عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 05-11-2022, 06:48 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,319
الدولة : Egypt
افتراضي رد: رثاء الشباب في الشعر

وهذا " حبيب بن أحمد الأندلسي " [28]، يتحسر على شبابه، وأطايب أيامه اللائي مضين سراعا، ولم يشعر بهن ولم يدر، مبينا مدى ترويع المشيب للشباب، فيقول: [29] [من الطويل]
ثَلاثُونَ مِنْ عُمْرِي مَضَيْنَ فَمَا الذي
أُؤَمِّلُ مِنْ بَعْد الثَّلاثين مِنْ عُمْري؟

أطَايبُ أيَّامي مًضًيْن حَميدةً
سِراعًا، وَلَمْ أَشْعُرْ بهنّ وَلَمْ أَدْرِ

كَأَنّ شَبَابي والمَشِيبُ يَرُوعُه
دُجَى لَيْلةٍ قَدْ رَاعَها وَضَحُ الفَجْرِ

فيصور الشاعر ذعر الشباب بالمشيب، بظلام الليل المروع ببياض الفجر يقول أحد المحللين النفسيين للأدب والأديب: " إن من يتقدم به العمر يكف عن اللعب، ويستغني ظاهرا عن اللذة، التي استمدها من اللعب الطفيلي، لكن ما من شيء أصعب على الإنسان من الاستغناء عن المتعة التي سبق أن خبرها.. " [30]


وبناء عليه، نرى هذا الشاعر، يصور رضاه بقضاء الله -تعالى- وقدره، ووصف وهنه، فهو محسن الظن بربه، مفوض إليه أمره، فيقول من قطعة قالها في كبره: [31] [من السريع]
الحمدُ لله على ما قَضَى
فَكُلّ ما يقضي ففيه الرضا

قد كنت ذا أيدٍ وذا قُوَّةٍ
فاليومَ لا أَسْطِيعُ أَنْ أَنْهَضا

فَوَّضْتُ أَمْرِي لِلّذي لم يُضِعْ
من أَحْسَن الظَّنَّ وَمَنْ فَوَّضَا

أبيات تبين رضاه عن ربه وقناعته، وعظيم ميراثه الديني، وثقافته، وهي من معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-، في جواب جبريل - عليه السلام - عن الإيمان: " وأن تؤمن بالقدر خيره وشره، حلوه ومره. " [32]، أما البيت الأخير فمن معنى قوله -صلى الله عليه وسلم-: " لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله. " [33] ولما بات هذا شأنهم، تغير كان ﴿ جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ﴾ [البينة: 8] [34].
كأن الشاعر يرسم طريق الصلاح، الذي اندثرت معالمه، لشيب وشباب المسلمين، للفوز بالراحة والنعيم، في الدنيا والآخرة.


لما رأى الشعراء الأندلسيون العجز يلاحق أعضاءهم، أو حواسهم، إثر حلول المشيب واستهلاكه لجلها، وهو في طريقه إليها كلها، أحسوا بعظم مصابهم في فقد شبابهم، فأقاموا على رثائه وندبه، ولكن بلا جدوى، فالمصيبة قائمة، وما عليهم إلا التكيف معها.
سحابة من الكآبة اعترت، واعترضت كثيرا ممن افتقد شبابه، وكأنه فيروس انتشر بينهم، فقضى على باقي شبابهم، وسلبهم كل ما كانوا يتمتعون به في ظلاله.


وهذا ابن حمد يس - مثل الكثير - يجنح إلى الواقع، في إخراج صور رثائه لشبابه، وندبه لأيامه، حيث كانت ذكريات الشباب ماثلة أمام ناظريه، وفؤاده، فلما كان الاغتراب على يد الدهر والمشيب، نزف جرحه، فتملكه الأسى، ووضح ضره، فأصبح حينئذ بحاجة إلى ماء الشباب، ورؤية الخلان والرفاق، ولكنه لم يقف إلا على سراب، فيقول [35] [من الرمل ]:
كَيْفَ لا أَبْكِي بهذا كُلِّه
وأنا الفَاقِدُ رَيْعانَ الشَّبابِ

صَدَّتْ البيضُ عن البيضِ أَمَا
كانَ مَا بَيْن الشبيهين انْجِذَابُ

أفلا أَبْكي شَبابًا فَقْدُه
قَلَبَ الماءَ لظمآنٍ سراب

فمما دعا الشاعر إلى رثاء شبابه، صدود البيض - الحسان -، لرؤية الشعرات البيض - المشيب - فصار كل شيء سرابا، وفي هذا عظيم الدهشة والتعجب، للنفور من الشبيه، والعدل، والإلف.

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.37 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.74 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.42%)]