عرض مشاركة واحدة
  #6  
قديم 14-11-2022, 12:21 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,519
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ طَه
الحلقة (379)
صــ 283 إلى صــ 290



قوله تعالى : " وأشركه في أمري " ; أي : في النبوة معي ، " كي نسبحك " ; أي : نصلي لك ، " ونذكرك " بألسنتنا حامدين لك على ما أوليتنا من نعمك ، " إنك كنت بنا بصيرا " ; أي : عالما ; إذ خصصتنا بهذه النعم . [ ص: 283 ]
قال قد أوتيت سؤلك يا موسى ولقد مننا عليك مرة أخرى إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى واصطنعتك لنفسي اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري .

قوله تعالى : " قال قد أوتيت سؤلك " قال ابن قتيبة ; أي : طلبتك ، وهو ( فعل ) من ( سألت ) ; أي : أعطيت ما سألت .

قوله تعالى : " ولقد مننا عليك " ; أي : أنعمنا عليك ، " مرة أخرى " قبل هذه المرة . ثم بين متى كانت بقوله : " إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى " ; أي : ألهمناها ما يلهم مما كان سببا لنجاتك ، ثم فسر ذلك بقوله : " أن اقذفيه في التابوت " وقذف الشيء : الرمي به .

فإن قيل : ما فائدة قوله : " ما يوحى " وقد علم ذلك ؟ فقد ذكر عنه ابن الأنباري جوابين :

أحدهما : أن المعنى : أوحينا إليها الشيء الذي يجوز أن يوحى إليها ; إذ ليس كل الأمور يصلح وحيه إليها ; لأنها ليست بنبي ، وذلك أنها ألهمت .

والثاني : أن " ما يوحى " أفاد توكيدا ، كقوله : فغشاها ما غشى [ النجم : 54 ] [ ص: 284 ]

قوله تعالى : " فليلقه اليم " قال ابن الأنباري : ظاهر هذا الأمر ، ومعناه معنى الخبر ، تأويله : يلقيه [ اليم ] ، ويجوز أن يكون البحر مأمورا بآلة ركبها الله تعالى فيه ، فسمع وعقل ، كما فعل ذلك بالحجارة والأشجار . فأما الساحل : فهو شط البحر . " يأخذه عدو لي وعدو له " يعني : فرعون . قال المفسرون : اتخذت أمه تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ، ووضعت فيه موسى وأحكمت بالقار شقوق التابوت ، ثم ألقته في النيل ، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون ، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية ، إذا بالتابوت ، فأمر الغلمان والجواري بأخذه ، فلما فتحوه رأوا صبيا من أصبح الناس وجها ، فلما رآه فرعون أحبه حبا شديدا ، فذلك قوله : " وألقيت عليك محبة مني " ، [ قال أبو عبيدة : ومعنى " ألقيت عليك " ; أي : جعلت لك محبة مني ] . قال ابن عباس : أحبه وحببه إلى خلقه ، فلا يلقاه أحد إلا أحبه من مؤمن وكافر . وقال قتادة : كانت في عينيه ملاحة ، فما رآه أحد إلا حبه .

قوله تعالى : " ولتصنع على عيني " وقرأ أبو جعفر : ( ولتصنع ) بسكون اللام والعين والإدغام . قال قتادة : لتغذى على محبتي وإرادتي . قال أبو عبيدة : على ما أريد وأحب . قال ابن الأنباري : هو من قول العرب : غذي فلان على عيني ; أي : على المحبة مني . وقال غيره : لتربى وتغذى بمرأى مني ، يقال : صنع الرجل جاريته : إذا رباها ، وصنع فرسه : إذا داوم على علفه ومراعاته ، والمعنى : ولتصنع على عيني ، قدرنا مشي أختك وقولها : " هل أدلكم على من يكفله " ; لأن هذا كان من أسباب تربيته على ما أراد الله عز وجل . فأما أخته ، فقال مقاتل : اسمها مريم . قال الفراء : وإنما اقتصر على ذكر المشي ، [ ص: 285 ] ولم يذكر أنها مشت حتى دخلت على آل فرعون ، فدلتهم على الظئر ; لأن العرب تجتزئ بحذف كثير من الكلام وبقليله ، إذا كان المعنى معروفا ، ومثله قوله : أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون [ يوسف : 45 ] ، ولم يقل : فأرسل حتى دخل على يوسف .

قال المفسرون : سبب مشي أخته أن أمه قالت لها : قصيه ، فاتبعت موسى على أثر الماء ، فلما التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة ، فقالت لهم أخته : " هل أدلكم على من يكفله " ; أي : يرضعه ويضمه إليه ، فقيل لها : ومن هي ؟ فقالت : أمي ، قالوا : وهل لها لبن ؟ قالت : لبن أخي هارون ، وكان هارون أسن من موسى بثلاث سنين فأرسلوها ، فجاءت بالأم فقبل ثديها ، فذلك قوله : " فرجعناك إلى أمك " ; أي : رددناك إليها ، " كي تقر عينها " بك وبرؤيتك . " وقتلت نفسا " يعني : القبطي الذي وكزه فقضى عليه ، وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى ، " فنجيناك من الغم " وكان مغموما مخافة أن يقتل به ، فنجاه الله بأن هرب إلى مدين ، " وفتناك فتونا " فيه ثلاثة أقوال :

أحدها : اختبرناك اختبارا ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس .

والثاني : أخلصناك إخلاصا ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد .

والثالث : ابتليناك ابتلاء ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال قتادة . وقال الفراء : ابتليناك بغم القتيل ابتلاء . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ، قال : الفتون : وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها ، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال ، ثم إلقاؤه في البحر ، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه ، ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله ، ثم تناوله الجمرة بدل [ ص: 286 ] الدرة ، ثم قتله القبطي ، ثم خروجه إلى مدين خائفا ، وكان ابن عباس يقص هذه القصص على سعيد بن جبير ، ويقول له عند كل ثلاثة : وهذا من الفتون يابن جبير . فعلى هذا يكون " فتناك " : خلصناك من تلك المحن ، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث . والفتون مصدر .

قوله تعالى : " فلبثت سنين " تقدير الكلام : فخرجت إلى أهل مدين . ومدين : بلد شعيب ، وكان على ثماني مراحل من مصر ، فهرب إليه موسى . وقيل : مدين : اسم رجل ، وقد سبق هذا [ الأعراف : 86 ] .

وفي قدر لبثه هناك قولان :

أحدهما : عشر سنين ، قاله ابن عباس ومقاتل .

والثاني : ثماني وعشرون سنة ، عشر منهن مهر امرأته ، وثماني عشرة أقام حتى ولد له ، قاله وهب .

قوله تعالى : " ثم جئت على قدر " ; أي : جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك ، وكان ذلك على رأس أربعين سنة ، وهو الوقت الذي يوحى فيه إلى الأنبياء ، هذا قول الأكثرين . وقال الفراء : " على قدر " ; أي : على ما أراد الله به من تكليمه .

قوله تعالى : " واصطنعتك لنفسي " ; أي : اصطفيتك واختصصتك ، والاصطناع : اتخاذ الصنيعة ، وهو الخير تسديه إلى إنسان . وقال ابن عباس : اصطفيتك لرسالتي ووحيي ، " اذهب أنت وأخوك بآياتي " وفيها ثلاثة أقوال :

أحدها : أنها العصا واليد ، وقد يذكر الاثنان بلفظ الجمع .

والثاني : العصا ، واليد ، وحل العقدة التي ما زال فرعون وقومه يعرفونها ، ذكرهما ابن الأنباري . [ ص: 287 ]

والثالث : الآيات التسع . والأول أصح .

قوله تعالى : " ولا تنيا " قال ابن قتيبة : لا تضعفا ولا تفترا ، يقال : وني يني في الأمر ، وفيه لغة أخرى : وني يونى .

وفي المراد بالذكر هاهنا قولان :

أحدهما : أنه الرسالة إلى فرعون . والثاني : أنه القيام بالفرائض والتسبيح والتهليل .
اذهبا إلى فرعون إنه طغى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى .

قوله تعالى : " اذهبا إلى فرعون " فائدة تكرار الأمر بالذهاب التوكيد . وقد فسرنا قوله : إنه طغى [ طه : 24 ] .

قوله تعالى : " فقولا له قولا لينا " وقرأ أبو عمران الجوني وعاصم الجحدري : ( لينا ) بإسكان الياء ; أي : لطيفا رفيقا .

وللمفسرين فيه خمسة أقوال :

أحدها : قولا له : قل : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، رواه خالد بن معدان عن معاذ ، والضحاك عن ابن عباس .

والثاني : أنه قوله : هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى [ النازعات : 18 ، 19 ] ، قاله أبو صالح عن ابن عباس ، وبه قال مقاتل . [ ص: 288 ]

والثالث : كنياه ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال السدي . فأما اسمه فقد ذكرناه في ( البقرة : 49 ) ، وفي كنيته أربعة أقوال : أحدها : أبو مرة ، رواه عكرمة عن ابن عباس . والثاني : أبو مصعب ، ذكره أبو سليمان الدمشقي . والثالث : أبو العباس . والرابع : أبو الوليد ، حكاهما الثعلبي .

والقول الرابع : قولا له : إن لك ربا وإن لك معادا ، وإن بين يديك جنة ونارا ، قاله الحسن .

والخامس : أن القول اللين : أن موسى أتاه فقال له : تؤمن بما جئت به وتعبد رب العالمين على أن لك شبابك فلا تهرم ، وتكون ملكا لا ينزع منك حتى تموت ، فإذا مت دخلت الجنة ، فأعجبه ذلك ; فلما جاء هامان أخبره بما قال موسى ، فقال : قد كنت أرى أن لك رأيا ، أنت رب أردت أن تكون مربوبا ؟ فقلبه عن رأيه ، قاله السدي . وحكي عن يحيى بن معاذ أنه قرأ هذه الآية ، فقال : إلهي هذا رفقك بمن يقول : أنا إله ، فكيف رفقك بمن يقول : أنت إله .

قوله تعالى : " لعله يتذكر أو يخشى " قال الزجاج : " لعل " في اللغة : ترج وطمع ، تقول : لعلي أصير إلى خير ، فخاطب الله عز وجل العباد بما يعقلون . والمعنى عند سيبويه : اذهبا على رجائكما وطمعكما . والعلم من الله تعالى من وراء ما يكون ، وقد علم أنه لا يتذكر ولا يخشى ، إلا أن الحجة إنما تجب عليه بالآية والبرهان ، وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب ، ولا تدري أيقبل منها أم لا ، وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم ، ومعنى " لعل " متصور في أنفسهم ، وعلى تصور ذلك تقوم الحجة . قال ابن الأنباري : ومذهب الفراء في هذا : كي يتذكر . وروى خالد بن معدان عن معاذ ، قال : والله ما كان فرعون ليخرج من الدنيا حتى [ ص: 289 ] يتذكر أو يخشى لهذه الآية ، وإنه تذكر وخشي لما أدركه الغرق . وقال كعب : والذي يحلف به كعب ، إنه لمكتوب في التوراة : فقولا له قولا لينا وسأقسي قلبه فلا يؤمن . قال المفسرون : كان هارون يومئذ غائبا بمصر ، فأوحى الله تعالى إلى هارون أن يتلقى موسى ، فتلقاه على مرحلة ، فقال له موسى : إن الله تعالى أمرني أن آتي فرعون ، فسألته أن يجعلك معي ; فعلى هذا يحتمل أن يكونا حين التقيا قالا : ربنا إننا نخاف . قال ابن الأنباري : ويجوز أن يكون القائل لذلك موسى وحده ، وأخبر الله عنه بالتثنية لما ضم إليه هارون ، فإن العرب قد توقع التثنية على الواحد ، فتقول : يا زيد قوما ، يا حرسي اضربا عنقه .

قوله تعالى : " أن يفرط علينا " وقرأ عبد الله بن عمرو ، وابن السميفع ، وابن يعمر ، وأبو العالية : ( أن يفرط ) برفع الياء وكسر الراء . وقرأ عكرمة وإبراهيم النخعي : ( أن يفرط ) بفتح الياء والراء . وقرأ أبو رجاء العطاردي وابن محيصن : ( أن يفرط ) برفع الياء وفتح الراء . قال الزجاج : المعنى : أن يبادر بعقوبتنا ، يقال : قد فرط منه أمر ; أي : قد بدر ، وقد أفرط في الشيء : إذا اشتط فيه ، وفرط في الشيء : إذا قصر ، ومعناه كله : التقدم في الشيء ; لأن الفرط في اللغة : المتقدم ، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : " أنا فرطكم على الحوض " [ ص: 290 ]

قوله تعالى : " أو أن يطغى " فيه قولان :

أحدهما : يستعصي ، قاله مقاتل . والثاني : يجاوز الحد في الإساءة إلينا . قال ابن زيد : نخاف أن يعجل علينا قبل أن نبلغه كلامك وأمرك .

قوله تعالى : " إنني معكما " ; أي : بالنصرة والعون ، " أسمع " أقوالكم ، " وأرى " أفعالكم . قال الكلبي : أسمع جوابه لكما ، وأرى ما يفعل بكما .

قوله تعالى : " فأرسل معنا بني إسرائيل " ; أي : خل عنهم ، " ولا تعذبهم " وكان يستعملهم في الأعمال الشاقة ، " قد جئناك بآية من ربك " قال ابن عباس : هي العصا . قال مقاتل : أظهر اليد في مقام والعصا في مقام .

قوله تعالى : " والسلام على من اتبع الهدى " قال مقاتل : على من آمن بالله . قال الزجاج : وليس يعني به التحية ، وإنما معناه : أن من اتبع الهدى سلم من عذاب الله وسخطه ، والدليل على أنه ليس بسلام ، أنه ليس بابتداء لقاء وخطاب .

قوله تعالى : " على من كذب " ; أي : بما جئنا به وأعرض عنه .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 43.97 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 43.34 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.43%)]