الأدوات التي تجزم فعلين
أبو أنس أشرف بن يوسف بن حسن
الأداة السادسة من أدوات الشرط التي تجزم فعلين مضارعين: أي:
أي - بتشديد الياء - اسم شرط جازم، يجزم فعلين مضارعين، أحدهما فعل الشرط، والثاني جواب الشرط وجزاؤه، و(أي) هو الاسم الوحيد من أسماء الشرط الذي يكون معربًا، وما سواه من الأدوات فهو مبني، وقد سبق التنبيه على هذا، واسم الشرط (أي) هو في الأصل يستعمل بحسب ما يضاف إليه، فهو يستمد معناه مِن المضاف إليه، فإن كان المضاف إليه للعاقل أو لغير العاقل فهو له، وإن كان للزمان أو المكان فهو له:
ومن أمثلة ذلك كله:
1- مثال استعمال اسم الشرط (أي) للعاقل، مع جزمه لفعلين مضارعين: أولهما فعل الشرط، والثاني جواب الشرط وجزاؤه: أيُّ امرئ تُصادِفْه تَنصَحْه[10].
2- مثال استعمال اسم الشرط (أي) لغير العاقل، مع جزمه لفعلين مضارعين؛ أحدهما: فعل الشرط، والثاني: جواب الشرط: أي شيء يُؤذِك مرة تحذرْه[11].
3- مثال استعمال اسم الشرط (أي) للزمان، مع جزمه فعلين مضارعين، أحدهما: فعل الشرط، وثانيهما: جواب الشرط: أيَّ وقتٍ تسنح فيه الفرصة تغتنِمْه[12].
4- مثال استعمال اسم الشرط (أي) للمكان، مع جزمه فعلين مضارعين؛ أحدهما: فعل الشرط، وثانيهما: جواب الشرط: أيَّ مكان تجِدْ رزقك فيه تسكُنْه[13].
الأداة السابعة من أدوات الشرط التي تجزم فعلين مضارعين: متى:
(متى): اسم شرط جازم يجزم فعلين مضارعين، أحدهما فعل الشرط، والثاني جواب الشرط وجزاؤه، واسم الشرط (متى) هو في الأصل ظرف زمان، ثم ضمِّن معنى الشرط، فجزَم، وهو مبني على السكون.
ومثال عمل اسم الشرط (متى) الجزم في فعلين، أولهما: فعل الشرط، والثاني: جواب الشرط وجزاؤه: قول عائشة رضي الله عنها للنبي صلى الله عليه وسلم في أبيها: "متى يَقُمْ مقامك لا يُسمِعِ الناسَ"[14]، فقد جزم اسم الشرط (متى) هنا فعلينِ مضارعين؛ أحدها فعل الشرط، وهو هنا الفعل المضارع (يقُم)، وعلامة جزمه السكون، والآخر: جواب الشرط، وهو هنا الفعل المضارع (يُسمِع)، وعلامة جزمه السكون، وحرِّك بالكسر؛ من أجل التقاء الساكنين: العين من الفعل (يُسمع)، والنون الأولى من (الناس)، واسم الشرط (متى) هنا قد دل على الزمان، كما هو واضح، فالمراد هنا الوقت الذي يقوم فيه أبو بكر رضي الله عنه مقامَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما أنه قد أفاد أيضًا هنا معنى الشرطية، وذلك بتعليق وقوع جواب الشرط (يُسمع) على فعل الشرط (يقُم)، فعدم إسماع أبي بكر رضي الله عنه الناسَ مترتبٌ على قيامه بهم بالصلاة[15].
فائدة: قد تأتي (متى) استفهامية أيضًا، يُستفهم بها عن الزمان: وذلك نحو قول الله تعالى: ﴿ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 214].
الأداة الثامنة من أدوات الشرط التي تجزم فعلين مضارعين: (أيَّان):
(أيان): اسم شرط جازم، يجزم فعلين مضارعين، أحدهما فعل الشرط، والآخر جواب الشرط وجزاؤه، و(أيَّان) في الأصل موضوعة للدلالة على مطلق الزمان كـ(متى)، ثم ضمِّنت معنى الشرط، فجزَمت، وهي مبنية.
ومثال عمل اسم الشرط (أيَّان) الجزمَ في فعلين مضارعين، هما: فعل الشرط، وجواب الشرط: أيان يكثُرْ فراغ الشباب يكثُرْ فسادهم، فقد جزَم اسم الشرط (أيان) هنا فعلين مضارعين: أولهما: فعل الشرط، وهو هنا الفعل المضارع (يكثر)، وثانيهما: جواب الشرط، وهو هنا الفعل المضارع (يكثر) أيضًا، وعلامة جزم كل منهما السكون.
وقد دل اسم الشرط (أيان) هنا على الزمان، كما هو ظاهر، فالمراد هنا الوقت والزمان الذي يكثر فيه فراغ الشباب.
كما أنه قد أفاد أيضًا هنا معنى الشرطية، وذلك بتعليق وقوع جواب الشرط (يكثر فسادهم) على فعل الشرط (يكثر فراغ الشباب)، فكثرة فساد الشباب مترتبة على كثرة فراغهم[16].
فائدة: قد وردت (أيان) في عدد من الآيات، ولكنها فيها جميعًا استفهامية، ومِن ذلك قوله سبحانه: ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ﴾ [الأعراف: 187]، فـ(أيان) هنا اسم استفهام بمعنى (متى)، أو (أي حين)، وليست اسم شرط جازمًا.
الأداة التاسعة من أدوات الشرط التي تجزم فعلين مضارعين: (أين):
(أين): اسم شرط جازم يجزم فعلين مضارعين، أحدهما: فعل الشرط، والآخر جواب الشرط وجزاؤه، و(أين) في الأصل موضوعة للدلالة على المكان، فهي ظرف مكان، ثم ضمِّنت معنى الشرط؛ فجزَمت فعلين مضارعين، وهي مبنية على الفتح، ومثال عمل اسم الشرط (أين) الجزمَ في فعلين مضارعين؛ هما: فعل الشرط، وجواب الشرط وجزاؤه: قوله تعالى: ﴿ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ﴾ [البقرة: 148]، فقد جزم اسم الشرط (أين) في هذه الآية فعلين مضارعين؛ أولهما: فعل الشرط، وهو هنا الفعل المضارع (تكونوا)، وعلامة جزمه حذف النون؛ لأنه من الأفعال الخمسة، وثانيهما: جواب الشرط وجزاؤه، وهو هنا الفعل المضارع (يأتِ)، وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والكسرة قبلها دليل عليها.
وقد دلَّ اسم الشرط (أين) هنا على المكان، كما هو ظاهر، فالمراد هنا عموم المكان الذي تكونون فيه، فإن الله قادر على الإتيان بكم[17].
فائدة: قد ترد (أين) استفهامية كذلك، كما في قوله تعالى: ﴿ يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ ﴾ [القيامة: 10]، فـ(أين) هنا اسم استفهام، وليست اسم شرط جازمًا؛ ولذلك لم يأتِ بعدها أفعال؛ وإنما أتى بعدها اسم.
الأداة العاشرة من أدوات الشرط التي تجزم فعلين مضارعين: (أنَّى):
(أَنَّى) - بفتح الهمزة والنون المشددة المفتوحة -: اسم شرط جازم يجزم فعلين مضارعين؛ أحدهما: فعل الشرط، وثانيهما: جواب الشرط وجزاؤه، وهي في الأصل موضوعة للدلالة على المكان مثل (أين)، ثم ضمِّنت معنى الشرط، فجزَمت فعلين مضارعين: (فعل الشرط)، و(جواب الشرط وجزاؤه).
ولم تَرِد (أنَّى) شرطية جازمة في القرآن، وإنما وردت استفهامية، وسيأتي التمثيل على ذلك قريبًا إن شاء الله.
وهي - سواء كانت اسم شرط جازمًا، أم اسم استفهام - مبنيةٌ على السكون.
ومثال عملهما الجزمَ في فعل الشرط وجواب الشرط وجزاؤه: أنى ينزِلْ ذو العِلم يُكرَمْ، فقد جزَم اسم الشرط (أنَّى) هنا فعلين مضارعين؛ أحدهما: فعل الشرط، وهو هنا الفعل المضارع (ينزل)، والآخر: جواب الشرط وجزاؤه، وهو هنا الفعل المضارع (يكرَم)، وكل مِن فعل الشرط وجواب الشرط علامة جزمه السكون[18].
وقد دل اسم الشرط (أنَّى) هنا على المكان، كما هو ظاهر؛ إذ المراد: في أي مكان ينزل ذو العلم يكرم.
فائدة: ذكرنا قبل قليل أن (أنَّى) لم تَرِد في القرآن شرطيةً جازمة، وإنما وردت استفهامية، وهي حينئذٍ إما أن تكون بمعنى:
• (كيف)، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ [البقرة: 259].
• أو بمعنى (من أين)، ومن ذلك قوله عز وجل: ﴿ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: 37].
الأداة الحادية عشرة من أدوات الشرط التي تجزم فعلين مضارعين: (حيثما):
(حيثما): اسم شرط جازم يجزم فعلين مضارعين: أولهما فعل الشرط، والثاني جواب الشرط وجزاؤه، وهي عِبارة عن الظرف المبنيِّ على الضم (حيثُ)، و(ما) الزائدة، فأصلها موضوعة للدلالة على المكان[19] كـ(أين، وأنَّى)، ثم ضمِّنت معنى الشرط، فجزَمت فعلين مضارعين؛ فعل الشرط، وجواب الشرط وجزاؤه.
ومثال عمل (حيثما) الجزمَ في فعل الشرط وجواب الشرط: حيثما ينزِلْ مطرٌ يَنْمُ الزرع، فقد جزَم اسم الشرط (حيثما) هنا فعلين مضارعين؛ هما: فعل الشرط، وهو هنا الفعل المضارع (ينزِلْ)، وعلامة جزمه السكون، وجواب الشرط وجزاؤه، وهو هنا الفعل المضارع (يَنْمُ)، وهو هنا مجزوم بحذف حرف العلة (الواو)، والضمة قبلها دليل عليها.
وقد دل اسم الشرط (حيثما) هنا على:
معنى الشرطية؛ إذ إنه قد أفاد تعليق وقوع جواب الشرط (ينم) على فعل الشرط (ينزل)، فنزول المطر شرط لنمو الزرع، ونمو الزرع مترتِّب على نزول المطر.
ودلَّ كذلك على المكان؛ إذ المعنى: في أي مكان ينزل المطر يَنْمُ الزرع.
الأداة الثانية عشرة من الأدوات التي تجزم فعلين مضارعين: (كيفما)[20]:
(كيفما) أصلها موضوعة للدلالة على الحال، ثم ضمِّنت معنى الشرط، فكانت مقتضية فعلين متفقي اللفظ والمعنى، هما: فعل الشرط، وجواب الشرط وجزاؤه؛ نحو: كيفما تجلس أجلس - كيفما تصنع أصنع - كيفما تفعل يفعل صاحبك.
وكون (كيفما) تقتضي فعلين متَّفقِي اللفظ والمعنى هذا أمر متفق عليه بين النحاة، فلا يجوز أن تقول: كيفما تجلس أذهب؛ لاختلاف لفظ الفعلين ومعناهما[21].
• ولا: كيفما تنظم العقد أنظم القصيدة؛ لاختلاف معنى الفعلين، وإن اتفق لفظهما.
• ولا: كيفما تجلس أقعد؛ لاختلاف لفظ الفعلين، وإن اتفق معناهما.
ثم إنه بعد اتفاق النحاة على أن (كيفما) تقتضي فعلينِ متفقي اللفظ والمعنى، اختلفوا: هل هي جازمة أم لا؟ على قولين:
القول الأول: أنها بمنزلة (إذا) تقتضي شرطًا وجزاءً، ولكنها لا يجوز أن تعمل الجزم فيما يأتي بعدها من أفعال، فتقول: كيفما تجلسُ أجلسُ، بالرفع، وهذا قول سيبويه[22]، وعليه عامة أهل البصرة إلا قطربًا، وعلَّلوا ذلك بعلتين:
1- عدم وجود شاهد للجزم من كلام العرب بعد الفحص الشديد، وإنما ذكروا لها مثالًا بطريق القياس؛ نحو: كيفما تجلس أجلس.
2- مخالفتها لسائر أدوات الشرط الأخرى بوجوب موافقة جوابها لشرطها، كما مر.
القول الثاني: أنها تقتضي فعل شرط وجواب شرط مجزومين[23]؛ سواء:
ألحقَتْها (ما)؛ نحو: كيفما تكن يكن قرينك، وهذا هو قول الكوفيين وقطرب.
أم لم تلحقها؛ نحو: كيف تجلس أجلس.
ولا شك أن الأقرب للصواب من هذين القولين هو قول البصريين؛ وذلك نظرًا لعدم وجود دليل عن العرب يُثبِت عمل (كيفما) الجزمَ في فعل الشرط وجواب الشرط، وكما أن الأصل في العبادة التوقيف، فالأصل كذلك في لغة العرب التوقيف.
فائدة: لم تَرِدْ (كيفما) في القرآن الكريم شرطيةً مطلقًا - أي: جازمة أو غير جازمة - وإنما وردت مجرَّدة من (ما)، وفي مواضع كانت دالة على الاستفهام فيها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [النمل: 69].
الأداة الثالثة عشرة من أدوات الشرط: (إذا):
اسم الشرط (إذا) موضوعٌ في الأصل للدلالة على الزمان المستقبل، ثم ضمِّن معنى الشرط؛ فكان لذلك محتاجًا إلى فعل شرط، وجواب وجزاء لهذا الشرط، كحرف الشرط (إنْ) وأخواته، إلا أن هناك فرقًا بين (إنْ) و(إذا)، وهو:
1- أن (إن) تدخل على ما يُشَك في حصوله، و(إذا) تدخل على ما هو محقَّق الحصول، فإن قلت على سبيل المثال: إن جئتَ أكرمتُك، فأنت شاكٌّ في مجيئه، وإن قلت: إذا جئت أكرمتك، فأنت على يقين مِن مجيئه؛ ولذلك قال الله تعالى في كتابه: ﴿ إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ ﴾ [الانشقاق: 1]، ولم يقل: (إِنِ السماء انشقت)؛ ليدل سبحانه على أن انشقاق السماء واقعٌ لا محالة، بخلاف (إن) التي تفيد الظنَّ والتوقُّع.
2- أن (إذا) تجيء وقتًا معلومًا، بخلاف (إن) فإنها مبهمة، ألا ترى أنك لو قلت: آتيك إذا احمرَّ البُسْر، كان حسنًا، ولو قلت: آتيك إِنِ احمرَّ البُسْر، كان قبيحًا؛ لأن (إن) أبدًا مبهمة.
فلما خالفت (إذا) (إن) وأخواتها، فلم تكن للتعليق على الشرط المشكوك في وقوعه، ولم تكن مبهمة، فارقَتْها في حكمها، فلم يجزم بها في السَّعة، وإنما يرفع الفعل المضارع بعدها.
إذًا: اسم الشرط (إذا) لا يعمل الجزم في سَعة الكلام؛ لا في فعل الشرط، ولا في جواب الشرط وجزائه، إلا أن النحاة استثنوا من ذلك:
• ضرورة الشعر.
• النثر، ولكن بقلة وندرة[24].
يتبع