عرض مشاركة واحدة
  #3  
قديم 05-11-2022, 06:56 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,619
الدولة : Egypt
افتراضي رد: شعراء الأندلس ورثاء الشباب

وأشِتهِي مِنْك ذنبًا
أبْنِي عليه العِتابا

لقد "كان لابن سهل براعةٌ في تجديد المعاني وتوليدها، فإن ابتغاء الرضا، كابتغاء الشباب معنى لطيف، اختص به ابن سهل دون سواه"[14].
"ووقفتْ قسمونة[15] يومًا أمام المرآة تنظر إليها، فراعها ألا يتقدَّم إليها أحد، يطلب يدها، وهي الجميلة الوسيمة، قد بلغتْ أوانَ التزويج، فتحرَّكتْ عاطفتُها، فقالت معبِّرة عن تجربتها، آسفةً على جمالها[16] [من الطويل]:
أَرَى روضةً قد حان منها قِطافُها
ولَسْتُ أَرى جانٍ يَمُدُّ لها يدا

فوا أسَفا يَمْضِي الشّبابُ مُضَيَّعا
وَيَبْقَى الذي مَا إنْ أُسَمِّيهِ مُفْردا


يؤرِّق قسمونة عزوفُ الخُطَّاب عنها، وشبابُها يَضِيعُ، ويفرُّ أمام عينيها، فتنهال عليها الأشجان انهيالًا، وتُمَنِّي نفسَها بزوجٍ، يملأ فراغها، ويُشبع عاطفتها، "فسمعها أبوها، فنظر في تزويجها"[17].
وهذا أبو القاسم البرجي، يَرثي شبابَه، ويندُب ملاعِبَه ورِفاقه، فقلبُه مشتاقٌ إلى أعز الأحباب، داعيًا - وهو مُضْنَى الجسم شاحبُه - لِرُبُوع حِماهُ بدوام النعيم، والخير العميم، فيقول: [18] [من البسيط]
ويا رُبُوعَ الحِمَى لا زِلْتِ نَاعِمةً
يَبْكي عُهُوَدك مُضْنَى الجِسْمِ شاحبُه

يا مَنْ لِقَلْبٍ مع الأهواءِ مُنَعطِفِ
في كُلِّ أوْبٍ لَهُ شَوْقٌ يجُاذِبهُ

يَسْمُو إِلى طَلَبِ الباقي بِهِمَّتِهِ
والنَّفَسُ بالمَيْل لِلْفاني تُطالبهُ

وفتنةُ المَرْءِ بالمألوفِ مُعضلةٌ
والأُنْسُ بالإلف نحو الإلفِ جَاذِبُهُ

أَبْكِي لِعَهْد الصِّبا والشيبُ يَضْحَكُ بي
يا للرجال سَبَتْ جَدِّي ملاعبُهُ

ولَنْ تَرى كالهوى، أشجاهُ سالفُه
ولا كوعدِ المُنَى، أحلاهُ كاذِبُهُ


يَمضي أعزُّ الأحباب - الشباب - فتهفو النفسُ إلى آثاره، وتبكي لضحِكِ المشيب بالرأس.
لقد اختار الشاعرُ مِن العبارات ما أسعَفَه في تصويره، فقوله: "يا مَن لقلب..."، "وفتْنةُ المرء بالمألوف مُعضلةٌ" - إشفاقٌ منه على قلبه، وبيانٌ لشَغَف الإنسان بِحِبِّهِ.
وقوله: "والأُنس بالإلف نحو الإلف..." يوضِّح، ويصوِّر طبيعة النفْس البشرية، مِن شَغَفها بمَن يروي ظمأها حسيًّا ومعنويًّا. وفي هذا مَلْمَح مِن قول النبي - صلى الله عليه وسلم- ((الأرواحُ جنودٌ مجنَّدة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف))[19]، والبيت الأخير تأكيد على أثر الحب في النفْس، وما يجلبه هو، ووعد الحبيب - خاصة كاذبه - مِن لذَّة ومتعة.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 17.38 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 16.75 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.61%)]