عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 08-11-2022, 09:47 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: من شعر الغربة عن الوطن

من شعر الغربة عن الوطن


محمد حمادة إمام





يا ليتَ شِعْريَ هل دامتْ لَهمْ حالُ ♦♦♦ عَهِدْتُها في حِفاظ العهْد أم حالوا؟
إلى أن يقول: [من البسيط]
فإن تَكُنْ سَائلًا عَمَّنْ تركتُ فَقَدْ
شَابَ الشّبابُ وَقَدْ شَبَّ الأطَيْفَالُ

صبرتُ والبُعْدُ أحوالٌ وذا عَجَبٌ
ولم أكُنْ صَابرا والبُعْد أمْيالُ

أرجو الإيابَ بفألٍ فيه أسمعُه
والدهرُ يَفْعلُ ما لا يُخْبِر الفالُ


تطُول غربته وهو صابر، ولم يكن قبلُ كذلك، ولكن الدهر يجابهه بصدود وعناد، في وقتٍ هو بأمسِّ الحاجة فيه إلى نُصْرة ومُؤازة مِن أحبابه وخلانه؛ حتى يقوَى على الصمود في مواجهة هذه الصعاب والمشاقِّ.

وللرصافي (ت 572 هـ)، وقد نهل مِن عَصْرَيِ المرابطين والموحِّدين، وترعرع في المنصة - من أعمال بلنسية - التي خصَّها الله - تعالى - بأحسَن مكان، وحفَّها بالأنهار والجِنَان، أبيات في الحنين إلى وطنه[21]:
و "تُعد تجربةُ الحنين إلى الأوطان، من أصدق التجارب، وأقدمها في الشعر العربي...، فقد راح الشاعر العربي، يتغنَّى بوطنه، إذ رحل عنه، تهفو نفسه إليه، وتتَّقد روحُه شوقًا إلى كل ما فيه...[22]".
فالحنين أمرٌ فطري لدى رقيق القلب، مرهف الحس، صادق الشعور.

ولقد اتخَذ أبو بكر الكتندي، منزلًا مِن ظلِّ محبوبه الظليل، ولما زال تساءل متعجبًا: ما ضَرَّهُ لو كان عليَّ باقيًا؟!. لقد عاقبه، وأثقل كاهله بما لم تَجْنِ يداه، ومع هذا، يُرسِل له تحية نديَّة مع المطر والقبول؛ فيقول[23]: [من مخلع البسيط]
يا سرحةَ الحيِّ يا مَطُولُ
شَرْحُ الذي بيننا يَطُولُ[24]

عِندي مَقَالٌ فهل مَقَامٌ
تُصْغين فيه لمَا أَقُولُ

ولي ديونٌ عليكِ حَلَّتْ
لو أَنّه ينفع الحُلُولُ

ماضٍ مِن العيشِ كان فيهِ
منزلَنا ظِلُّك الظَّليلُ

زالَ وماذا عليهِ ماذا
يا سَرْحُ لو لم يكُن يَزولُ

حَيَّ عَنِ المُدْنفِ المُعَنىَّ
مَنْبَتَكِ القَطْرُ والقَبُولُ

فيا له مِن مريض، داهمَه داء الفراق، وغلبه الشوق والحنين لهذا الحبيب.

مما تقدم يتَّضح لنا أن حبَّ الوطن، في أشعار الأندلسيين " اتَّسَم بالوفاء والهدوء، ولم يأخذ هذا الطابع المضطرب الهائج، الذي يبدو مع ألوان أخرى مِن الحبِّ، ولكنه على وقاره وهدوئه، كان أبعَد أثرًا، وأعمَق مكانًا، ثم هو ثابت لا يَعرف التقلُّب، باقٍ لا يَعرف الزوال، تامٌّ لا يَعرف النقصان، قدسيٌّ يَستعصِي على الجحود، نبيل يتأبَّى على العقوق[25]".
ولعل مِن أهمِّ أسباب هذا، هو ارتباطه بأجمل، وأطيب أيام المرء، وتعلُّقه بذكرياتها الحسنة.

وقد استمرَّ الشعراء الأندلسيون، على طول عهدهم بالأندلس، في وفائهم لشبابهم، وتعلُّقهم بمَعاهده، حتى رأيناه مجسَّمًا في صُوَرهم، فأخذوا في النحيب والتحسُّر والحنين، لذهاب شرخه، وبِلَى رسْمِه، واندثار معالمه وآثاره.
يتبع

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.08 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 18.45 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.29%)]