عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 05-11-2022, 11:02 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 173,794
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 1928 الى صـ 1943
الحلقة (295)



تنبيه:

قال ابن كثير: كانت الفترة بين عيسى ابن مريم - آخر أنبياء بني إسرائيل - وبين محمد [ ص: 1928 ] خاتم النبيين من بني آدم على الإطلاق. كما ثبت في "صحيح البخاري"، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أنا أولى الناس بابن مريم ليس بيني وبينه نبي» . وهذا فيه رد على من زعم أنه بعث بعد عيسى نبي يقال له خالد بن سنان. كما حكاه القضاعي وغيره. انتهى.

وقال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": استدل به - يعني بحديث أبي هريرة - على أنه لم يبعث بعد عيسى أحد إلا نبينا صلى الله عليه وسلم. وفيه نظر؛ لأنه ورد أن الرسل الثلاثة الذين أرسلوا إلى أصحاب القرية - المذكورة قصتهم في سورة (يس) - كانوا من أتباع عيسى. وأن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين، وكانا بعد عيسى. والجواب: أن هذا الحديث يضعف ما ورد من ذلك. فإنه صحيح بلا تردد. وفي غيره مقال. أو المراد: أنه لم يبعث بعد عيسى نبي بشريعة مستقلة. وإنما بعث بعده، من بعث، بتقرير شريعة عيسى. وقصة خالد بن سنان أخرجها الحاكم في "المستدرك" من حديث ابن عباس، ولها طرق جمعتها في ترجمتها في كتابي في "الصحابة". انتهى.

وقد ذكرت في كتابي "إيضاح الفطرة في أهل الفترة" في الباب الحادي عشر من كان في الفترة من الأنبياء على ما روي. فارجع إليه.

قال ابن كثير: والمقصود من هذه الآية، أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم على فترة من الرسل، [ ص: 1929 ] وطموس من السبل، وتغير الأديان، وكثرة عباد الأوثان والنيران والصلبان. فكانت النعمة به أتم النعم، والحاجة إليه أمر عام، فإن الفساد كان قد عم جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد. إلا قليلا من المتمسكين ببقايا من دين الأنبياء الأقدمين. كما روى أحمد عن عياض المجاشعي - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم [ ص: 1930 ] فقال في خطبته: «وإن ربي، أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا. كل مال نحلته عبادي حلال. وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وأنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم. عجميهم وعربيهم. إلا بقايا من أهل الكتاب. وقال: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك. وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء. تقرؤه نائما ويقظانا...» انتهى.

وقال الأستاذ النحرير الشيخ محمد عبده مفتي مصر في "رسالة التوحيد" في بحث رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم ما نصه: ليس من غرضنا في هذه الوريقات أن نلم بتاريخ الأمم عامة، وتاريخ العرب خاصة، في زمن البعثة المحمدية، لنبين كيف كانت حاجة سكان الأرض ماسة إلى قارعة تهز عروش الملوك، وتزلزل قواعد سلطانهم الغاشم، وتخفض من أبصارهم المعقودة بعنان السماء، إلى من دونهم من رعاياهم الضعفاء. وإلى نار تنقض من سماء الحق على أدم الأنفس البشرية لتأكل ما اعشوشبت به من الأباطيل القاتلة للعقول. وصيحة فصحى تزعج الغافلين، وترجع بألباب الذاهلين، وتنبه المرؤوسين إلى أنهم ليسوا بأبعد عن البشرية من الرؤساء الظالمين، والهداة الضالين، والقادة الغارين، وبالجملة تؤوب بهم إلى رشد يقيم الإنسان على الطريق التي سنها الإله: إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا . ليبلغ بسلوكها كماله، ويصل على نهجها إلى ما أعد في الدارين له. ولكنا نستعير من التاريخ كلمة يفهمها من نظر فيما اتفق عليه مؤرخو ذلك العهد، نظر إمعان وإنصاف.

[ ص: 1931 ] كانت دولتا العالم (دولة الفرس في الشرق، ودولة الرومان في الغرب) في تنازع وتجالد مستمر، دماء بين العالمين مسفوكة، وقوى منهوكة، وأموال هالكة، وظلم من الإحن حالكة. ومع ذلك، فقد كان الزهو والترف والإسراف والفخفخة والتفنن في الملاذ بالغة حد ما لا يوصف في قصور السلاطين والأمراء، والقواد ورؤساء الأديان من كل أمة، وكان شره هذه الطبقة من الأمم لا يقف عند حد. فزادوا في الضرائب، وبالغوا في فرض الإتاوات، حتى أثقلوا ظهور الرعية بمطالبهم. وأتوا على ما في أيديها من ثمرات أعمالها، وانحصر سلطان القوي في اختطاف ما بيد الضعيف. وفكر العاقل، في الاحتيال لسلب الغافل، وتبع ذلك أن استولى على تلك الشعوب ضروب من الفقر والذل والاستكانة والخوف والاضطراب، لفقد الأمن على الأرواح والأموال. غمرت مشيئة الرؤساء إرادة من دونهم. فعاد هؤلاء كأشباح اللاعب. يديرها من وراء حجاب، ويظنها الناظر إليها من ذوي الألباب، ففقد بذلك الاستقلال الشخصي، وظن أفراد الرعايا أنهم لم يخلقوا إلا لخدمة ساداتهم وتوفير لذاتهم، كما هو الشأن في العجماوات مع من يقتنيها. ضلت السادات في عقائدها وأهوائها، وغلبتها على الحق والعدل شهواتها. ولكن بقي لها من قوة الفكر أردأ بقاياها. فلم يفارقها الذر من أن بصيص النور الإلهي، الذي يخالط الفطر الإنسانية، قد يفتق الغلف التي أحاطت بالقلوب، ويمزق الحجب التي أسدلت على العقول. فتهتدي العامة إلى السبيل، ويثور الجم الغفير على العدد القليل، ولذلك لم يغفل الملوك والرؤساء أن ينشئوا سحبا من الأوهام. ويهيئوا كسفا من الأباطيل والخرافات، ليقذفوا بها في عقول العامة. فيغلظ الحجاب، ويعظم الرين، ويختنق بذلك نور الفطرة. ويتم لهم ما يريدون من المغلوبين لهم.

وصرح الدين، بلسان رؤسائه، أنه عدو العقل وعدو كل ما يثمره النظر. إلا ما كان تفسيرا لكتاب مقدس. وكان لهم في المشارب الوثنية ينابيع لا تنضب، ومدد لا ينفد.

هذه حالة الأقوام كانت في معارفهم، وذلك كان شأنهم في معايشهم. عبيد أذلاء، [ ص: 1932 ] حيارى في جهالة عمياء، اللهم إلا بعض شوارد من بقايا الحكمة الماضية، والشرائع السابقة، آوت إلى بعض الأذهان، ومعها مقت الحاضر، ونقص العلم بالغابر، ثارت الشبهات على أصول العقائد وفروعها، بما انقلب من الوضع، وانعكس من الطبع، فكان يرى الدنس في مظنة الطهارة، والشره حيث تنتظر القناعة، والدعارة حيث ترجى السلامة والسلام. مع قصور النظر عن معرفة السبب، وانصرافه لأول وهلة إلى أن مصدر كل ذلك هو الدين. فاستولى الاضطراب على المدارك. وذهب بالناس مذهب الفوضى في العقل والشريعة معا. وظهرت مذاهب الإباحيين والدهريين في شعوب متعددة، وكان ذلك ويلا عليها، فوق ما رزئت به من سائر الخطوب. وكانت الأمة العربية قبائل متخالفة في النزعات، خاضعة للشهوات، فخر كل قبيلة في قتال أختها. وسفك دماء أبطالها، وسبي نسائها. وسلب أموالها. تسوقها المطامع إلى المعامع. ويزين لها السيئات، فساد الاعتقادات. وقد بلغ العرب من سخافة العقل حدا صنعوا أصنامهم من الحلوى ثم عبدوها. فلما جاعوا أكلوها. وبلعوا من تضعضع الأخلاق وهنا قتلوا فيه بناتهم تخلصا من عار حياتهن. أو تنصلا من نفقات معيشتهن. وبلغ الفحش منهم مبلغا لم يعد معه للعفاف قيمة.

وبالجملة: فكانت ربط النظام الاجتماعي قد تراخت عقدها في كل أمة. وانفصمت عراها عند كل طائفة.

أفلم يكن من رحمة الله بأولئك الأقوام أن يؤدبهم رجل منهم يوحي إليه رسالته؟ ويمنحه عنايته؟ ويمده من القوة بما يتمكن معه من كشف تلك الغمم. التي أظلت رؤوس جميع الأمم؟ نعم، كان ذلك، وله الأمر من قبل ومن بعد. انتهى.

ثم أشار إلى تفريطهم في أمر الله الوارد على لسان موسى، وتفريطهم في حقه مع حثه إياهم على شكر الله. ليسارعوا إلى امتثال أمره، فقال:
[ ص: 1933 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[20] وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين

وإذ قال موسى لقومه يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم أي: التي هي فوق نعمه على من سواكم، فلا تفرطوا في أمره إذ لم يفرط في حقكم إذ جعل فيكم أنبياء أي: وهم أكمل الخلائق ومكملوهم، ولم يبعث في أمة ما بعث في بني إسرائيل من الأنبياء وجعلكم ملوكا يعني: وجعلكم أحرارا تملكون أنفسكم بعد ما كنتم في أيدي القبط مملوكين، فأنقذكم الله. فسمى إنقاذهم ملكا وآتاكم أعطاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين من أنواع الإكرام التي خصكم بها - كفلق البحر لهم، وإهلاك عدوهم، وتوريثهم أموالهم، وإنزال المن والسلوى عليهم، وإخراج المياه العذبة من الحجر، وإظلال الغمام فوقهم... - فمقتضى هذه النعم المبادرة إلى امتثال أوامر المنعم، شكرا له. ثم أخبر تعالى عن تحريض موسى عليه السلام لقومه على الجهاد والدخول إلى بيت المقدس الذي استحوذ عليه الجبابرة، وأنهم نكلوا وعصوا أمره، فعوقبوا بالتيه لتفريطهم، فقال سبحانه مخبرا عن موسى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[21] يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين

يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة يعني: أرض بيت المقدس التي كانت مقدسة بمساكنة من مضى من الأنبياء. ثم تلوثت بمساكنة الأعداء من جبابرة الكنعانيين. فأراد تطهيرها بإخراجهم وإسكان قومه التي كتب الله لكم أي: التي وعدكموها على لسان [ ص: 1934 ] أبيكم إبراهيم، بأن تكون ميراثا لولده بعد أن جعلها مهاجره ولا ترتدوا على أدباركم أي: لا تنكصوا على أعقابكم مدبرين من خوف الجبابرة جبنا وهلعا فتنقلبوا خاسرين أي: فترجعوا مغبونين بالعقوبة.
[ ص: 1935 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[22] قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون

قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين أي: متغلبين ليس لنا مقاومتهم وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها أي: من غير صنع من قبلنا؛ فإنه لا طاقة لنا بإخراجهم منها فإن يخرجوا منها أي: بسبب من الأسباب التي لا تعلق لنا بها فإنا داخلون
القول في تأويل قوله تعالى:

[23] قال رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما ادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين

قال رجلان هما يوشع بن نون وكالب بن يفنا من الذين يخافون أي: يخافون الله تعالى دون العدو، ويتقونه في مخالفة أمره ونهيه.

وقال العلامة البقاعي: أي: من الذين يوجد منهم الخوف من الجبارين. ومع ذلك لم يخافا أنعم الله عليهما أي: بالتثبيت والثقة بوعده تعالى ومعرفة مقام أوامره تعالى: ادخلوا عليهم الباب أي: باب بلدهم، أي: باغتوهم وامنعوهم من البروز إلى الصحراء، لئلا يجدوا للحرب مجالا فإذا دخلتموه - أي: باب بلدهم -: فإنكم غالبون عليهم وعلى الله فتوكلوا أي: لا على قوة أنفسكم إن كنتم مؤمنين أي: بكمال قدرته ووعده النصر.
القول في تأويل قوله تعالى:

[24] قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون

قالوا يا موسى إنا لن ندخلها أبدا ما داموا - أي: الجبابرة -: فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون
القول في تأويل قوله تعالى:

[25] قال رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين

قال أي: موسى عليه السلام لما رأى منهم ما رأى من العناد، على طريقة البث والحزن والشكوى إلى الله تعالى: رب إني لا أملك أي: أحدا ألزمه قتالهم إلا نفسي وأخي هارون. قال المهايمي: أي: ومن يؤاخيني ويوافقني كهارون ويوشع وكالب فافرق أي: فاحكم بما يميز بين المحق والمبطل لتفرق بيننا وبين القوم الفاسقين أي: الخارجين عن أمرك، وهو في معنى الدعاء عليهم. وقد استجاب الله دعاءه، وفرق بأن أضلهم ظاهرا كما ضلوا باطنا. كما بينه بقوله سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى:

[26] قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين

قال فإنها أي: الأرض المقدسة محرمة عليهم أي: بسبب أقوالهم هذه [ ص: 1936 ] وأفعالهم. لا يدخلونها ولا يملكونها. ممن قال هذه المقالة أو رضيها أحد، فالتحريم تحريم منع لا تحريم تعبد أربعين سنة يتيهون في الأرض أي: يترددون في البرية متحيرين في الأرض حتى يهلكوا كلهم، و (التيه) المفازة التي يتيه فيها سالكها فيضل عن وجه مقصده فلا تأس أي: تحزن على القوم الفاسقين أي: الخارجين من قيد الطاعات. قال العلامة البقاعي: ثم بعد هلاكهم أدخلها بنيهم الذين ولدوا في التيه. وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت على طلب الوفاء بها، وافتتحت بها، وصرح بأخذها عليهم في قوله: ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل الآيات. وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم فيما يفعلونه معه، وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق، وترغيب لمن أطاع منهم، وترهيب لمن عصى. ومات في تلك الأربعين، كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء العشرة. وكان الغمام يظلهم من حر الشمس. ويكون لهم عمود من نور بالليل يضيء عليهم. وغير هذا من النعم، لأن المنع بالتيه كان تأديبا لهم. لا غضب؛ إذ أنهم تابوا. ثم ساق البقاعي - رحمه الله - شرح هذه القصة من التوراة التي بين أيديهم بالحرق. ونحن نأتي على ملخصها تأثرا له، فنقول:

جاء في سفر "العدد" في الفصل الثالث عشر: إن شعب بني إسرائيل لما ارتحلوا من حصيروت ونزلوا ببرية فاران، كلم الرب موسى بأن يبعث رجالا يجسون أرض كنعان. من كل سبط رجلا واحدا، وكلهم يكونون من رؤساء بني إسرائيل، فأرسلهم موسى وأمرهم أن ينظروا إلى الأرض. أجيدة أم رديئة؟ وإلى أهلها، أشديدون أم ضعفاء؟ قليلون أم كثيرون؟ وأن يوافوه بشيء من ثمرها. فساروا واجتسوا الأرض من برية صين إلى رحوب عند مدخل حماة، ثم رجعوا بعد أربعين يوما. وكان موسى وقومه في برية فاران في قاديش، فأروهم ثمر الأرض، وقصوا عليهم ما شاهدوه من جودة الأرض، وأنها تدر لبنا وعسلا. ومن [ ص: 1937 ] شدة أهلها وقوتهم وتحصن مدنهم; فاضطرب قوم موسى. فأخذ كالب - أحد النقباء - يسكتهم عن موسى ويقول: نصعد ونرث الأرض فإنا قادرون عليها. وخالفه بقية النقباء وقالوا: لا نقدر أن نصعد إليهم لأنهم أشد منا. وهولوا على بني إسرائيل الأمر وقالوا: شاهدنا أناسا طوال القامات، سيما بني عناق. فصرنا في عيوننا كالجراد. وكذلك كنا في عيونهم. فعند ذلك ضج قوم موسى ورفعوا أصواتهم وبكوا وقالوا: ليتنا متنا في أرض مصر أو في هذه البرية. ولا تكون نساؤنا وأطفالنا غنيمة للجبابرة. وخير لنا أن نرجع إلى مصر. وقالوا: لنقم لنا رئيسا ونرجع إلى مصر. فلما شاهد موسى ذلك منهم وقع هو وأخوه هارون على وجوههما أمام الإسرائيليين. ومزق، من النقباء، يوشع بن نون وكالب ثيابهما. وكلما بني إسرائيل قائلين: إن الأرض التي مررنا فيها جيدة، وإذا كان ربنا راضيا عنا فإنه يدخلنا إياها. فلا تتمردوا ولا تخافوا أهلها فسيكونون طعمة لنا. إذ الرب معنا. فلما سمع بنو إسرائيل كلام يوشع وكالب قالوا: ليرجما بالحجارة، وكاد حينئذ أن يحيق ببني إسرائيل العذاب الإلهي، لولا تضرع موسى إلى ربه بأن يعفو عنهم، كيلا يكونوا أحدوثة عند أعدائهم المصريين، فعفا تعالى عنهم. وأعلم موسى; أن قومه لن يروا الأرض التي أقسم عليها لآبائهم، وأنهم يموتون جميعا في التيه. إلا كالبا. فإنه لحسن انقياده سيدخل الأرض، وكذلك يوشع، وأعلمه تعالى أيضا بأن أطفال قومه الذين سيهلكون في التيه يكونون رعاة فيه أربعين سنة بعدد الأيام التي تجس النقباء فيها أرض الكنعانيين. كل يوم وزره سنة ليعرفوا انتقامه، عز سلطانه ثم هلك النقباء العشرة، الذين شنعوا لدى قومهم تلك الأرض، بضربة عجلت لهم. ثم هم قوم موسى بالصعود إلى الكنعانيين لما أخبرهم موسى بما أعلمه تعالى. فنهاهم موسى وقال لهم: لا فوز لكم الآن بالنصر الرباني، وإن فعلتم فإن العدو يهزمكم وتسقطون تحت سيفه. فتجبروا وصعدوا إلى رأس الجبل. فنزل العمالقة والكنعانيون عليهم وحطموهم، ثم بعد انقضاء الأربعين سنة فتحت الأرض المقدسة على يد يوشع، كما شرح في "سفره"، والله أعلم.

[ ص: 1938 ] تنبيهات:

الأول: قوله تعالى: أربعين سنة ظرف متعلق ب (يتيهون). واحتمال كونه ظرفا ل (محرمة) كما ذكره غير واحد - لا يصح إلا بتكلف; لما شرحناه من سياق القصة.

الثاني: قال الحاكم: دل قوله تعالى: فلا تأس على القوم الفاسقين على أن من لحقه عذاب الله لا يجوز أن يحزن عليه لأن ذلك حكمه، بل يحمد الله إذا أهلك عدوا من أعدائه.

الثالث: قال ابن كثير: ذكر كثير من المفسرين ههنا أخبارا من وضع بني إسرائيل، في عظمة خلق هؤلاء الجبارين، وأن منهم عوج بن عنق بنت آدم عليه السلام. وأن طوله ثلاثة آلاف ذراع. وثلاثمائة وثلاثة وثلاثون ذراعا وثلث ذراع. تحرير الحساب. وهذا شيء يستحيى من ذكره. ثم هو مخالف لما ثبت في "الصحيحين": أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله خلق آدم وطوله ستون ذراعا، ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن» . ثم ذكروا أن هذا الرجل كان كافرا، وأنه كان ولد زنية، وأنه امتنع من ركوب سفينة نوح، وأن الطوفان لم يصل إلى ركبته. وهذا كذب وافتراء، فإن الله تعالى ذكر أن نوحا دعا على أهل الأرض من الكافرين فقال: وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا وقال تعالى: فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون ثم أغرقنا بعد الباقين وقال تعالى: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم وإذا كان ابن نوح، الكافر، غرق، فكيف يبقى عوج بن عنق وهو كافر وولد زنية؟ هذا لا يسوغ في عقل ولا شرع. ثم في وجود رجل يقال له عوج بن عنق، نظر. والله أعلم.

[ ص: 1939 ] الرابع: قال ابن كثير: تضمنت هذه القصة تقريع اليهود، وبيان فضائحهم ومخالفتهم لله ولرسوله، ونكولهم عن طاعتهما فيما أمراهم به من الجهاد، فضعفت أنفسهم عن مصابرة الأعداء ومجادلتهم ومقاتلتهم، مع أن بين أظهرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكليمه وصفيه من خلقه في ذلك الزمان، وهو يعدهم بالنصر والظفر بأعدائهم. هذا مع ما شاهدوا من فعل الله بعدوهم، فرعون، من العذاب والنكال والغرق له ولجنوده في اليم وهم ينظرون، لتقر به أعينهم (وما بالعهد من قدم). ثم ينكلون عن مقاتلة أهل بلد هي بالنسبة إلى ديار مصر لا توازن عشر المعشار في عدة أهلها وعددهم، وظهرت قبائح صنيعهم للخاص والعام، وافتضحوا فضيحة لا يغطيها الليل ولا يسترها الذيل. وقال - رحمه الله - قبل ذلك: وما أحسن ما أجاب به الصحابة - رضي الله عنهم - يوم بدر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين [ ص: 1940 ] استشارهم في قتال النفير الذين جاءوا لمنع العير الذي كان مع أبي سفيان. فلما فات اقتناص العير، واقترب منهم النفير، وهم في جمع ما بين التسعمائة إلى الألف في العدة والبيض واليلب. فتكلم أبو بكر - رضي الله عنه - فأحسن، ثم تكلم من الصحابة، من المهاجرين، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أشيروا علي أيها المسلمون! وما يقول ذلك إلا ليستعلم ما عند الأنصار. لأنهم كانوا جمهور الناس يومئذ. فقال سعد بن معاذ: كأنك تعرض بنا يا رسول الله؟ فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر، فخضته، لخضناه معك. ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا. إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء. لعل الله أن يريك منا ما تقر به عينك. فسر على بركة الله. فسر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول سعد، ونشطه لذلك.

وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: لقد شهدت من المقداد مشهدا، لأن أكون أنا صاحبه، أحب إلي مما عدل به. أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو على المشركين فقال: والله! يا رسول الله! لا نقول كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون . ولكنا نقاتل عن يمينك، وعن يسارك، ومن بين يديك، ومن خلفك.

[ ص: 1941 ] فرأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يشرق لذلك. وسره ذلك.
وهكذا رواه البخاري في "المغازي".

الخامس: استنبط العمرانيون من هذه الآية أن من عوائق الملك حصول المذلة للقبيل، والانقياد لسواهم.

قال الحكيم بن خلدون في "مقدمة العبر" في الفصل 19 تحت العنوان المذكور: إن المذلة والانقياد كاسران لسورة العصبية وشدتها. فإن انقيادهم ومذلتهم دليل على فقدانها، فما رئموا (ألفوا) للمذلة حتى عجزوا عن المدافعة، ومن عجز عن المدافعة، فأولى أن يكون عاجزا عن المقاومة والمطالبة، واعتبر ذلك في بني إسرائيل لما دعاهم موسى عليه السلام إلى ملك الشام، وأخبرهم أن الله قد كتب لهم ملكها، كيف عجزوا عن ذلك، قالوا: إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها . أي: يخرجهم الله منها بضرب من قدرته غير عصبيتنا، وتكون من معجزاتك يا موسى، ولما عزم عليهم لجوا وارتكبوا العصيان وقالوا له: فاذهب أنت وربك فقاتلا وما ذلك إلا لما آنسوا من أنفسهم من العجز عن المقاومة والمطالبة، كما تقتضيه الآية وما يؤثر في تفسيرها، وذلك بما حصل فيهم من خلق الانقياد، وما رئموا من الذل للقبط أحقابا حتى ذهبت العصبية منهم جملة. مع أنهم [ ص: 1942 ] لم يؤمنوا حق الإيمان بما أخبرهم به موسى، من أن الشام لهم، وأن العمالقة الذين كانوا بأريحاء فريستهم، بحكم من الله قدره لهم. فأقصروا عن ذلك وعجزوا، تعويلا على ما علموا من أنفسهم من العجز عن المطالبة، لما حصل لهم من خلق المذلة. وطعنوا فيما أخبرهم به نبيهم من ذلك وما أمرهم به. فعاقبهم الله بالتيه. وهو أنهم تاهوا في قفر من الأرض ما بين الشام ومصر أربعين سنة. لم يأووا فيها لعمران، ولا نزلوا مصرا، ولا خالطوا بشرا، كما قصه القرآن، لغلظة العمالقة بالشام والقبط بمصر عليهم، لعجزهم عن مقاومتهم كما زعموه. ويظهر من مساق الآية ومفهومها: أن حكمة ذلك التيه مقصودة. وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة وتخلقوا به. وأفسدوا من عصبيتهم، حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر، ولا يسام بالمذلة. فنشأت لهم بذلك عصبية أخرى اقتدروا بها على المطالبة والتغلب، يظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر، سبحان الحكيم العليم، وفي هذا أوضح دليل على شأن العصبية. وأنها هي التي تكون بها المدافعة والمقاومة والحماية والمطالبة. وأن من فقدها عجز عن جميع ذلك كله.

ثم بين تعالى وخيم عاقبة البغي والحسد، في جزاء ابني آدم لصلبه. تعريضا باليهود. وأنهم إن أصروا على بغيهم وحسدهم فسيرجعون بالصفة الخاسرة في الدارين، فقال تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[27] واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين

واتل عليهم أي: على هؤلاء البغاة الحسدة من اليهود وأشباههم نبأ ابني آدم هابيل وقابيل، ملتبسا بالحق أي: الصدق والصحة موافقا لما في كتبهم: [ ص: 1943 ] إذ قربا قربانا أي: ما يتقرب به إلى الله تعالى من نسيكة أو صدقة. وكان هابيل راعي غنم، وقابيل يحرث الأرض. فقدم هابيل شيئا من أبكار غنمه ومن سمانها. وقدم قابيل شيئا رديئا من ثمر الأرض: فتقبل من أحدهما وهو هابيل: ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل: قال قابيل لهابيل: لأقتلنك على قبول قربانك: قال إنما يتقبل الله من المتقين أي: إنما أتيت من قبل نفسك، لانسلاخها من لباس التقوى. لا من قبلي. فلم تقتلني؟ وما لك لا تعاتب نفسك ولا تحملها على تقوى الله التي هي السبب في القبول؟ فأجابه بكلام حكيم مختصر جامع لمعان; وفيه دليل على أن الله تعالى لا يقبل طاعة إلا من مؤمن متق، فما أنعاه على أكثر العاملين أعمالهم!

وعن عامر بن عبد الله: أنه بكى حين حضرته الوفاة: فقيل له: ما يبكيك فقد كنت وكنت؟ قال: إني أسمع الله يقول: إنما يتقبل الله من المتقين كذا في "الكشاف".

وروى ابن أبي حاتم عن معاذ بن جبل قال: يحبس الناس في بقيع واحد فينادي مناد: أين المتقون؟ فيقومون في كنف من الرحمن لا يحتجب الله منهم ولا يستتر.

قلت: من المتقون؟ قال: قوم اتقوا الشرك وعبادة الأوثان وأخلصوا العبادة. فيمرون إلى الجنة.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 50.84 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 50.21 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.24%)]