
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
تفسير أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
صَاحِبِ الْفَضِيلَةِ الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِينِ الشِّنْقِيطِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ
المجلد الخامس
الحلقة (382)
سُورَةُ الْمُؤْمِنُونَ
صـ 315 إلى صـ 322
فالاستثناء في قوله : إلا الذين يصلون إلى قوم الآية لا يرجع قولا واحدا ، إلى الجملة الأخيرة ، التي تليه أعني قوله تعالى : ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا [ 4 \ 89 ] ; لأنه لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار أبدا ، ولو وصلوا إلى قوم بينكم ، وبينهم ميثاق ، بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله : فخذوهم واقتلوهم [ 4 \ 89 ] والمعنى : فخذوهم بالأسر واقتلوهم إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم ، وبينهم ميثاق ، فليس لكم أخذهم بأسر ، ولا قتلهم ; لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم ، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكروا أن هذه الآية نزلت فيه وفي سراقة بن مالك المدلجي ، وفي بني جذيمة بن عامر وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الجمل إليه في القرآن العظيم : الذي هو في الطرف الأعلى [ ص: 315 ] من الإعجاز تبين أنه ليس نصا في الرجوع إلى غيرها .
ومن ذلك أيضا قوله تعالى : ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا [ 4 \ 83 ] على ما قاله : جماعات من المفسرين ; لأنه لولا فضل الله ورحمته لاتبعوا الشيطان ، كلا بدون استثناء ، قليل أو كثير كما ترى .
واختلفوا في مرجع هذا الاستثناء ، فقيل : راجع لقوله : أذاعوا به [ 4 \ 83 ] وقيل : راجع لقوله لعلمه الذين يستنبطونه منهم [ 4 \ 83 ] وإذا لم يرجع للجملة التي تليه ، لم يكن نصا في رجوعه لغيرها .
وقيل : إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليه ، وأن المعنى : ولولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - لاتبعتم الشيطان في الاستمرار ، على ملة آبائكم من الكفر ، وعبادة الأوثان إلا قليلا كمن كان على ملة إبراهيم في الجاهلية ، كزيد بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل ، وأمثالهم .
وذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر عن قتادة في قوله : لاتبعتم الشيطان إلا قليلا معناه : لاتبعتم الشيطان كلا ، قال : والعرب تطلق القلة ، وتريد بها العدم ، واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب :
أشم ندي كثير النوادي قليل المثالب والقادحه
يعني : لا مثلبة فيه ، ولا قادحة . وهذا القول ليس بظاهر كل الظهور ، وإن كانت العرب تطلق القلة في لغتها ، وتريد بها العدم كقولهم : مررت بأرض قليل بها الكراث والبصل ، يعنون لا كراث فيها ولا بصل ، ومنه قول ذي الرمة :
أنيخت فألقت بلدة فوق بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها
يريد : أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته . وقول الآخر :
فما بأس لو ردت علينا تحية قليلا لدى من يعرف الحق عابها
يعني لا عاب فيها أي : لا عيب فيها عند من يعرف الحق ، وأمثال هذا كثير في كلام العرب . وبالآيات التي ذكرنا تعلم : أن الوقف عن القطع برجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله إلا لدليل ، هو الذي دل عليه القرآن في آيات متعددة ، وبدلالتها يرد استدلال داود المذكور أيضا والعلم عند الله تعالى .
[ ص: 316 ] المسألة الثانية : اعلم أن أهل العلم أجمعوا على أن حكم هذه الآية الكريمة في التمتع بملك اليمين في قوله : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم [ 23 \ 5 - 6 ] خاص بالرجال دون النساء ، فلا يحل للمرأة أن تتسرى عبدها ، وتتمتع به بملك اليمين ، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم ، وهو يؤيد قول الأكثرين : أن النساء لا يدخلن في الجموع المذكرة الصحيحة إلا بدليل منفصل ; كما أوضحنا أدلته في سورة الفاتحة ، وذكر ابن جرير أن امرأة اتخذت مملوكها ، وقالت : تأولت آية من كتاب الله أو ما ملكت أيمانهم فأتي بها عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، وقال له ناس من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : تأولت آية من كتاب الله - عز وجل - على غير وجهها ، قال : فضرب العبد ، وجز رأسه وقال : أنت بعده حرام على كل مسلم ، ثم قال ابن كثير : هذا أثر غريب منقطع ، ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة ، وهو ههنا أليق وإنما حرمها على الرجال ، معاملة لها بنقيض قصدها ، والله أعلم اهـ .
وقال أبو عبد الله القرطبي : قد روى معمر عن قتادة قال : تسررت امرأة غلامها ، فذكر ذلك لعمر فسألها ما حملك على ذلك ؟ قالت : كنت أراه يحل لي بملك يميني ، كما تحل للرجل المرأة بملك اليمين ، فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا : تأولت كتاب الله - عز وجل - على غير تأويله لا رجم عليها ، فقال عمر : لا جرم ، والله لا أحلك لحر بعده . عاقبها بذلك ، ودرأ الحد عنها ، وأمر العبد ألا يقربها .
وعن أبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول : أنا حضرت عمر بن عبد العزيز جاءته امرأة بغلام لها وضئ ، فقالت : إني استسررته ، فمنعني بنو عمي عن ذلك ، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها ، فإنه عنى بني عمي فقال عمر : أتزوجت قبله ؟ قالت : نعم ، قال : أما والله لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة ، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها اهـ ، من القرطبي .
المسألة الثالثة : اعلم أنه لا شك في أن آية قد أفلح المؤمنون هذه التي هي فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [ 23 \ 7 ] تدل بعمومها على منع الاستمناء باليد المعروف ، بجلد عميرة ، ويقال له الخضخضة ; لأن من تلذذ بيده حتى أنزل منيه بذلك ، قد ابتغى وراء ما أحله الله ، فهو من العادين بنص هذه الآية الكريمة المذكورة هنا ، وفي سورة سأل سائل [ 70 \ 1 ] وقد ذكر ابن كثير : أن الشافعي ومن تبعه استدلوا بهذه [ ص: 317 ] الآية ، على منع الاستمناء باليد ، وقال القرطبي : قال محمد بن عبد الحكم : سمعت حرملة بن عبد العزيز ، قال : سألت مالكا عن الرجل يجلد عميرة فتلا هذه الآية والذين هم لفروجهم حافظون إلى قوله العادون [ 23 \ 5 - 7 ] .
قال مقيده - عفا الله عنه وغفر له - : الذي يظهر لي أن استدلال مالك ، والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة ، على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله ، يدل عليه ظاهر القرآن ، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة ، وما روي عن الإمام أحمد مع علمه ، وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلا على ذلك بالقياس قائلا : هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها فجاز ، قياسا على الفصد والحجامة ، كما قال في ذلك بعض الشعراء :
إذا حللت بواد لا أنيس به فاجلد عميرة لا عار ولا حرج
فهو خلاف الصواب ، وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها ; لأنه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن ، والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار ، كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مرارا وذكرنا فيه قول صاحب مراقي السعود :
والخلف للنص أو إجماع دعا فساد الاعتبار كل من وعى
فالله - جل وعلا - قال : والذين هم لفروجهم حافظون ولم يستثن من ذلك البتة إلا النوعين المذكورين ، في قوله تعالى : إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج ، عن الزوجة ، والمملوكة فقط ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين المذكورين ، دالة على المنع هي قوله فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون [ 23 \ 7 ] وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره ، ناكح يده ، وظاهر عموم القرآن ، لا يجوز العدول عنه ، إلا لدليل من كتاب أو سنة ، يجب الرجوع إليه ، أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار ، كما أوضحنا ، والعلم عند الله تعالى .
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية ، بعد أن ذكر بعض من حرم جلد عميرة ، واستدلالهم بالآية ما نصه : وقد استأنسوا بحديث رواه الإمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور ، حيث قال : حدثني علي بن ثابت الجزري ، عن مسلمة بن جعفر ، عن حسان بن حميد ، عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال " سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يجمعهم مع العاملين ويدخلهم النار أول الداخلين إلا أن يتوبوا ومن تاب تاب الله [ ص: 318 ] عليه : الناكح يده ، والفاعل والمفعول ، ومدمن الخمر ، والضارب والديه ، حتى يستغيثا ، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه ، والناكح حليلة جاره " اهـ .
ثم قال ابن كثير : هذا حديث غريب وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته والله أعلم ، انتهى منه . ولكنه على ضعفه يشهد له في نكاح اليد ظاهر القرآن في الجملة ; لدلالته على منع ذلك ، وإنما قيل للاستمناء باليد : جلد عميرة ; لأنهم يكنون بعميرة عن الذكر .
لطيفة : قد ذكر في نوادر المغفلين ، أن مغفلا كانت أمه تملك جارية تسمى عميرة فضربتها مرة ، فصاحت الجارية ، فسمع قوم صياحها ، فجاءوا وقالوا : ما هذا الصياح ؟ فقال لهم ذلك المغفل : لا بأس تلك أمي كانت تجلد عميرة .
المسألة الرابعة : اعلم أنا قدمنا في سورة النساء ، أن هذه الآية التي هي قوله تعالى : والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم تدل بظاهرها على منع نكاح المتعة ; لأنه - جل وعلا - صرح فيها بما يعلم منه ، وجوب حفظ الفرج عن غير الزوجة والسرية ، ثم صرح بأن المبتغي وراء ذلك من العادين بقوله فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون وأن المرأة المستمتع بها في نكاح المتعة ، ليست زوجة ، ولا مملوكة . أما كونها غير مملوكة فواضح ، وأما الدليل على كونها غير زوجة ، فهو انتفاء لوازم الزوجية عنها كالميراث والعدة والطلاق والنفقة ، ونحو ذلك ، فلو كانت زوجة لورثت واعتدت ووقع عليها الطلاق ، ووجبت لها النفقة ، فلما انتفت عنها لوازم الزوجية علمنا أنها ليست بزوجة ; لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم بإجماع العقلاء .
فتبين بذلك أن مبتغي نكاح المتعة من العادين المجاوزين ما أحل الله إلى ما حرم ، وقد أوضحنا ذلك في سورة النساء بأدلة الكتاب والسنة ، وأن نكاح المتعة ممنوع إلى يوم القيامة ، وقد يخفى على طالب العلم معنى لفظة على في هذه الآية يعني قوله تعالى والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم الآية ; لأن مادة الحفظ ، لا تتعدى إلى المعمول الثاني في هذا الموضوع بعلى فقيل : إن على بمعنى : عن .
والمعنى : أنهم حافظون فروجهم عن كل شيء ، إلا عن أزواجهم ، وحفظ قد تتعدى بعن .
وحاول الزمخشري الجواب عن الإتيان بعلى هنا فقال ما نصه [ ص: 319 ] " على أزواجهم " في موضع الحال ، أي : إلا والين ، على أزواجهم ، أو قوامين عليهن من قولك : كان فلان على فلانة ، فمات عنها ، فخلف عليها فلان ، ونظيره : كان زياد على البصرة أي : واليا عليها ، ومنه قولهم : فلانة تحت فلان ، ومن ثمة سميت المرأة فراشا .
والمعنى : أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال ، إلا في تزوجهم أو تسريهم ، أو تعلق على بمحذوف يدل عليه غير ملومين ، كأنه قيل : يلامون إلا على أزواجهم أي : يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم ، فإنهم غير ملومين عليه ، أو تجعله صلة لحافظين من قولك : احفظ علي عنان فرسي على تضمينه ، معنى النفي كما ضمن قولهم : نشدتك بالله إلا فعلت ، بمعنى : ما طلبت منك إلا فعلك . اهـ منه ، ولا يخفى ما فيه من عدم الظهور .
قال أبو حيان : وهذه الوجوه التي تكلفها الزمخشري ظاهر فيها العجمة ، وهي متكلفة ، ثم استظهر أبو حيان أن يكون الكلام من باب التضمين ، ضمن حافظون معنى : ممسكون أو قاصرون ، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله : أمسك عليك زوجك [ 33 \ 37 ] والظاهر أن قوله هنا أو ما ملكت أيمانهم مع أن المملوكات من جملة العقلاء ، والعقلاء يعبر عنهم بمن لا بما هو أن الإماء لما كن يتصفن ببعض صفات غير العقلاء كبيعهن وشرائهن ، ونحو ذلك ، كان ذلك مسوغا لإطلاق لفظة ما عليهن ، والعلم عند الله تعالى .
وقال بعض أهل العلم : إن وراء ذلك ، هو مفعول ابتغى أي : ابتغى سوى ذلك ، وقال بعضهم : إن المفعول به محذوف ، ووراء ظرف ، أي : فمن ابتغى مستمتعا لفرجه ، وراء ذلك .
قوله تعالى : والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس : أنهم راعون لأماناتهم وعهدهم ، أي : محافظون على الأمانات ، والعهود ، والأمانة تشمل : كل ما استودعك الله ، وأمرك بحفظه ، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يرضي الله ، وحفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الناس ، والعهود أيضا تشمل : كل ما أخذ عليك العهد بحفظه ، من حقوق الله ، وحقوق الناس ، وما تضمنته هذه الآية الكريمة ، من حفظ الأمانات والعهود جاء مبينا في آيات كثيرة ; [ ص: 320 ] كقوله تعالى : إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها [ 4 \ 58 ] وقوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون [ 8 \ 27 ] وقوله تعالى في سأل سائل : والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون [ 70 \ 32 ] وقوله في العهد وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا [ 17 \ 34 ] وقوله تعالى : ياأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود الآية [ 5 \ 1 ] ، وقوله : ومن أوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما [ 48 \ 10 ] وقوله تعالى : وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [ 16 \ 91 ] وقد أوضحنا هذا في سورة الأنبياء في الكلام على قوله وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث الآية [ 21 \ 78 ] ، وقوله : راعون : جمع تصحيح للراعي ، وهو القائم على الشيء ، بحفظ أو إصلاح كراعي الغنم وراعي الرعية ، وفي الحديث " كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " الحديث ، وقرأ هذا الحرف ابن كثير وحده : لأمانتهم بغير ألف بعد النون ، على صيغة الإفراد والباقون بألف بعد النون ، على صيغة الجمع المؤنث السالم .
قوله تعالى : والذين هم على صلواتهم يحافظون ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس : أنهم يحافظون على صلواتهم والمحافظة عليها تشمل إتمام أركانها ، وشروطها ، وسننها ، وفعلها في أوقاتها في الجماعات في المساجد ، ولأجل أن ذلك من أسباب نيل الفردوس أمر تعالى بالمحافظة عليها في قوله تعالى : حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى الآية [ 2 \ 238 ] ، وقال تعالى في سورة المعارج والذين هم على صلاتهم يحافظون [ 70 \ 34 ] وقال فيها أيضا إلا المصلين الذين هم على صلاتهم دائمون [ 70 \ 22 - 23 ] وذم وتوعد من لم يحافظ عليها في قوله فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا [ 19 \ 59 ] .
وقد أوضحنا ذلك في سورة " مريم " ، وقوله تعالى : فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون الآية [ 107 \ 54 ] ، وقال تعالى في ذم المنافقين وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس الآية [ 4 \ 142 ] ، وفي الصحيح عن ابن مسعود - رضي الله عنه - ، أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي العمل أحب إلى الله ؟ قال " الصلاة على وقتها " [ ص: 321 ] الحديث ، وقد قدمناه والأحاديث في فضل الصلاة والمحافظة عليها كثيرة جدا ، ولكن موضوع كتابنا بيان القرآن بالقرآن ، ولا نذكر غالبا البيان من السنة ، إلا إذا كان في القرآن بيان غير واف بالمقصود ، فنتمم البيان من السنة كما قدمناه مرارا ، وذكرناه في ترجمة هذا الكتاب المبارك .
قوله تعالى : أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ، ذكر - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة : أن المؤمنين المتصفين بالصفات ، التي قدمنا هم الوارثون ، وحذف مفعول اسم الفاعل الذي هو الوارثون ; لدلالة قوله : الذين يرثون الفردوس [ 23 \ 11 ] عليه . والفردوس : أعلى الجنة ، وأوسطها ، ومنه تفجر أنهار الجنة ، وفوقه عرش الرحمن - جل وعلا - ، وعبر تعالى عن نيل الفردوس هنا باسم الوراثة .
وقد أوضحنا معنى الوراثة والآيات الدالة على ذلك المعنى ; كقوله تعالى : تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا [ 19 \ 63 ] وقوله : ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون [ 7 \ 43 ] وقوله تعالى : وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء الآية [ 39 \ 74 ] في سورة مريم في الكلام على قوله : تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا [ 19 \ 63 ] فأغنى ذلك عن إعادته هنا ، وقرأ هذا الحرف : حمزة والكسائي : على صلاتهم بغير واو ، بصيغة الإفراد وقرأ الباقون : على صلواتهم [ 23 \ 9 ] بالواو المفتوحة بصيغة الجمع المؤنث السالم والمعنى واحد ; لأن المفرد الذي هو اسم جنس ، إذا أضيف إلى معرفة ، كان صيغة عموم كما هو معروف في الأصول ، وقوله هنا : هم فيها خالدون ، أي : بلا انقطاع أبدا ، كما قال تعالى عطاء غير مجذوذ [ 11 \ 108 ] أي : غير مقطوع ، وقال تعالى : إن هذا لرزقنا ما له من نفاد [ 38 \ 54 ] وقال تعالى : ما عندكم ينفد وما عند الله باق [ 16 \ 96 ] كما قدمناه مستوفى .
قوله تعالى : ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ، بين - جل وعلا - في هذه الآية الكريمة ، أطوار خلقه الإنسان ونقله له ، من حال إلى حال ، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته واستحقاقه للعبادة وحده - جل وعلا - ، وقد أوضحنا في [ ص: 322 ] أول سورة الحج معنى النذطفة ، والعلقة ، والمضغة ، وبينا أقوال أهل العلم في المخلقة ، وغير المخلقة ، والصحيح من ذلك وأوضحنا أحكام الحمل إذا سقط علقة أو مضغة هل تنقضي به عدة الحامل أو لا ؟
وهل تكون الأمة به أم ولد إن كان من سيدها أو لا ؟ إلى غير ذلك من أحكام الحمل الساقط ، ومتى يرث ، ويورث ، ومتى يصلى عليه ، وأقوال أهل العلم في ذلك في الكلام على قوله تعالى : ياأيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب الآيات [ 22 \ 5 ] ، وسنذكر هنا ما لم نبينه هنالك مع ذكر الآيات التي لها تعلق بهذا المعنى ، أما معنى السلالة : فهي فعالة من سللت الشيء من الشيء ، إذا استخرجته منه ، ومنه قول أمية بن أبي الصلت :
خلق البرية من سلالة منتن وإلى السلالة كلها ستعود
والولد سلالة أبيه كأنه انسل من ظهر أبيه .
ومنه قول حسان - رضي الله عنه - :
فجاءت به عضب الأديم غضنفرا سلالة فرج كان غير حصين
وبناء الاسم على الفعالة ، يدل على القلة كقلامة الظفر ، ونحاتة الشيء المنحوت ، وهي ما يتساقط منه عند النحت ، والمراد بخلق الإنسان من سلالة الطين : خلق أبيهم آدم منه ، كما قال تعالى : إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب [ 3 \ 59 ] .
وقد أوضحنا فيما مضى أطوار ذلك التراب ، وأنه لما بل بالماء صار طيبا ولما خمر صار طينا لازبا يلصق باليد ، وصار حمأ مسنونا ، قال بعضهم : طينا أسود منتنا ، وقال بعضهم : المسنون : المصور ، كما تقدم إيضاحه في سورة الحجر ، ثم لما خلقه من طين خلق منه زوجه حواء ، كما قال في أول النساء ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها [ 4 \ 1 ] وقال في الأعراف وجعل منها زوجها [ 7 \ 189 ] وقال في الزمر : ثم جعل منها زوجها [ 39 \ 6 ] كما تقدم إيضاح ذلك كله ، ثم لما خلق الرجل والمرأة ، كان وجود جنس الإنسان منهما عن طريق التناسل ، فأول أطواره : النطفة ، ثم العلقة ، إلخ .
