عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 05-11-2022, 06:45 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,463
الدولة : Egypt
افتراضي رد: رثاء الشباب في الشعر

وقفه مع ابن عبد ربه في رثاء شبابه:

مما يسترعي الانتباه، استكثار ابن عبد ربه من ندب الشباب، وتمني عودته، ولعل من أهم البواعث له على ذلك: [7]

أولا: ما كان له من لهو أيام شبابه.

ثانيا: امتداد العمر به، وتقدمه في السن.

ثالثا: زهده في خواتيم عمره. وطلبه التنفيس عن نفسه.

إذا دققنا النظر في شعر ابن عبد ربه في الشباب، ليتبين لنا مدى انغماسه في تلبية رغبات النفس، فلم يفطمها عن هواها ومناها، بل ناجاها بتحقيق مشتهاها، واستمر على هذا أمدا، حتى داهمه المشيب بأحداث ونوازل ليس لها طبيب، فكانت الآهات والحسرات والأمنيات، فيقول: [8][ من الكامل]



أَوْحَتْ إِليك جُفُونُها بِوَدَاعِ

خُودٌ بَدَتْ لك مِنْ وَرَاءِ قِناعِ [9]



بَيْضَاءُ ما بِاهى النَّعِيمَ بِصُفْرةٍ

فكأنَّها شَمْسٌ بغير شُعَاعِ



أمُّا الشّبابُ فَوْدِّعَتْ أيّامُه

ووداعُهُنَ مُوّكَّلٌ بِوَداعي



لله أيّامُ الصِّبا لو أنّها

كَرَّتْ عَلَيّ بلذةٍ وسَمَاعِ




تمنى الشاعر عودة أيامه الخوالي، والمن عليه ولو بلذة وسماع فقد تناول الشاعر أهم قضيتين، أرقتاه في مضجعه، كل منهما مرتبطة بالأخرى. قضية وداع الغواني، وقضية وداع الشباب ونزول المشيب.

مصورا خلال عرضهما من ضاهت الشمس في حسنها، وكيف كان جزعه إثر انصرام الشباب، وهذا دليل على انقطاع أمله في البقاء، وهو باب من أبواب تمني عودة هاتيك اللذات والشهوات.




وله في التقاط صورة لعراك الشباب مع الليالي والمشيب، ومآل المرء إليه قوله: [10] [من الوافر]



شَبَابُ المَرْء تُنْفِدُه الليالي

وإنْ كَانَتْ تَصيرُ إِلَى نَفَادِ



فَأَسْودُهُ يَصِيُر إِلى بَيَاضِ

وأبيضُه يَعُودُ إِلَى سَوَادِ




ولعل مراده في البيت الثاني، أن سواد الشعر يتحول على يد المشيب إلى بياض، فيتبدد فرحه وانبساطه، مستبدلا بهما الترح والضيق.

أما عن الباعث الثاني، في كثرة ندب الشباب، وهو امتداد العمر به، فهذا دليل تعرضه لأحداث جسام، على يد المشيب، أو الليالي والأيام، عندئذ " جاء شعره حافلا بالمعاني الإنسانية، تلك المعاني، التي اختار لها أجمل الصور الفنية الحسية. وقد جارى الرجل سابقيه، واختط لنفسه طريقا، يضارعهم فيه، إن لم يكن فاتهم، وهذا مازاد من قوة شاعريته، ونضجه الفني، لذلك تميز شعره بأصالة الموهبة وفطرية الإلهام الفني، الذي كان أضخم دعامة لخلوده." [11]




ويقول - ابن عبد ربه - لائما وعاتبا على من قتله بهجره، بعد أن ولى الشباب، واصفا جماله ودلاله، متلهفا على الشباب، وأيامه العذاب: [12] [من مخلع البسيط]



قَتَلْتَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفَسٍ

فَكَيْفَ تَنْجو من العَذَابِ



خُلقْتَ مِنْ بَهْجَةٍ وطيبِ

إذ خُلِقَ النَّاسُ مِنْ تُرابِ



وَلَّتْ حُمَيّا الشَّباب عَنّي

فَلَهْفَ نَفْسي عَلَى الشَّبابِ



أَصْبَحْتُ والشَّيْبُ قَدْ عَلاَني

يَدْعُو حثيثًا إِلى الخِضَابِ




الاتهام في القتل، موجه إلى محبوبه، وقتله له صدوده عنه، أو موجه إلى المشيب، لتنفيره الغواني منه.

والبيت الأول، من معنى قوله تعالى: ﴿ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ﴾ [المائدة: 32] [13]

أما عن الباعث الثالث، وهو رغبته في التنفيس عن هموم قلبه وروحه، والتخفيف من حدتها، بتصوير ما أصابه بين أمسه ويومه. ومن الممكن أن يكون تصويره هذا؛ اعترافًا منه بما وقع فيه من تفريط وتقصير، فحاول أن يضمد جراح ضميره، وشرخ الشباب، وشدخ الفؤاد.

ولعل أهم مغزى من هذه الأشعار، هو دعوته إلى الاعتبار، وعدم التمادي فيما وقع فيه من المعاصي، أو الاقتراب منها.



يتبع


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 19.80 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 19.17 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.17%)]