عرض مشاركة واحدة
  #9  
قديم 14-11-2022, 12:04 AM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,442
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ مَرْيَمَ
الحلقة (372)
صــ 227 إلى صــ 234


والثالث: شيئا مصنوعا، ومنه يقال: فريت الكذب وافتريته، قاله اليزيدي . [ ص: 227 ]

قوله تعالى: " يا أخت هارون " في المراد بهارون هذا خمسة أقوال:

أحدها: أنه أخ لها من أمها، وكان من أمثل فتى في بني إسرائيل، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقال الضحاك: كان من أبيها وأمها .

والثاني: أنها كانت من بني هارون، قاله الضحاك عن ابن عباس . وقال السدي: كانت من بني هارون أخي موسى عليهما السلام، فنسبت إليه لأنها من ولده .

والثالث: أنه رجل صالح كان في بني إسرائيل، فشبهوها به في الصلاح، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا وقتادة، ويدل عليه ما روى المغيرة بن شعبة، قال: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران، فقالوا: ألستم تقرؤون: " يا أخت هارون " ، وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى ؟ فلم أدر ما أجيبهم، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فقال: " ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمعون بأنبيائهم والصالحين قبلهم " .

والرابع: أن قوم هارون كان فيهم فساق وزناة، فنسبوها إليهم، قاله سعيد بن جبير .

والخامس: أنه رجل من فساق بني إسرائيل شبهوها به، قاله وهب بن منبه . [ ص: 228 ]

فعلى هذا يخرج في معنى ( الأخت ) قولان:

أحدهما: أنها الأخت حقيقة . والثاني: المشابهة لا المناسبة، كقوله تعالى: وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها [ الزخرف: 48 ] .

قوله تعالى: " ما كان أبوك " يعنون: عمران، " امرأ سوء " ; أي: زانيا، " وما كانت أمك " حنة، " بغيا " ; أي: زانية، فمن أين لك هذا الولد ؟

قوله تعالى: " فأشارت " ; أي: أومأت، " إليه " ; أي: إلى عيسى فتكلم . وقيل: المعنى: أشارت إليه أن كلموه، وكان عيسى قد كلمها حين أتت قومها، وقال: يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه، فلما أشارت أن كلموه تعجبوا من ذلك، و " قالوا كيف نكلم من كان " وفيها أربعة أقوال:

أحدها: أنها زائدة، فالمعنى: كيف نكلم صبيا في المهد ؟

والثاني: أنها في معنى وقع وحدث .

والثالث: أنها في معنى الشرط والجزاء، فالمعنى: من يكن في المهد صبيا، فكيف نكلمه ؟ حكاها الزجاج، واختار الأخير منها . قال ابن الأنباري: وهذا كما تقول: كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي ; أي: من يكن لا يقبل، والماضي يكون بمعنى المستقبل في الجزاء .

والرابع: أن " كان " بمعنى صار، قاله قطرب .

وفي المراد بالمهد قولان: أحدهما: حجرها، قاله نوف، وقتادة، والكلبي . والثاني: سرير الصبي المعروف، حكاه الكلبي أيضا .

قال السدي: فلما سمع عيسى كلامهم، لم يزد على أن ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه، فقال: إني عبد الله . قال المفسرون: إنما قدم ذكر العبودية ليبطل قول من ادعى فيه الربوبية . [ ص: 229 ]

وفي قوله: " آتاني الكتاب " أسكن هذه الياء حمزة . وفي معنى الآية قولان:

أحدهما: أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقيل: علم التوراة والإنجيل وهو في بطن أمه .

والثاني: قضى أن يؤتيني الكتاب، قاله عكرمة .

وفي " الكتاب " قولان: أحدهما: أنه التوراة . والثاني: الإنجيل .

قوله تعالى: " وجعلني نبيا " هذا وما بعده إخبار عما قضى الله له، وحكم له به ومنحه إياه مما سيظهر ويكون . وقيل: المعنى: يؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا إذا بلغت، فحل الماضي محل المستقبل، كقوله تعالى: وإذ قال الله يا عيسى [ المائدة: 116 ] .

وفي وقت تكليمه لهم قولان:

أحدهما: أنه كلمهم بعد أربعين يوما . والثاني: في يومه . وهو مبني على ما ذكرنا من الزمان الذي غابت عنهم فيه مريم .

قوله تعالى: " وجعلني مباركا أين ما كنت " روى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية، قال: " نفاعا حيثما توجهت " . وقال مجاهد: معلما للخير .

وفي المراد بـ " الزكاة " قولان:

أحدهما: زكاة الأموال، قاله ابن السائب . والثاني: الطهارة، قاله الزجاج . [ ص: 230 ]

قوله تعالى: " وبرا بوالدتي " قال ابن عباس: لما قال هذا، ولم يقل: ( بوالدي ) علموا أنه ولد من غير بشر .

قوله تعالى: " ولم يجعلني جبارا " ; أي: متعظما، " شقيا " عاصيا لربه، " والسلام علي يوم ولدت " قال المفسرون: السلامة علي من الله يوم ولدت حتى لم يضرني شيطان . وقد سبق تفسير الآية [ مريم: 15 ] .

فإن قيل: لم ذكر هاهنا " السلام " بألف ولام، وذكره في قصة يحيى بلا ألف ولام ؟ فعنه جوابان:

أحدهما: أنه لما جرى ذكر السلام قبل هذا الموضع بغير ألف ولام، كان الأحسن أن يرد ثانية بألف ولام، هذا قول الزجاج .

وقد اعترض على هذا القول، فقيل: كيف يجوز أن يعطف هذا وهو قول عيسى، على الأول وهو قول الله عز وجل ؟

وقد أجاب عنه ابن الأنباري، فقال: عيسى إنما يتعلم من ربه، فيجوز أن يكون سمع قول الله في يحيى، فبنى عليه وألصقه بنفسه، ويجوز أن يكون الله عز وجل عرف السلام الثاني ; لأنه أتى بعد سلام قد ذكره، وأجراه عليه غير قاصد به إتباع اللفظ المحكي ; لأن المتكلم له أن يغير بعض الكلام الذي يحكيه، فيقول: قال عبد الله: أنا رجل منصف، يريد: قال لي عبد الله: أنت رجل منصف .

والجواب الثاني: أن سلاما والسلام لغتان بمعنى واحد، ذكره ابن الأنباري .
[ ص: 231 ] ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم .

قوله تعالى: " ذلك عيسى ابن مريم " قال الزجاج: أي: ذلك الذي قال: إني عبد الله، هو ابن مريم، لا ما تقول النصارى: إنه ابن الله وإنه إله .

قوله تعالى: " قول الحق " قرأ ابن كثير، وأبو عمرو ، ونافع، وحمزة، والكسائي: ( قول الحق ) برفع اللام . وقرأ عاصم، وابن عامر، ويعقوب بنصب اللام . قال الزجاج: من رفع " قول الحق " فالمعنى: هو قول الحق، يعني: هذا الكلام، ومن نصب فالمعنى: أقول قول الحق . وذكر ابن الأنباري في الآية وجهين:

أحدهما: أنه لما وصف بالكلمة جاز أن ينعت بالقول .

والثاني: أن في الكلام إضمارا، تقديره: ذلك نبأ عيسى، ذلك النبأ قول الحق .

قوله تعالى: " الذي فيه يمترون " ; أي: يشكون . قال قتادة: أمترت اليهود فيه والنصارى، فزعم اليهود أنه ساحر، وزعم النصارى أنه ابن الله وثالث ثلاثة . قرأ أبو مجلز، ومعاذ القارئ، وابن يعمر، وأبو رجاء: ( تمترون ) بالتاء .

قوله تعالى: " ما كان لله أن يتخذ من ولد " قال الزجاج: المعنى: أن يتخذ ولدا . و " من " مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة ; لأن للقائل أن يقول: ما اتخذت فرسا، يريد: اتخذت أكثر من ذلك، وله أن يقول: [ ص: 232 ] ما اتخذت فرسين ولا أكثر، يريد: اتخذت فرسا واحدا، فإذا قال: ما اتخذت من فرس، فقد دل على نفي الواحد والجميع .

قوله تعالى: " كن فيكون " وقرأ أبو عمران الجوني وابن أبي عبلة: ( فيكون ) بالنصب، وقد ذكرنا وجهه في ( البقرة: 117 ) .

قوله تعالى: " وإن الله ربي وربكم " قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو : ( وأن الله ) بنصب الألف . وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: ( وإن الله ) بكسر الألف . وهذا من قول عيسى، فمن فتح عطفه على قوله: " وأوصاني بالصلاة والزكاة " وبأن الله ربي، ومن كسر ففيه وجهان:

أحدهما: أن يكون معطوفا على قوله: " إني عبد الله " .

والثاني: أن يكون مستأنفا .
فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون .

قوله تعالى: " فاختلف الأحزاب من بينهم " قال المفسرون: " من " زائدة، والمعنى: اختلفوا بينهم . وقال ابن الأنباري: لما تمسك المؤمنون بالحق، كان اختلاف الأحزاب بين المؤمنين مقصورا عليهم .

وفي " الأحزاب " قولان:

أحدهما: أنهم اليهود والنصارى، فكانت اليهود تقول: إنه لغير رشدة، والنصارى تدعي فيه ما لا يليق به .

[ ص: 233 ] والثاني: أنهم فرق النصارى، قال بعضهم: هو الله، وقال بعضهم: ابن الله، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة .

قوله تعالى: " فويل للذين كفروا " بقولهم في المسيح، " من مشهد يوم عظيم " ; أي: من حضورهم ذلك اليوم للجزاء .

قوله تعالى: " أسمع بهم وأبصر " فيه قولان:

أحدهما: أن لفظه لفظ الأمر، ومعناه الخبر، فالمعنى: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة، سمعوا وأبصروا حين لم ينفعهم ذلك ; لأنهم شاهدوا من أمر الله ما لا يحتاجون معه إلى نظر وفكر، فعلموا الهدى وأطاعوا، هذا قول الأكثرين .

والثاني: أسمع بحديثهم اليوم وأبصر كيف يصنع بهم " يوم يأتوننا " ، قاله أبو العالية .

قوله تعالى: " لكن الظالمون " يعني: المشركين والكفار، " اليوم " يعني: في الدنيا " في ضلال مبين " .

قوله تعالى: " وأنذرهم " ; أي: خوف كفار مكة، " يوم الحسرة " يعني: يوم القيامة، يتحسر المسيء إذ لم يحسن، والمقصر إذ لم يزدد من الخير .

وموجبات الحسرة يوم القيامة كثيرة، فمن ذلك ما روى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، قيل: يا أهل الجنة ; فيشرئبون وينظرون، وقيل: يا أهل النار ; فيشرئبون وينظرون، فيجاء بالموت كأنه كبش أملح، فيقال لهم: هل تعرفون هذا ؟ [ ص: 234 ] فيقولون: هذا الموت، فيذبح، ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون " .

قال المفسرون: فهذه هي الحسرة إذا ذبح الموت، فلو مات أحد فرحا مات أهل الجنة، ولو مات أحد حزنا مات أهل النار .

ومن موجبات الحسرة ما روى عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى يوم القيامة بناس إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها، واستنشقوا ريحها، ونظروا إلى قصورها، نودوا: أن اصرفوهم عنها، لا نصيب لهم فيها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها، فيقولون: يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا، قال: ذلك أردت بكم، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس لقيتموهم مخبتين، تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم، هبتم الناس ولم تهابوني، وأجللتم الناس ولم تجلوني، تركتم للناس ولم تتركوا لي، فاليوم أذيقكم العذاب مع ما حرمتكم من الثواب " .




__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 41.29 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 40.66 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.52%)]