عرض مشاركة واحدة
  #7  
قديم 08-11-2022, 09:49 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,781
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من شعر الغربة عن الوطن

من شعر الغربة عن الوطن


محمد حمادة إمام





ولمَّا كثُر نحيبُه على شبابه، واشتعَل حنينُه إلى مَعاهده، ومَعاهد أحبابه، متمنِّيًا العَودة، جلس بينه وبين نفسه - وقد ثاب إلى رشْده - فتيقَّن أنه ليس له إلى ردِّ ما قد مضَى مِن سبيل، فيقول نافيًا جدْوَى التمنِّي والرجاء، فيما تعوَّض أفُقَهُ العبوس، بعد البشر والبهاء[30]: [من الكامل]
أَتُرى يُعيدُ الدهرُ عَهْدًا لِلصِّبا
دَرَسَتْ مغاني الأُنْسِ فيه دُرُوسَا[31]

أوطان أوطار تعوَّض أُفْقُها
مِنْ رَوْنَقِ البِشْرِ البَهيِّ عُبُوسَا

هيهاتَ لا تُغْني لَعَلَّ ولا عَسَى
في مِثْلِها إلا لآيةِ عِيسَى


ولابن زمرك (733 - 796 هـ) قصيدة، يَبكي فيها معهدَ صِباه، مصوِّرا شجنَه، ووجدَه، بعد رؤيته لرسْمه الدارس، الذي أثار خفيَّ فؤاده، وقد أضْرَم نارَ شوقه، وأشعل حنينه - وَرْقَاءُ، تترنَّم بمِثْل أسَاهُ، عازفةً على قيثارته ما أشجاه، وهي العجماء؛ فيقول داعيًا لتلك المواطن بدوام السُّقيا، وعدم الجدب[32]: [ من الكامل ]
وَلَقدْ أجَدَّ هوايَ رَسْمٌ دارسٌ
قد كان يخفَى عن خَفِيِّ تَوَهُّمِ

وذكرْتُ عهدًا في حِمَاهُ قد انْقَضَى
فَأطَلْتُ فِيه تَرَدُّدي وَتَلوُّمِي

وَلَرُبَّما أشجَى فؤادي عِنْدَهُ
وَرْقَاءُ تَنفُثُ شَجْوَها بِتَرنُّمِ

لا أَجْدَبَ اللهُ الطلولَ فطَالما
أَشْجَى الفَصِيحَ بها بُكاءُ الأَعْجَمِ

يا زَاجِرَ الأظْعان يَحْفِزُها السُّرَى
قِفْ بي عَلَيْها وَقْفَةَ الْمُتَلَوِّمِ

لِتَرَى دُمُوعَ العاشقينَ بِرَسْمها
حُمْرًا كَحَاشِية الرِّدَاءِ المُعْلَمِ

دِمَنٌ عَهِدْتُ بها الشَّبِيبةَ والهَوَى
سُقْيا لَها ولِعَهْدِها المتقَدِّمِ


لِهيامه بمَعاهد الشباب، وحنينه إليها، يَطلُب مِن زاجر الأظعان، ومشجعها على السرى - الوقوفَ عليها، والنظر إليها، لِيَرَى دُموع العاشقين، وما برسمها مِن تصدُّع وانهيار.

فصُوَرُ هذا الفن كثيرة، ومتنوعة[33]، وأصحابها منتشِرون؛ لنشرها، وإذاعتها بين أمثالهم من الشعراء المكلومين، الذين تنكَّرَت لهم الحياة، واستولى عليهم الشيب، بعد أن ودَّعهم الشباب.

وهكذا كلما اشتدَّت على هؤلاء الشعراء "وطأة الاغتراب، ونالت مِن نفوسهم، فزعَ الكثيرُ منهم إلى الشِّعر يبثُّونه شوقَهم، وحنينهَم المشبوب إلى أوطانهم وأهلهم وأحبابهم الذين ودَّعوهم كما ودَّعهم الشباب.

وأهمُّ المعاني التي كانت تدُور عليها قصائد الحنين عندهم، هي: الشوق إلى الأوطان، فتضمنَت تجاربهم الذاتية في ديار الغربة، وتصوير ملاعب الصِّبا، وذكريات أيامهم وعهودهم السعيدة في ديارهم...، والمزْج بين الحنين والطبيعة في صُوَرهم الشعرية، وتفضيل البقاء في الوطن، مع الشظَف والفاقة على الاغتراب مع الغنَى والسعة، وتصوير ما لقيَه بعضُهم في ديار الغربة: مِن عدم الترحيب والتقدير...[34]".

إذًا؛ "فهذا الغرَض الشعريُّ - ونعني به: تصوير منازع الحنين والشوق - عربيٌّ أصيل في شِعر العرب...، ومع ذلك فالموضوع قديم متجدِّد؛ لأنه يمتح مِن معين نفسي لا ينضب...[35]".

ولذا "يقول بعضُ الحكماء: الحنين من رقة القلب، ورقة القلب من الرعاية، والرعاية من الرحمة، والرحمة من كرَم الفطرة، وكرم الفطرة مِن طهارة الرشد، وطهارة الرشد من كرَم المحتد[36]".
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.88 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.22%)]