عرض مشاركة واحدة
  #373  
قديم 14-11-2022, 12:06 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,582
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ مَرْيَمَ
الحلقة (373)
صــ 235 إلى صــ 242



ومن موجبات الحسرة ما روي عن ابن مسعود، قال: ليس من نفس يوم القيامة إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة وبيت في النار، ثم يقال - يعني: لهؤلاء -: لو عملتم، ولأهل الجنة: لولا أن من الله عليكم . [ ص: 235 ]

ومن موجبات الحسرة قطع الرجاء عند إطباق النار على أهلها .

قوله تعالى: " إذ قضي الأمر " قال ابن الأنباري: " قضي " في اللغة بمعنى: أتقن وأحكم، وإنما سمي الحاكم قاضيا لإتقانه وإحكامه ما ينفذ . وفي الآية اختصار، والمعنى: إذ قضي الأمر الذي فيه هلاكهم .

وللمفسرين في الأمر قولان:

أحدهما: أنه ذبح الموت، قاله ابن جريج والسدي . والثاني: أن المعنى: قضي العذاب لهم، قاله مقاتل .

قوله تعالى: " وهم في غفلة " ; أي: هم في الدنيا في غفلة عما يصنع بهم ذلك اليوم، " وهم لا يؤمنون " بما يكون في الآخرة .

قوله تعالى: " إنا نحن نرث الأرض " ; أي: نميت سكانها فنرثها، " ومن عليها وإلينا يرجعون " بعد الموت .

فإن قيل: ما الفائدة في " نحن " وقد كفت عنها " إنا " ؟

فالجواب: أنه لما جاز في قول المعظم: ( إنا نفعل )، أن يوهم أن أتباعه فعلوا، أبانت " نحن " بأن الفعل مضاف إليه حقيقة .

فإن قيل: فلم قال: " ومن عليها " ، وهو يرث الآدميين وغيرهم ؟

فالجواب: أن " من " تختص أهل التمييز، وغير المميزين يدخلون في معنى الأرض ويجرون مجراها، ذكر الجوابين عن السؤالين ابن الأنباري .
واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا [ ص: 236 ] يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا .

قوله تعالى: " واذكر في الكتاب إبراهيم " ; أي: اذكر لقومك قصته . وقد سبق معنى الصديق في [ النساء: 69 ] .

قوله تعالى: " ولا يغني عنك شيئا " ; أي: لا يدفع عنك ضرا .

قوله تعالى: " إني قد جاءني من العلم " بالله والمعرفة " ما لم يأتك " .

قوله تعالى: " لا تعبد الشيطان " ; أي: لا تطعه فيما يأمر به من الكفر والمعاصي . وقد شرحنا معنى " كان " آنفا . و " عصيا " ; أي: عاصيا، فهو ( فعيل ) بمعنى ( فاعل ) .

قوله تعالى: " إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن " قال مقاتل: في الآخرة . وقال غيره: في الدنيا . " فتكون للشيطان وليا " ; أي: قرينا في عذاب الله، فجرت المقارنة مجرى الموالاة . وقيل: إنما طمع إبراهيم في إيمان أبيه ; لأنه [ ص: 237 ] حين خرج من النار قال له: نعم الإله إلهك يا إبراهيم، فحينئذ أقبل يعظه، فأجابه أبوه: " أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم " ; أي: أتارك عبادتها أنت ؟ " لئن لم تنته " عن عيبها وشتمها، " لأرجمنك " وفيه قولان:

أحدهما: بالشتم والقول، قاله ابن عباس ومجاهد .

والثاني: بالحجارة حتى تتباعد عني، قاله الحسن .

قوله تعالى: " واهجرني مليا " فيه قولان:

أحدهما: اهجرني طويلا، رواه ميمون بن مهران عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والفراء، والأكثرون . قال ابن قتيبة: اهجرني حينا طويلا، ومنه يقال: تمليت حبيبك .

والثاني: اجتنبني سالما قبل أن تصيبك عقوبتي، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال قتادة والضحاك، فعلى هذا يكون من قولهم: فلان ملي بكذا وكذا: إذا كان مضطلعا به، فالمعنى: اهجرني وعرضك وافر، وأنت سليم من أذاي، قاله ابن جرير .

قوله تعالى: " قال سلام عليك " ; أي: سلمت من أن أصيبك بمكروه، وذلك أنه لم يؤمر بقتاله على كفره، " سأستغفر لك ربي " فيه قولان:

أحدهما: أن المعنى: سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته .

والثاني: أنه وعده الاستغفار، وهو لا يعلم أن ذلك محظور في حق المصرين على الكفر، ذكرهما ابن الأنباري .

قوله تعالى: " إنه كان بي حفيا " فيه ثلاثة أقوال: [ ص: 238 ]

أحدها: لطيفا، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال ابن زيد والزجاج .

والثاني: رحيما، رواه الضحاك عن ابن عباس .

والثالث: بارا عودني منه الإجابة إذا دعوته، قاله ابن قتيبة .

قوله تعالى: " وأعتزلكم " ; أي: وأتنحى عنكم، وأعتزل " ما تدعون من دون الله " يعني: الأصنام .

وفي معنى " تدعون " قولان:

أحدهما: تعبدون .

والثاني: أن المعنى: وما تدعونه ربا، " وأدعو ربي " ; أي: وأعبده، " عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا " ; أي: أرجو أن لا أشقى بعبادته كما شقيتم أنتم بعبادة الأصنام ; لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم . " فلما اعتزلهم " قال المفسرون: هاجر عنهم إلى أرض الشام، فوهب الله له إسحاق ويعقوب، فآنس الله وحشته عن فراق قومه بأولاد كرام . قال أبو سليمان: وإنما وهب له إسحاق ويعقوب بعد إسماعيل .

قوله تعالى: " وكلا " ; أي: وكلا من هذين . وقال مقاتل: " وكلا " يعني: إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، " جعلناه نبيا " .

قوله تعالى: " ووهبنا لهم من رحمتنا " قال المفسرون: المال والولد، والعلم والعمل، " وجعلنا لهم لسان صدق عليا " قال ابن قتيبة: أي: ذكرا حسنا في الناس مرتفعا، فجميع أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته ويثنون عليهم، فوضع اللسان مكان القول ; لأن القول يكون باللسان . [ ص: 239 ]
واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا .

قوله تعالى: " إنه كان مخلصا " قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو ، وابن عامر، والمفضل عن عاصم: ( مخلصا ) بكسر اللام . وقرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم بفتح اللام . قال الزجاج: ( المخلص ) بكسر اللام: الذي وحد الله وجعل نفسه خالصة في طاعة الله غير دنسه، و( المخلص ) بفتح اللام: الذي أخلصه الله وجعله مختارا خالصا من الدنس .

قوله تعالى: " وكان رسولا " قال ابن الأنباري: إنما أعاد " كان " لتفخيم شأن النبي المذكور .

قوله تعالى: " وناديناه من جانب الطور " ; أي: من ناحية الطور، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه زبير . قال ابن الأنباري: [ إنما ] خاطب الله العرب بما يستعملون في لغتهم، ومن كلامهم: عن يمين القبلة وشمالها، يعنون: مما يلي يمين المستقبل لها وشماله، فنقلوا الوصف إلى ذلك اتساعا عند انكشاف المعنى ; لأن الوادي لا يد له فيكون له يمين . وقال المفسرون: جاء النداء عن يمين موسى ; فلهذا قال: " الأيمن " ، ولم يرد به يمين الجبل .

قوله تعالى: " وقربناه نجيا " قال ابن الأنباري: معناه: مناجيا، فعبر [ ص: 240 ] ( فعيل ) عن ( مفاعل )، كما قالوا: فلان خليطي وعشيري، يعنون: مخالطي ومعاشري . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: " وقربناه " ، قال: حتى سمع صريف القلم حين كتب له في الألواح .

قوله تعالى: " ووهبنا له من رحمتنا " ; أي: من نعمتنا عليه إذ أجبنا دعاءه حين سأل أن نجعل معه أخاه وزيرا له .
واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا ورفعناه مكانا عليا .

قوله تعالى: " إنه كان صادق الوعد " هذا عام فيما بينه وبين الله، وفيما بينه وبين الناس . وقال مجاهد: لم يعد ربه بوعد قط إلا وفى له به .

فإن قيل: كيف خص بصدق الوعد إسماعيل، وليس في الأنبياء من ليس كذلك ؟

فالجواب: أن إسماعيل عانى [ في الوفاء ] بالوعد ما لم يعانه غيره من الأنبياء، فأثنى عليه بذلك . وذكر المفسرون: أنه كان بينه وبين رجل ميعاد، فأقام ينتظره مدة فيها لهم ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه أقام حولا، قاله ابن عباس . والثاني: اثنين وعشرين يوما، قاله الرقاشي . والثالث: ثلاثة أيام، قاله مقاتل .

قوله تعالى: " وكان رسولا " إلى قومه، وهم جرهم . " وكان يأمر أهله " قال مقاتل: يعني: قومه . وقال الزجاج: أهله: جميع أمته . فأما الصلاة والزكاة فهما العبادتان المعروفتان . [ ص: 241 ]

قوله تعالى: " ورفعناه مكانا عليا " فيه أربعة أقوال:

أحدها: أنه في السماء الرابعة، روى البخاري ومسلم في " الصحيحين " من حديث مالك بن صعصعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث المعراج: أنه رأى إدريس في السماء الرابعة، وبهذا قال أبو سعيد الخدري، ومجاهد، وأبو العالية .

والثاني: أنه في السماء السادسة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الضحاك .

والثالث: أنه في الجنة، قاله زيد بن أسلم، وهذا يرجع إلى الأول ; لأنه قد روي أن الجنة في السماء الرابعة .

والرابع: أنه في السماء السابعة، حكاه أبو سليمان الدمشقي .

وفي سبب صعوده إلى السماء ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه كان يصعد له من العمل مثل ما يصعد لجميع بني آدم، فأحبه ملك الموت، فاستأذن الله في خلته، فأذن له، فهبط إليه في صورة آدمي، [ ص: 242 ] وكان يصحبه، فلما عرفه قال: إني أسألك حاجة، قال: ما هي ؟ قال: تذيقني الموت، فلعلي أعلم ما شدته، فأكون له أشد استعدادا، فأوحى الله إليه أن اقبض روحه ساعة ثم أرسله، ففعل، ثم قال: كيف رأيت ؟ قال: كان أشد مما بلغني عنه، وإني أحب أن تريني النار . قال: فحمله فأراه إياها، قال: إني أحب أن تريني الجنة، فأراه إياها، فلما دخلها طاف فيها، قال له ملك الموت: اخرج، فقال: والله لا أخرج حتى يكون الله تعالى يخرجني، فبعث الله ملكا فحكم بينهما، فقال: ما تقول يا ملك الموت ؟ فقص عليه ما جرى، فقال: ما تقول يا إدريس ؟ قال: إن الله تعالى قال: كل نفس ذائقة الموت [ آل عمران: 185 ] وقد ذقته، وقال: وإن منكم إلا واردها [ مريم: 71 ] وقد وردتها، وقال لأهل الجنة: وما هم منها بمخرجين [ الحجر: 48 ] ; فوالله لا أخرج حتى يكون الله يخرجني، فسمع هاتفا من فوقه يقول: بإذني دخل وبأمري فعل، فخل سبيله، هذا معنى ما رواه زيد بن أسلم مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم .

فإن سأل سائل فقال: من أين لإدريس هذه الآيات وهي في كتابنا ؟ فقد ذكر ابن الأنباري عن بعض العلماء، قال: كان الله تعالى قد أعلم إدريس بما ذكر في القرآن من وجوب الورود، وامتناع الخروج من الجنة، وغير ذلك، فقال ما قاله بعلم .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 42.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 41.45 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.49%)]