عرض مشاركة واحدة
  #4  
قديم 05-11-2022, 10:59 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 171,330
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير "محاسن التأويل"محمد جمال الدين القاسمي متجدد إن شاء الله


تفسير "محاسن التأويل"

محمد جمال الدين القاسمي
سُورَةُ المائدة
المجلد السادس
صـ 1917 الى صـ 1927
الحلقة (294)


القول في تأويل قوله تعالى:

[13] فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظا مما ذكروا به ولا تزال تطلع على خائنة منهم إلا قليلا منهم فاعف عنهم واصفح إن الله يحب المحسنين

فبما نقضهم ميثاقهم [ الباء ] سببية و (ما) مزيدة لتأكيد الكلام وتمكينه في النفس. أي: بسبب نقضهم ميثاقهم. أو نكرة. أي: بشيء عظيم صدر منهم من نقضهم ميثاقهم المؤكد، الموعود عليه النصر والمغفرة والأجر العظيم لعناهم أي: أبعدناهم عن رحمتنا وجعلنا قلوبهم قاسية بحيث لا تلين لرؤية الآيات والنذر، ولا تتعظ بموعظة، لغلظها وقساوتها لغضب الله عليهم، وبقيت تلك القساوة واللعنة في ذريتهم: يحرفون الكلم أي: كلم الله في التوراة، بصرف ألفاظه أو معانيه عن مواضعه التي أنزلت.

قال ابن كثير: أي: فسدت فهومهم، وساء تصرفهم في آيات الله، وتأولوا كتابه على غير ما أنزله، وحملوه على غير مراده، وقالوا عليه ما لم يقل. عياذا بالله من ذلك. قال أبو السعود: والجملة استئناف لبيان مرتبة قساوة قلوبهم. فإنه لا مرتبة أعظم مما [ ص: 1917 ] يصحح الاجتراء على تغيير كلام الله عز وجل، والافتراء عليه. وقيل: حال من مفعول (لعناهم).

ونسوا حظا مما ذكروا به أي: تركوا نصيبا وافرا مما أمروا به في التوراة، ترك الناسي للشيء لقلة مبالاته بحيث لم يكن لهم رجوع عليه. أو من اتباع محمد صلى الله عليه وسلم ولا تزال تطلع على خائنة منهم أي: خيانة. على أنها مصدر ك (لاغية وكاذبة). أو طائفة خائنة. يعني: أن الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم، بحيث لا يكادون يتركونها أو يكتمونها. فلا تزال ترى ذلك منهم.

قال مجاهد وغيره بذلك تمالؤهم على الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم.

إلا قليلا منهم وهم المؤمنون منهم فاعف عنهم واصفح أي: لا تعاقبهم.

قال ابن كثير: هذا موجب النصر والظفر. كما قال عمر: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه. وبهذا، يحصل لهم تأليف وجمع على الحق. ولعل الله يهديهم.

ولهذا قال تعالى: إن الله يحب المحسنين يعني به الصفح عمن أساء؛ فإنه من باب الإحسان.

تنبيه:

قال بعض المفسرين: في هذا دلالة على جواز التحليف على الأمور المستقبلة. وأخذ الكفيل على الحق الذي يفعل في المستقبل. وفي قوله تعالى: فبما نقضهم ميثاقهم إلخ، دليل على تأكيد الميثاق، وقبح نقضه، وأنه قد يسلب اللطف المبعد من المعاصي. ويورث النسيان، ولهذا قال تعالى: ونسوا حظا مما ذكروا به وعن ابن مسعود: قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية. انتهى.
[ ص: 1918 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[14] ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة وسوف ينبئهم الله بما كانوا يصنعون

ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم بعبادة الله وحده، وأن لا يشركوا به شيئا، وحفظ شرعة عيسى عليه السلام. وإنما نسب تسميتهم نصارى إلى أنفسهم - دون أن يقال (ومن النصارى) - إيذانا بأنهم في قولهم: نحن أنصار الله . بمعزل من الصدق. وإنما هو تقول محض منهم. وليسوا من نصرة الله تعالى في شيء. أو إظهارا لكمال سوء صنيعهم ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم. فإن ادعاءهم لنصرته تعالى يستدعي ثباتهم على طاعته تعالى ومراعاة ميثاقه. أفاده أبو السعود. قال الناصر في "الانتصاف": وبقيت نكتة في تخصيص هذا الموضع بإسناد النصرانية إلى دعواهم. ولم يتفق ذلك في غيره. ألا ترى إلى قوله تعالى: وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه فالوجه في ذلك - والله أعلم - أنه لما كان المقصود في هذه الآية [ ص: 1919 ] ذمهم بنقض الميثاق المأخوذ عليهم في نصرة الله تعالى، ناسب ذلك أن يصدر الكلام بما يدل على أنهم لم ينصروا الله ولم يفوا بما واثقوا عليه من النصرة. وما كان حاصل أمرهم إلا التفوه بدعوى النصرة وقولها دون فعلها. والله أعلم.

قال الشهاب الخفاجي: الموجود في كتب اللغة والتاريخ أن النصارى نسبت إلى بلدة (ناصرة) أي: التي حبل فيه المسيح وتربى فيها. ولذلك كان يدعى عليه السلام (ناصريا). ثم قال: فلو قيل في الآية: إنهم على دين النصرانية وليسوا عليها لعدم عملهم بموجبها ومخالفتهم لما في الإنجيل من التبشير بنبينا صلى الله عليه وسلم - لكان أقرب من وجه التسمية الذي ذكروه.

فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا أي: ألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة أي: يتعادون ويتباغضون إلى قيام الساعة حسبما تقتضيه أهواؤهم المختلفة، وآراؤهم الزائغة المؤدية إلى التفرق فرقا متباينة، يلعن بعضها بعضا، ويكفر بعضها بعضا وسوف ينبئهم الله يخبرهم الله في الآخرة بما كانوا يصنعون من المخالفة وكتمان الحق والعداوة والبغضاء. ونسيان الحظ الوافر مما ذكروا به. وهذا وعيد شديد بالجزاء والعذاب.

لطيفة:

تطرق البقاعي - رحمه الله تعالى - في "تفسيره" هنا إلى ذكر نقباء بني إسرائيل بأسمائهم، وأن عدتهم طابقت عدة نقباء النصارى - وهم الحواريون - كما طابقت عدة نقباء الأنصار [ ص: 1920 ] ليلة العقبة الأخيرة، حين بايع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار على الحرب، وأن يمنعوه إذا وصل إليهم، وقال لهم: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا - كما اختار موسى من قومه - فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وذكر البقاعي: أن بعث النقباء من بني إسرائيل كان مرتين: الأول لما كلم تعالى موسى في برية سيناء في اليوم الأول من الشهر الثاني من السنة لخروجهم من أرض مصر. وقد فصلت في الفصل الأول من سفر (العدد). والمرة الثانية: بعثوا لجس أرض كنعان. وفصلت أيضا في الفصل الثالث عشر من سفر (العدد) ثم ذكر البقاعي: أن نقباء اليهود في جس الأرض لم يوف منهم إلا يوشع بن نون وكالب بن يفنا، وأما نقباء النصارى، فخان منهم واحد - وهو يهوذا - كما مضى عند قوله تعالى: وما قتلوه وما صلبوه وأما نقباء الأنصار فكلهم وفى وبر بتوفيق الله تعالى.

وقد اقتص البقاعي أسماء نقباء الفرق الثلاث، ولمعة من نبئهم. فانظره، والله أعلم.

ثم خاطب تعالى الفريقين من أهل الكتاب إثر تشديد النكير عليهم بتحريف كتبهم ونبذهم الميثاق، ودعاهم إلى الحنفية حتى يكونوا على نور من ربهم. فقال تعالى:
القول في تأويل قوله تعالى:

[15] يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب ويعفو عن كثير قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين

يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب أي: من نحو بعثته صلى الله عليه وسلم، وآية الرجم في التوراة، وبشارة عيسى به، إظهارا للحق ويعفو عن كثير أي: مما تخفونه. لا يبينه. مما لا ضرورة في بيانه، صيانة لكم عن زيادة الافتضاح. أو يعفو فلا يؤاخذ. وفي هذه الآية بيان معجزة له صلى الله عليه وسلم. فإنه [ ص: 1921 ] لم يقرأ كتابا ولم يتعلم علما من أحد، فإخباره بأسرار ما في كتابهم إخبار عن الغيب، فيكون معجزا قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يريد القرآن. لكشفه ظلمات الشرك والشك. ولإبانته ما كان خافيا على الناس من الحق. أو لأنه ظاهر الإعجاز. أو النور، محمد صلى الله عليه وسلم لأنه يهتدى به، كما سمي سراجا.
القول في تأويل قوله تعالى:

[16] يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم

يهدي به الله من اتبع رضوانه أي: رضاه بالإيمان به سبل السلام أي: طرق السلامة والنجاة من عذاب الله ويخرجهم من الظلمات إلى النور أي: ظلمات الكفر والشبه إلى نور الإيمان والدلائل القطعية بإذنه أي: بتوفيقه وإرادته ويهديهم إلى صراط مستقيم وهو الدين الحق السوي في الاعتقادات والأعمال، العري عن الإفراط والتفريط فيها. ثم أشار إلى إفراط بعض النصارى في حق عيسى، وتفريطهم في حق الله جل شأنه فقال:
القول في تأويل قوله تعالى:

[17] لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما يخلق ما يشاء والله على كل شيء قدير

لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم في هذه الآية وجهان:

[ ص: 1922 ] الأول: إن ما أفادته من الحصر - وإن لم يصرحوا به - إلا أنه نسب إليهم لأنه لازم مذهبهم لأن معتقدهم مؤد إليه.

قال الرازي: لأنهم يقولون: إن أقنوم الكلمة اتحد بعيسى عليه السلام. فأقنوم الكلمة إما أن يكون ذاتا أو صفة. فإن كان ذاتا فذات الله تعالى قد حلت في عيسى واتحدت بعيسى فيكون عيسى هو الإله على هذا القول. وإن قلنا: إن الأقنوم عبارة عن الصفة، فانتقال الصفة من ذات إلى ذات أخرى غير معقول. ثم بتقدير انتقال أقنوم العلم عن ذات الله تعالى إلى عيسى، يلزم خلو ذات الله عن العلم. ومن لم يكن عالما لم يكن إلها. فحينئذ يكون الإله هو عيسى. على قولهم. فثبت أن النصارى - وإن كانوا لا يصرحون بهذا القول - إلا أن حاصل مذهبهم ليس إلا ذلك. انتهى.

وبطلان الاتحاد معلوم بالبداهة.

قال العلامة العضد في (الموقف الثاني): المقصد الثامن: الاثنان لا يتحدان. وهذا حكم ضروري. فإن الاختلاف بين الماهيتين والهويتين اختلاف بالذات فلا يعقل زواله. وهذا ربما يزاد توضيحه فيقال: إن عدم الهويتان فلا اتحاد، بل وحدث أمر ثالث غيرهما - وإن عدم أحدهما - فلا يتحد المعدوم بالموجود، وإن وجدا فهما اثنان كما كانا، فلا اتحاد أيضا. انتهى.

الوجه الثاني: إنه عني بهذه الآية قوم يقولون بأن حقيقة الله هو المسيح لا غير.

قال الزمخشري: قيل: كان في النصارى قوم يقولون ذلك. انتهى.

قال الإمام الشهرستاني في "الملل والنحل" عند ذكر فرق النصارى:

ومنهم اليعقوبية أصحاب يعقوب. قالوا بالأقانيم الثلاثة - كما ذكرنا - إلا أنهم قالوا: انقلبت الكلمة لحما ودما فصار الإله هو المسيح، وهو الظاهر بجسده بل هو هو. وعنهم أخبرنا القرآن الكريم: لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم فمنهم [ ص: 1923 ] من قال: المسيح هو الله. ومنهم من قال: ظهر اللاهوت بالناسوت فصار ناسوت المسيح مظهر الحق. لا على طريق حلول جزء فيه. ولا على سبيل اتحاد الكلمة التي هي في حكم الصفة بل صار هو هو. وهذا كما يقال: ظهر الملك بصورة الإنسان. أو ظهر الشيطان بصورة حيوان.. إلخ.

وذكر الإمام الماوردي في "أعلام النبوة": إن أوائل النسطورية قالوا: إن عيسى هو الله. انتهى.

وذكر الإمام ابن إسحاق في "السيرة": إن نصارى نجران لما وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، كانوا من النصرانية على دين ملكهم، مع اختلاف من أمرهم. يقولون: هو الله: ويقولون: هو ولد الله. ويقولون: هو ثالث ثلاثة - يعني هو تعالى وعيسى ومريم - وكذلك قول النصرانية. ثم قال: ففي كل ذلك من قولهم قد نزل القرآن.

قل - أي: تبكيتا لهم، وإظهارا لفساد قولهم -: فمن يملك من الله شيئا أي: من يستطيع إمساك شيء من قدرته تعالى: إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم أي: يميته: وأمه ومن في الأرض جميعا أي: فضلا عن آحادهم. احتج بذلك على فساد قولهم. وتقريره: أن المسيح حادث بلا شبهة؛ لأنه تولد من أم. ولذا ذكرت الأم للتنبيه على هذا. ومقهور قابل للفناء أيضا كسائر الممكنات. ومن كان كذلك كيف يكون إلها؟

قال أبو السعود: وتعميم إرادة الإهلاك للكل - مع حصول المطلوب يقصرها على المسيح - لتهويل الخطب وإظهار كمال العجز، ببيان أن الكل تحت قهره تعالى وملكوته. لا يقدر أحد على دفع ما أريد به. فضلا عن دفع ما أريد بغيره. وللإيذان بأن المسيح أسوة لسائر المخلوقات في كونه عرضة للهلاك. كما أنه أسوة لها فيما ذكر من العجز وعدم استحقاق الألوهية.

[ ص: 1924 ] ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما من الخلق والعجائب - وهذا تحقيق لاختصاص الألوهية به تعالى. إثر بيان انتفائها عن غيره: يخلق ما يشاء جملة مستأنفة مسوقة لبيان بعض أحكام الملك والألوهية على وجه يزيح ما اعتراهم من الشبهة في أمر المسيح - لولادته من غير أب، وإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص - أي: يخلق ما يشاء من أنواع الخلق كما شاء بأب أو بغير أب...!

قال السمرقندي: وإنما قال: يخلق ما يشاء لأن النصارى أهل نجران كانوا يقولون: لو كان عيسى بشرا كان له أب. فأخبرهم الله تعالى أنه قادر على أن يخلق خلقا بغير أب.

والله على كل شيء من خلق الخلق، والثواب لأوليائه، والعقاب لأعدائه -: قدير
القول في تأويل قوله تعالى:

[18] وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير

وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه حكاية لما صدر عن الفريقين من الدعوى الباطلة. وبيان لبطلانها بعد بطلان ما صدر عن أحدهما. أي: قالوا: نحن من الله بمنزلة الأبناء من الآباء في المنزلة والكرامة. ونحن أحباؤه لأننا على دينه.

قال ابن كثير: ونقلوا عن كتابهم أن الله قال لعبده إسرائيل: أنت ابني بكري. فحملوا هذا على غير تأويله وحرفوه. وقد رد عليه غير واحد ممن أسلم من عقلائهم. وقالوا: هذا يطلق عندهم على التشريف والإكرام. كما نقل النصارى عن كتابهم أن عيسى قال لهم: إني ذاهب إلى أبي وأبيكم، يعني ربي وربكم. ومعلوم أنهم لم يدعوا لأنفسهم من النبوة [ ص: 1925 ] ما ادعوها في عيسى عليه السلام، وإنما أرادوا بذلك معزتهم لديه، وحظوتهم عنده...! انتهى.

وقال الجلال الدواني في "شرح عقائد العضد": وما نقل عن الإنجيل - فعلى فرض صحته وعدم التحريف - يكون إطلاق الأب عليه بمعنى المبدأ. فإن القدماء كانوا يسمون المبادئ بالآباء. وأنت تعلم أن المتشابهات في القرآن وغيره من الكتب الإلهية كثيرة. ويردها العلماء بالتأويل إلى ما علم بالدليل. فلو ثبت ذلك لكان من هذا القبيل. انتهى. وقال الدهلوي في "الفوز الكبير": إن الله عز وجل شرف الأنبياء وتابعيهم في كل ملة بلقب المقرب والمحبوب. وذم الذين ينكرون الملة بصفة المبغوضية. وقد وقع التكلم في هذا الباب بلفظ شائع في كل قوم، فلا عجب أن يكون قد ذكر الأبناء مقام المحبوبين، فظن اليهود أن ذلك التشريف دائر مع اسم اليهودي والعبري والإسرائيلي. ولم يعلموا أنه دائر على صفة الانقياد والخضوع وتمشية ما أراد الحق سبحانه ببعثة الأنبياء لا غير. وكان ارتكز من هذا القبيل في خاطرهم كثير من التأويلات الفاسدة المأخوذة من آبائهم وأجدادهم، فأزال القرآن هذه الشبهات على وجه أتم. انتهى.

قل فلم يعذبكم بذنوبكم أي: لو كنتم أبناءه وأحباءه لما عذبكم، لكن اللازم منتف إذ عذبكم في الدنيا بالقتل والأسر والمسخ، واعترفتم بأنه سيعذبكم بالنار أياما معدودة.

لطيفة:

قال بعض شيوخ الصوفية لبعض الفقهاء: أين تجد في القرآن أن الحبيب لا يعذب حبيبه؟ فلم يرد عليه، فتلا عليه الصوفي هذه الآية: قل فلم يعذبكم بذنوبكم وهذا الذي قاله حسن. وله شاهد في "المسند" للإمام أحمد حيث قال: حدثنا ابن أبي عدي. [ ص: 1926 ] عن حميد، عن أنس قال: «مر النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه، وصبي في الطريق. فلما رأت أمه القوم خشيت على ولدها أن يوطأ فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني! وسعت فأخذته، فقال القوم: يا رسول الله! ما كانت هذه لتلقي ولدها في النار، قال: فخفضهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا، ولا يلقي الله حبيبه في النار» . قال ابن كثير: تفرد به أحمد. انتهى.

وقال السمرقندي: في الآية دليل أن الله تعالى إذا أحب عبده يغفر ذنوبه ولا يعذبه بذنوبه. لأنه تعالى احتج عليهم فقال: فلم يعذبكم لو كنتم أحباء إليه؟ وقد قال في آية أخرى: إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ففيها دليل أنه لا يعذب التوابين بذنوبهم، ولا المجاهدين الذين يجاهدون في سبيل الله: إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص

وقوله تعالى: بل أنتم بشر عطف على مقدر ينسحب عليه الكلام، أي: لستم كذلك بل أنتم بشر: ممن خلق أي: من جنس من خلقه من غير مزية لكم عليهم: يغفر لمن يشاء لمن تاب من اليهودية والنصرانية: ويعذب من يشاء من مات على اليهودية والنصرانية: ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير أي: المرجع، مصير من آمن ومن لم يؤمن. فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته.
[ ص: 1927 ] القول في تأويل قوله تعالى:

[19] يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير والله على كل شيء قدير

يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم أي: ما أمرتم به وما نهيتم عنه على فترة من الرسل متعلق ب (جاءكم) أي: جاءكم على حين فتور من إرسال الرسل، وانقطاع من الوحي. إذ لم يكن بينه وبين عيسى رسول. ومدة الفترة بينهما خمسمائة وتسع وستون سنة أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير تعليل لمجيء الرسول بالبيان على حذف المضاف. أي: كراهة أن تعتذروا بذلك يوم القيامة، وتقولوا: ما جاءنا من رسول - بعد ما درس الدين - يبشرنا لنرغب فنعمل بما يسعدنا فنفوز. وينذرنا لنرهب فنترك ما يشقينا فنسلم. وقد كان اختلط في تلك الفترة الحق بالباطل - كما سنبينه -: فقد جاءكم بشير ونذير متعلق بمحذوف تنبئ عنه الفاء الفصيحة وتبين أنه معلل به. أي: لا تعتذروا (بما جاءنا) فقد جاءكم بشير أي بشير، ونذير أي نذير والله على كل شيء قدير من إرسال الرسل، والثواب لمن أجاب الرسل، والعقاب لمن لم يجبهم.

قال البقاعي: وفي الختم بوصف القدرة، وإتباعه تذكيرهم ما صاروا إليه من العز بالنبوة والملك، بعد ما كانوا فيه من الذل بالعبودية والجهل، إشارة إلى أن إنكارهم لأن يكون من ولد إسماعيل عليه السلام نبي، يلزم منه إنكارهم للقدرة.



__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 44.71 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 44.08 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.40%)]