري يقول : الشريعة إنما جاءت لابتلاء المكلفين أيهم أحسن عملا ، ومصالحهم تجري على حسب ما أجراها الشارع ، لا على حسب أنظارهم ، فنحن من اتباع مقتضى النصوص على يقين في الإصابة ، من حيث إن الشارع إنما تعبدنا بذلك ، واتباع المعاني رأي ، فكل ما خالف النصوص منه غير معتبر ؛ لأنه أمر خاص مخالف لعام الشريعة ، والخاص الظني لا يعارض العام القطعي .

فأصحاب الرأي جردوا المعاني ، فنظروا في الشريعة بها ، واطرحوا خصوصيات الألفاظ ، والظاهرية جردوا مقتضيات الألفاظ ، فنظروا في الشريعة بها ، واطرحوا خصوصيات المعاني القياسية ، ولم تتنزل واحدة من الفرقتين إلى النظر فيما نظرت فيه الأخرى بناء على كلي ما اعتمدته في فهم الشريعة .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.14 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 29.51 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.08%)]