عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 15-11-2022, 06:51 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,628
الدولة : Egypt
افتراضي رد: فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام


فتح العليم العلام الجامع لتفسير ابن تيمية الإمام علم الأعلام وشيخ الإسلام
المؤلف:شيخ الاسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية.
سُورَةُ النساء
المجلد السادس
الحلقة( 217)

من صــ 21 الى صـ 30


وبعدهم حدثت الجهمية. وكان القدر: قد حدث أهله قبل ذلك في خلافة عبد الله بن الزبير بعد موت معاوية ولهذا تكلم فيهم ابن عمر وابن عباس - رضي الله عنهم - وغيرهما. وابن عباس مات قبل ابن الزبير. وابن عمر مات عقب موته وعقب ذلك تولى الحجاج العراق سنة بضع وسبعين. فبقي الناس يخوضون في القدر بالحجاز والشام والعراق وأكثره: كان بالشام والعراق بالبصرة وأقله: كان بالحجاز. ثم لما حدثت المعتزلة - بعد موت الحسن وتكلم في المنزلة بين المنزلتين وقالوا بإنفاذ الوعيد وخلود أهل التوحيد في النار وأن النار لا يخرج منها من دخلها. وهذا تغليظ على أهل الذنوب - ضموا إلى ذلك القدر. فإن به يتم التغليظ على أهل الذنوب. ولم يكن الناس إذ ذاك قد أحدثوا شيئا من نفي الصفات.
إلى أن ظهر الجعد بن درهم وهو أولهم فضحى به خالد بن عبد الله القسري وقال " أيها الناس ضحوا. تقبل الله ضحاياكم. فإني مضح بالجعد بن درهم. إنه زعم: أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا ولم يكلم موسى تكليما. تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا " ثم نزل فذبحه. وهذا كان بالعراق. ثم ظهر جهم بن صفوان من ناحية المشرق من ترمذ. ومنها ظهر رأي جهم. ولهذا كان علماء السنة والحديث بالمشرق: أكثر كلاما في رد مذهب جهم من أهل الحجاز والشام والعراق مثل إبراهيم بن طهمان وخارجة بن مصعب ومثل عبد الله بن المبارك وأمثالهم - وقد تكلم في ذمهم - وابن الماجشون وغيرهما وكذلك الأوزاعي وحماد بن زيد وغيرهم. وإنما اشتهرت مقالتهم من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل وغيره من علماء السنة.

فإنهم في إمارة المأمون قووا وكثروا. فإنه كان قد أقام بخراسان مدة. واجتمع بهم. ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثماني عشرة ومائتين. وفيها مات. وردوا أحمد بن حنبل إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين. وفيها كانت محنته مع المعتصم ومناظرته لهم في الكلام. فلما رد عليهم ما احتجوا به عليه وبين أن لا حجة لهم في شيء من ذلك وأن طلبهم من الناس أن يوافقوهم وامتحانهم إياهم: جهل وظلم. وأراد المعتصم إطلاقه. فأشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه حتى لا تنكسر حرمة الخلافة مرة بعد مرة. فلما ضربوه قامت الشناعة عليهم في العامة وخافوا الفتنة. فأطلقوه. وكان أحمد بن أبي دؤاد قد جمع له نفاة الصفات القائلين بخلق القرآن من جميع الطوائف. فجمع له مثل أبي عيسى محمد بن عيسى برغوث من أكابر النجارية أصحاب حسين النجار. وأئمة السنة - كابن المبارك وأحمد، وإسحاق والبخاري وغيرهم - يسمون جميع هؤلاء: جهمية. وصار كثير من المتأخرين - من أصحاب أحمد وغيرهم - يظنون أن خصومه كانوا المعتزلة. ويظنون أن بشر بن غياث المريسي - وإن كان قد مات قبل محنة أحمد وابن أبي دؤاد ونحوهما - كانوا معتزلة. وليس كذلك.
بل المعتزلة كانوا نوعا من جملة من يقول القرآن مخلوق. وكانت الجهمية أتباع جهم والنجارية أتباع حسين النجار والضرارية أتباع ضرار بن عمرو والمعتزلة هؤلاء يقولون: القرآن مخلوق. وبسط هذا له موضع آخر. والمقصود هنا: أن جهما اشتهر عنه نوعان من البدعة. أحدهما:نفي الصفات،
والثاني: الغلو في القدر والإرجاء. فجعل الإيمان مجرد معرفة القلب. وجعل العباد لا فعل لهم ولا قدرة. وهذان مما غلت المعتزلة في خلافه فيهما. وأما الأشعري: فوافقه على أصل قوله ولكن قد ينازعه منازعات لفظية. وجهم لم يثبت شيئا من الصفات - لا الإرادة ولا غيرها - فهو إذا قال: إن الله يحب الطاعات ويبغض المعاصي. فمعنى ذلك عنده: الثواب والعقاب. وأما الأشعري: فهو يثبت الصفات - كالإرادة - فاحتاج حينئذ أن يتكلم في الإرادة: هل هي المحبة أم لا؟ وأن المعاصي: هل يحبها الله أم لا؟ فقال: إن المعاصي يحبها الله ويرضاها كما يريدها. وذكر أبو المعالي الجويني: أنه أول من قال ذلك وأن أهل السنة قبله كانوا يقولون: إن الله لا يحب المعاصي. وذكر الأشعري في الموجز: أنه قد قال ذلك قبله طائفة سماهم. أشك في بعضهم.
وشاع هذا القول في كثير من الصوفية ومشايخ المعرفة والحقيقة فصاروا يوافقون جهما في مسائل الأفعال والقدر وإن كانوا مكفرين له في مسائل الصفات كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب كتاب " ذم الكلام " فإنه من المبالغين في ذم الجهمية لنفيهم الصفات. وله كتاب " تكفير الجهمية " ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث. وربما كان يلعنهم.

وقد قال له بعض الناس - بحضرة نظام الملك - أتلعن الأشعرية؟ فقال: ألعن من يقول: ليس في السموات إله ولا في المصحف قرآن ولا في القبر نبي. وقام من عنده مغضبا. ومع هذا فهو في مسألة إرادة الكائنات وخلق الأفعال: أبلغ من الأشعرية. لا يثبت سببا ولا حكمة بل يقول: إن مشاهدة العارف الحكم لا تبقى له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة. والحكم عنده: هي المشيئة. لأن العارف المحقق - عنده - هو من يصل إلى مقام الفناء. فيفنى عن جميع مراداته بمراد الحق. وجميع الكائنات مرادة له. وهذا هو الحكم عنده. و " الحسنة " و " السيئة " يفترقان في حظ العبد لكونه ينعم بهذه ويعذب بهذه. والالتفات إلى هذا هو من حظوظ النفس. ومقام الفناء ليس فيه إلا مشاهدة مراد الحق.

وهذه المسألة وقعت في زمن الجنيد كما ذكر ذلك في غير موضع. وبين لهم الجنيد الفرق الثاني. وهو أنهم - مع مشاهدة المشيئة العامة - لا بد لهم من مشاهدة الفرق بين ما يأمر الله به وما ينهى عنه وهو الفرق بين ما يحبه وما يبغضه. وبين لهم الجنيد كما قال في التوحيد: هو إفراد الحدوث عن القدم. فمن سلك مسلك الجنيد من أهل التصوف والمعرفة كان قد اهتدى ونجا وسعد. ومن لم يسلك في القدر مسلكه بل سوى بين الجميع: لزمه أن لا يفرق بين الحسنات والسيئات وبين الأنبياء والفساق. فلا يقول: إن الله يحب هؤلاء وهذه الأعمال.
ولا يبغض هؤلاء وهذه الأعمال. بل جميع الحوادث: هو يحبها كما يريدها كما قاله الأشعري. وإنما الفرق: أن هؤلاء ينعمون. وهؤلاء يعذبون. والأشعري لما أثبت الفرق بين هذا وهذا - بالنسبة إلى المخلوق - كان أعقل منهم. فإن هؤلاء يدعون: أن العارف الواصل إلى مقام الفناء لا يفرق بين هذا وهذا.
وهم غلطوا في حق العبد وحق الرب. أما في حق العبد: فيلزمهم أن تستوي عنده جميع الحوادث. وهذا محال قطعا. وهم قد تمر عليهم أحوال يفنون فيها عن أكثر الأشياء. أما الفناء عن جميعها: فممتنع. فإنه لا بد أن يفرق كل حي بين ما يؤلمه وبين ما يلذه. فيفرق بين الخبز والتراب والماء والشراب. فهؤلاء: عزلوا الفرق الشرعي الإيماني الرحماني الذي به فرق الله بين أوليائه وأعدائه. وظنوا أنهم مع الجمع القدري.
وعلى هذا: فإن تسوية العبد بين جميع الحوادث ممتنع لذاته بل لا بد للعبد من أن يفرق. فإن لم يفرق بالفرق الشرعي - فيفرق بين محبوب الحق ومكروهه وبين ما يرضاه وما يسخطه - وإلا فرق بالفرق الطبعي بهواه وشيطانه. فيحب ما تهواه نفسه وما يأمر به شيطانه. ومن هنا: وقع منهم خلق كثير في المعاصي. وآخرون في الفسوق. وآخرون في الكفر. حتى جوزوا عبادة الأصنام. ثم كثير منهم من ينتقل إلى وحدة الوجود. وهم الذين خالفوا الجنيد وأئمة الدين في التوحيد. فلم يفرقوا بين القديم والمحدث. وهؤلاء صرحوا بعبادة كل موجود. كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع. وهو قول أهل الوحدة كابن عربي الحاتمي وابن سبعين والقونوي والتلمساني والبلياني وابن الفارض وأمثالهم. والمقصود هنا: الكلام على من نفى الحكم والعدل والأسباب في القدر بين أهل الكلام والمتصوفة الذين وافقوا جهما في هذا الأصل. وهو بدعته الثانية التي اشتهرت عنه بخلاف الإرجاء.

فإنه منسوب إلى طوائف غيره. فهؤلاء يقولون: إن الرب يجوز أن يفعل كل ما يقدر عليه ويمكن فعله من غير مراعاة حكمة ولا رحمة ولا عدل. ويقولون: إن مشيئته هي محبته. ولهذا تجد من اتبعهم: غير معظم للأمر والنهي والوعد والوعيد بل هو منحل عن الأمر الشرعي كله أو عن بعضه أو متكلف لما يعتقده أو يعلمه. فإنهم أرادوا: أن الجميع بالنسبة إلى الرب سواء وأن كل ما شاءه فقد أحبه. وأنه يحدث ما يحدثه بدون أسباب يخلقه بها ولا حكمة يسوقه إليها بل غايته: أنه يسوق المقادير إلى المواقيت.

لم يبق عندهم فرق في نفس الأمر بين المأمور والمحظور. بل وافقوا جهما ومن قال بقوله - كالأشعري - في أنه في نفس الأمر: لا حسن ولا سيئ. وإنما الحسن والقبح: مجرد كونه مأمورا به ومحظورا. وذلك فرق يعود إلى حظ العبد. وهؤلاء يدعون الفناء عن الحظوظ. فتارة: يقولون في امتثال الأمر والنهي: إنه من مقام التلبيس أو ما يشبه هذا. كما يوجد في كلام أبي إسماعيل الهروي صاحب منازل السائرين.
وتارة يقولون: يفعل هذا لأهل المارستان أي العامة. كما يقوله الشيخ المغربي إلى أنواع ليس هذا موضع بسطها. ومن يسلك مسلكهم: غايته - إذا عظم الأمر والنهي - أن يقول كما نقل عن الشاذلي: يكون الجمع في قلبك مشهودا. والفرق على لسانك موجودا. ولهذا يوجد في كلامه وكلام غيره: أقوال وأدعية وأحزاب تستلزم تعطيل الأمر والنهي. مثل أن يدعو: أن يعطيه الله إذا عصاه أعظم مما يعطيه إذا أطاعه ونحو هذا مما يوجب أنه يجوز عنده: أن يجعل الذين اجترحوا السيئات كالذين آمنوا وعملوا الصالحات بل أفضل منهم. ويدعون بأدعية فيها اعتداء كما يوجد في حزب الشاذلي. وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع. وآخرون من عوام هؤلاء يجوزون: أن يكرم الله بكرامات أكابر الأولياء من يكون فاجرا بل كافرا. ويقولون: هذه موهبة وعطية يعطيها الله من يشاء. ما هي متعلقة لا بصلاة ولا بصيام. ويظنون أن تلك من كرامات الأولياء

. وتكون كراماتهم: من الأحوال الشيطانية التي يكون مثلها للسحرة والكهان. قال الله تعالى {ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون} {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت}. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه}.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 30.85 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.23 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.04%)]