الوقف في تراث الآل والأصحاب (15)
مقاصد شرعية وفــوائــد فقـــهيــة من أوقاف النبي صلى الله عليه وسلم
عيسى القدومي
هذه سلسلة مقالات نسلط فيها الضوء على أوقاف آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام، وعرضِ أنواع الأوقاف ومجالاتها، وآثارها في الدين والمجتمع، مع ذكر جملة من المقاصد الشرعية والفوائد الفقهية في تلك الأوقاف، جمعنا فيها ما رُوي من الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب، والدالة على حرص الآل والصحب الكرام -رضي الله عنهم- على الامتثال التامّ لتوجيه النبي - صلى الله عليه وسلم - في بذل المال واحتباس الأصول، وقفًا تنتفع به الأمة الإسلامية، وتنال به عظيم الأجر والثواب.
بالعَوْدَةِ إلى ما أَوْرَدْنا من أنواع الوقف في العصر النبويّ وعصر الصحابة، ثمّ العصور المتأخرةِ إلى ما قبل عصر انتكاسةِ الثقافة الوقفيّة في العصر الحاضر، نجد الآتي:
الثابتَ من أوقافِ الصحابةِ -رضي الله عنهم
الثابتَ من أوقافِ الصحابةِ -رضي الله تعالى عنهم-، أنها كانت أكثر لُصوقًا بالحاجاتِ المباشرةِ والآنيّة والرّاهنةِ للمجتمع المسلم، أو الحاجاتِ الخاصّة بالواقفِ، التي تمثّلت تحديداً وحَصْرًا في مظهرين: الوقف على الذرّيّة، واستبقاءِ شيءٍ من منفعةِ الوقف لشخصِ الواقف، ولم يوجد هذا كثيراً، إنّما رُصِدَ في أوقاف أنس بن مالك، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر -رضي الله عنهم- جميعاً.
أمّا القسمُ الخيريُّ أو المشتركُ من هذه الأوقاف فهو على ما ذكرنا، في كفايةِ فقيرٍ طعامًا أو شراباً أو كسوةً، أو على ابن السبيلِ والضّيف، أو على الجهادِ في سبيلِ الله، ويمكن أن يُختَصَرَ ذلك في القول: بأنّ أوقافَ الصّحبِ والآل كانت على الرسالةِ الإسلاميّة في شِقَّيْهَا الدَّعَوِيِّ والأخلاقيّ.
حفظ الدّين
انتشرت الأوقافُ المتعلّقة بحفظ الدين، بدءًا من المساجد نفسها، وما يُوقَف عليها لصيانتها وتوفير الدّخل الضروريّ لنفقاتها التشغيليّة، من رواتب الإمام والخطيب والمؤذّن والخادم، والسُّرُجِ والسّجّاد والبُسُط والسّقاءات وأماكن الوضوء والطّيب والبخور، وغير ذلك، وتنبع أهميّة هذا القطاع من الأوقاف للدّين، من أهميّة المساجد نفسِها، بوصفها العلامة الفارقة لدار الإسلام، ومواضع الأذان، ومجتمع المسلمين في الجُمَع؛ حيث تظهر الشّوكة وتتجدّد الأخوّة وتُبَثُّ الهموم، ويُفتقَدُ الغائبُ، ويُلْحَظُ المحتاج، ويقصدُها الباحثون عن النّور والهدى من الزائرين والوفود والمستفتين والمسترشدين.
وأمّا القطاعات الأخرى المتصلة بالدّين، فكالمكتبات، والكتاتيب، والمدارس الشرعيّة التي تخرّج منها جُلُّ أئمّة الإسلام وعُقُولُه الكبيرةُ من كبار الفقهاء والعلماء والأطبّاء، الذين أذعنت لهم الدنيا بالذكاء والفطنةِ والعبقريّة.
وثمّة أوقافٌ أخرى على شعائر أخرى تعبُّديَّةٍ، مثل الوقف على إفطار الصائمين، أو لرَفْدِ الراغبين في الحجّ والعمرة والزيارة بالنّفقةِ، وللإنفاقِ على المجاوِرين في الحرمَيْن الشريفين والمسجد الأقصى، وعلى المنقطعين للتعبُّد والخَلْوَةِ والتحقُّقِ بالمقامات القلبيّة العليا من الصوفيّة والمتزهّدين.
ومن أهمّ ذلك وأَوْلاه: ما كان يُوقَفُ على المجاهدين في سبيل الله، والمرابطين على الثّغور، وعُدَدِ الجهادِ والحربِ من الخيل والسيوف والرماح والدّروع، ومعلومٌ أنّ مقصدَ الجهادِ الأعظم هو حتى {يَكُوْنَ الدِّيْنُ للهِ}.
حفظ النّفس
إنّ الأوقافَ على حاجاتِ ذوي الحاجات المختلفة، من الفقراء والمساكين وأبناء السبيل، في حدود الطعام والشراب والكسوةِ، تصبُّ في هذا المقصد مباشرةً، وكذلك أصحاب الحاجات الأكثر خصوصيّةً، كالمرضى والزَّمْنَى وأصحاب العاهات، فقد قامت لكلّ شريحةٍ منهم دُورٌ خاصَّةٌ ترعاهم، وأهمّها وأبرزها البيمارستانات التي كانت علامةً فارقةً في تاريخ الدّنيا بأسرها، لا سيما ما كان منها بالأندلس.
ومن أهمّ ما يُذكَر في هذا السياق، أنّ حفظ النّفس بالوقف لم يتوقّف على حفظها من الضرر اللّاحقِ بالبدن فقط، من الآفات والأمراضِ التي تصحبُها الأوجاعُ الماديّة، بل لبّت الأوقافُ الحاجاتِ المعنويّة للنّفس، بل ضروريّاتها غير المنفكّة عن آدميّىة الإنسان، من كفّ أسباب الخجل والحرج الاجتماعيّ، وللقارئ أن يتخيّل ما الذي يعنيه وجودُ وَقْفٍ لإعارةِ الحُليّ والثياب للعروسِ التي لم يستطع زوجُها أنْ يجهّزها بالمظهر التي تشتهي أن تظهر به بين قريناتها، بل وُجِدَ ما هو أعمق من ذلك في الصيانة والرعايةإ إذ يُنسَبُ وقفٌ إلى الأمير حُمَيْد بن عبد الحميد الطوسيّ (ت210هـ) (أحد قادة المأمون)، وقَفَه على أهل البيوتات وذوي الهيئات الاجتماعيّة الذين يعيشون على مستويات خاصّة من الرفاهيّة والسّعة، وجهةُ الوقْف، على أنّ من تعرّض منهم إلى جائحةٍ في مالِه، أو خسارةٍ كبيرةٍ في تجارتِه تُلْجِئُه إلى السؤال والاحتياج إلى غيره، يُكْفى من هذا الوقف، لعدم اعتيادِ مثلِه على السؤال والاقتراض، فالشأن المعتادُ أنّ مثلَه تأبى نفسُه عليه السؤال وإظهار الاحتياج، فيحرّج ذلك عليه.
حفظ العقل
حولَ مقصد حفظ العقل ملاحظتان:
- الأولى: أنّ العقلَ داخلٌ في النّفسِ، فكلُّ ما يحفظُها يحفظُهُ بالتّبع؛ إذ ليس للعقل كيانٌ مستقلٌّ، بل هو من صفات النّفس.
- الثانية: أنّ مُفسدات العقل على ضربَيْن: حسيّةٌ ومعنويّة.
فمن الحسّيّة: شُرب الخمر، وما يُلحقُ بها ممّا يُذهِبُ العقلَ من الموادّ التي يتعاطاها الإنسان، أو الأفعالِ التي يفعلُها باختيارِه وهي يدري أنّ عاقبتها زوالُ عقلِه، ولو مؤقّتًا.
ومن المعنويّة: وهي ما يَعْرِضُ للعقل من تصوُّراتٍ فاسدةٍ عن الوجود، وأوّل ذلك: الضّلال في الدّين، وفقدان الرُّشد وطُروءُ السَّفَه في شأن الدّنيا، والانحرافُ في النّظرة إلى شئون الاجتماع البشريّ، والسياسة، وما يتداخَل فيها من حقوقٍ وواجباتٍ وآدابٍ، من فارقَها جُملةً صُنِّفَ في جملةِ الشواذّ، ولم يُرَ على سواءٍ من أمره.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنّ علاجَ هذه الآفاتِ العقليّةِ يكونُ بما يقابلها من:
- أوّلاً: توفيرُ الطّعامِ والشّراب المباح، وحفظ الكرامةِ، ورفع مستوى المعيشةِ الحلال، والإعانةُ على هدوء البال، بحيث تتحسَّسُ النُّفوسُ النّعمةَ، وتغتبطُ بالعافيةِ، فلا تتطلّع إلى ما وراء ذلك ممّا يُغضِبُ اللهَ ويرفعُ نِعَمَه ويُحِلُّ سَخَطَه.
- ثانيًا: التعليم والترشيد، وإنارةُ البصائر، وطرحُ المباحثِ المعرفيّة أمام العقول، وإثراءُ ميادين العلم والثقافة، وتَعْلِيَةُ أقْدَارِ المُنتَمِين إليها اجتماعيًّا لتكون ميادينَ جاذبةً للنّاشئةِ وعُموم الخَلْق.
ولا ريب أنّ الوقْفَ حاضرٌ بكلّ قوَّةٍ في توفير هذه العلاجات والوِقايات؛ إذ إنّ ما يحفظُ العقلَ يرجعُ في المآلِ إلى ما يحفظُ النّفسَ وما يحفظُ الدّين، وعلى وجه الخصوص: ما يقوّي جبهة الإنسانِ المعرفيّة ويحصّنه أمام الملاهي والسفاسف والمغريات، بإشْغالِه بالعلمِ النّافع، فقد جاءَ في حديث ابن مسعودٍ مرفوعًا: «الاستحياءُ من اللهِ حقَّ الحياء، أنْ تحفظَ الرأسَ وما وَعَى، والبَطْنَ وما حَوَى، ولْتَذْكُرِ الموتَ والبِلَى».
حفظ النّسل
عبَّر الأصوليّون عن هذه الضّروريّة تارةً بـ(النّسل)، وتارةً بالنَّسَب، وتارةً بالبُضْعِ، وتارةً بالفَرْجِ، والكلامُ في المآلِ يرجعُ إلى منع الشريعةِ التزاحُم والاشتراكَ في الأبضاعِ؛ لِمَا يترتّبُ على ذلك من ضياعِ الأنسابِ واختلاطِها، ومن أشهر ما يُمثَّلُ به من التشريعاتِ الإسلاميّة لحفظِ النَّسَب: تحريم الزّنا، والزجر عن التلبُّس بدواعيه ومقدّماتِه من النّظر والخَلْوَةِ، وشرعُ العقوبةِ الزاجرةِ عنه والرّادعةِ عن اقترافِه، وهي الحدُّ: الجلد أو الرجم.
ومن أهمّ الوقايات الشرعيّة عن الوقوع في الزّنا: الزواجُ الشرعيُّ، المؤدّي إلى إعفاف الزوجَيْن، الذي يوفّر الدّاعي لاستمرار النّوع الإنسانيّ عن طريقِ جمع الذكر والأنثى في إطارٍ من الحقوق والواجبات المتبادَلة، ويرشّد الاتصال الغريزيّ بينهما لأجل استمتاعهما المباح.
ذكر ابن بطوطة في رحلته ما رآه بدمشق من أوقافٍ على تيسير الزواج والترغيب فيه، قال: «والأوقافُ بدمشق لا تحصر أنواعها ومصارفها لكثرتها... ومنها أوقافٌ على تجهيز البنات إلى أزواجهنّ، وهنّ اللّواتي لا قُدْرَةَ لأهلهنّ على تجهيزهنّ».
ودار الدُّقَّةِ بمرّاكش، كانت تستقبلُ النّساءَ اللّاتي تضطرُّهُنَّ مُغاضَبَةُ الزّوجِ وسوءُ معاملَتِه إلى الخروج من البيت، فيأوينَ إليها! لهُنَّ ما يكفيهنّ من حقّ المبيت والطعام والشراب حتى تزولَ عنهنّ سَوْرَةُ الغضب ووَحْشَةُ الإيذاءِ! ولو لم يكن كذلك، فـ «النّساءُ لَحْمٌ على وَضَمٍ، كلُّ أحدٍ يشتهيهنّ، وهُنَّ لا مَدْفَعَ عندهنّ» كما قال أبو بكر ابن العربي، ومعلومٌ أنّ المرأةَ في مثل هذه الحال من أيسرِ ما تكونُ حالاً على ضِعافِ النّفوسِ ليستضعفوها ويُراودوها ويهتكوا حُرمَتَهَا.
حفظ المال
إنّ الأوقافَ بَذْلٌ للمال، ونَقْلٌ له مُضاعفًا إلى دارٍ أخرى، هي الدّار الآخرة، فهو استثمارٌ ضمن الرؤية الإيمانيّة الكليّة التي ينظر بها المؤمنُ إلى الوجود، إلّا أنّه من جهةِ الموقوفِ عليهم، يوفّر لهم كلّ ما يحتاجونه من المال لتلبية حاجاتهم المعنويّة والنفسيّة، على اختلاف فئاتهم واختلاف الهيئة التي ينتفعون بها من الوقف، فأيًّا ما كان ريعُ الوقف الذي يُعطَى للموقوف عليه، طعامًا وشراباً، أو نَقْدًا، أو خدمةً كالتعليمِ، أو منفعةَ عينٍ كسُكْنى الدّار، فإنّ هذه جميعاً متقوّمةٌ شرعاً، أي: يمكنُ تقويمُها بالمال.