
02-11-2022, 02:37 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 172,998
الدولة :
|
|
رد: الوقف في تراث الآل والأصحاب
الوقف في تراث الآل والأصحاب (13)
عناية الآل والأصحاب بتوثيق الأوقاف
عيسى القدومي
هذه سلسلة مقالات نسلط فيها الضوء على أوقاف آل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وصحابته الكرام، نقف فيها على المقاصد الشرعية والفوائد الفقهية للوقف، جمعنا فيها ما رُوي من الأحاديث والآثار الواردة في هذا الباب، والدالة على حرص الآل والصحب الكرام -رضوان الله عليهم- على بذل المال واحتباس الأصول، وقفًا تنتفع به الأمة الإسلامية، وتنال به عظيم الأجر والثواب.
القسم الأوّل: التوثيقُ بالإشهاد
كان الإشهادُ من الممارساتِ الشائعةِ في فعل الآل والأصحاب، فوقفُ عمر - رضي الله عنه - لأرض خيبر ثبتَ بدايةً بالإشهاد في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك كتب عمر - رضي الله عنه - وثيقته، وأشهد عليها في وصيته التي كتبها في خلافته، ودعا نفراً من المهاجرين والأنصار؛ فأحضرهم لذلك، وأشهدهم عليه، فانتشر خبرها.
وعثمان - رضي الله عنه - أشهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة على وقفه عندما أعلن وقفه لبئر رومة سقايةً للمسلمين، وسمع ذلك النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وكلُّ من حضر من الصحابة، وذلك (إثبات بالشهادة)، وقد استند على هذا الثبوت السّابق في إبطالِه قولَ أهل الباطلِ الذين خرجوا عليه، عندما أعادَه على مسامعِ الجمعِ العظيمِ وهو محصورٌ في داره ظلمًا -صلى الله عليه وسلم -، فلم يستطيعوا أن يَفُوهوا بحرفٍ واحدٍ من الجحدِ والإنكار، لقوّة ثبوت تلك الفضائل.
وأمّا سعدُ بن عبادة، فقد جاء في حديثِ وَقْفِه حائطَه المِخْراف، أنّه قال للنبيّ -[-: «فإنّي أُشهدك أنّ حائطي المخراف صدقةٌ عليها»، أي على أمّه.
وبوَّب البخاري -رحمه الله- على هذا الحديث بقوله: «باب: الإشهادُ في الوقف والصدقة»، وقد ألحق الوقف بالصدقة، وذكر ابن حجر في إشهاد سعد أنّ قولَه: «أشهدك» يحتمل إرادة الإشهاد المعتبر، ويحتمل أن يكون معناه الإعلام.
وقال الحافظ: «واستدلّ المهلّب للإشهاد في الوقف بقوله -تعالى-: {وَأَشْهِدُوا إذا تَبَايَعْتُمْ}، قال: فإذا أُمر بالإشهاد في البيع وله عِوَضٌ، فلَأَنْ يُشرع في الوقف الذي لا عِوَضَ له أَوْلَى»، وملحظ الإمام البخاريّ -رحمه الله- في هذا التبويب، شرحه الإمام ابن المنيّر، فقال: «كأنّ البخاريَّ أرادَ دَفْعَ التّوهُّمِ عمّن يظنّ أنّ الوقف من أعمال البِرِّ فيُنْدَبُ إخفاؤُه! فبيّن أنّه يُشرع إظهارُه لأنّه بِصَدَدِ أنْ يُنازَعَ فيه، ولا سيما من الوَرَثة».
حكم الإشهادِ عند الآل والأصحاب
من خلال النّظر في الآثار والنّصوص التاريخيّة، فإنّنا لا نجد أنّ الصحابةَ الذين وقَفُوا قد صرَّحُوا بحكم الإشهادِ على الوقف خاصّة، وإنّما رُصِدَ ذلك وثبت من أفعالِهم، وعلى هذا فإنّ المأثور عنهم يندرجُ في عموم المشروعيّة الثابتةِ بنصوص القرآن والسُّنَّةِ، حيثُ إنّ الأصلَ أنّ الوقْفَ معدودٌ من عقود التبرُّعات، فالأصلُ أنّ أحكامَ هذا الإشهادِ من حيث صفتُه وهيئتُه وأحكامُ الشهودِ القائمين به، هي أحكامُ الشّهودِ ذاتُها في باقي العقود.
حكم الإشهادِ على الوقف
دلّ على مشروعية التوثيق بالشهادة: الكتاب، والسنة، والإجماع، وفعل الصحابة - رضي الله عنهم -، وقد حرص صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على إثبات الأوقاف بإشهارها والإشهاد عليها.
جاء في «الموسوعة الفقهية»: «إشهاد الشهود على التصرفات وسيلة لتوثيقها، واحتياط للمتعاملين عند التجاحد... والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبيّ - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم؛ لأن الحاجة داعية إلى الشهادة لحصول التجاحد بين الناس، فوجب الرجوع إليها».
وفي حكم الإشهاد؛ قال ابن هبيرة: «واتفقوا على أنّ الإشهاد مستحب، وليس بواجب»، وهذا يعمّ الإشهاد على العقود وغيرها؛ سواء كتبت أو لم تكتب.
وفي الفقه الإسلاميّ، لم يُشترط الإشهادُ على الوقف لصحّته، وإنّما كما تقدّم في التمهيدِ عند الحديث عن الصيغةِ، فإنّ الوقف ينعقدُ شرعًا بمجرّد صدور لفظٍ أو فعلٍ قرّر الفقهاءُ أنّه جُعل أَمَارةً شرعيّةً على انعقادِه.
هذا من حيث انعقادُه شرعًا ولُزومُه لذمّة الواقفِ، أمّا عند الاحتياجِ إلى الإلزامِ القضائيّ به، كما لو رجعَ الواقفُ عن الوقف بعد عَقْدِه ورفض تسليمَه لمن يتولّاه ويصرفُ غلَّتَه إلى أصحاب الحقّ، فإنّ القاضي لا يقضي إلّا بالبيّنةِ المعتبرةِ التي تُبِينُ الحقّ.
قال ابن رشد: «فمن شرطِ تمامِه القبضُ والحيازةُ، كالهبة والصدقة، فإنْ لم يُقبض عنه ولا خرج عن يده حتى مات فهو باطلٌ، يكون موروثًا عنه، والعقدُ يصحّ ويلزم، وإنْ لم يقارنه القبض، وليس للمحبِّس الرجوع فيه، ويلزمه إقباضُه للمحبَّس عليه، فإنْ امتنع من ذلك، جُبر عليه».
ومعلومٌ بالبداهةِ أنّه لا سبيلَ إلى جَبْرِهِ قضاءً، إلّا بإقامةِ بيِّنَةٍ تُخَوِّلُ القاضي بذلك، وهذه البيّنة إمّا أن تكونَ إقراره، أو شهودًا على إقراره أو على خطّه، على وَفْق ما هو مقرَّرٌ عند الفقهاء في أبواب الدّعاوى والبيّنات.
بنود قانونية في العهود المتأخرة لإثبات الوقف
إلا أنّه في العهود المتأخّرة أدرجت بعض الدول الإسلامية بنوداً قانونية لإثبات الوقف؛ كاشتراط صدور إشهاد رسمي ممن يملكه أمام الجهة المختصة بسماعه، وبناءً على ذلك، فقد اعتُبر الإشهاد شرطاً لصحة الوقف، واستُثني وقف المسجد؛ فهو لا يزال على حكمه الفقهي الذي اتفق فيه الفقهاء على صحة الوقف على المسجد وتوابعه، سواء تم الإشهاد أم لا.
وقبل قانون الأوقاف المصريّ المُشار إليه بوقتٍ غيرِ بعيد، كانت أصول التقعيدات القانونيّة مستمرّةً على عدم الإلزامِ بالإشهاد، ففي المادّة (152) من «ترتيب الصُّنوف»: «ينعقدُ الوقف بصدورِ لفظٍ من الألفاظ الخاصّة به الصادرةٍ من أهلِه، مُضافً إلى محلٍّ قابلٍ لحكمِه، وهو المالُ المُتقَوَّمُ». اهـ
وفي بيان الشهادة التي تقبل في الوقف قال الخصاف: «إن شهد الشهود أنّ فلاناً أقر عندنا أنه وقف هذه الأرض وقفاً صحيحاً وحددها، وأنه كان مالكها في وقت ما وقفها قضينا بأنها وقف من قبل الواقف وأخرجناها من يدَيِ الذي هي في يديه».
الوقوف التي تقادم عهدها
وفي شأن الوقوف التي تقادم عهدها، قال: «ما كان في أيدي القضاة منها وما كان لها رسوم في دواوين القضاة، أُجريت على الرسوم الموجودة في دواوينهم استحساناً إذا تنازع أهلها فيها، وما لم يكن لها رسوم في دواوينهم يُعمل عليها، فالقياس فيها إذا تنازع القوم فيها أن يُحملوا على التثبيت، فإن ثبّت في ذلك شيئا حُكم له به».
الإعلان عن الوقف
وممّا شاع في العهود الإسلامية أنّ الواقفين كانوا يتعمدون الإعلان عن أوقافهم؛ حتى يعرف الناس -على اختلاف طبقاتهم- بالوقف وشروطه، ومن الطرائف التي نقلتها كتب التاريخ: زفُّ كتاب الوقف بالأناشيد والأشعار في شوارع القاهرة! فضلاً عن الحفلات التي تقام -عادة- عند افتتاح المنشآت الموقوفة، مثل المدرسة وغيرها.
فالوقف بعد لزومه والحكم به مآله إلى الشيوع والاشتهار أصلاً، ولن يبقى مكتوماً كصلاة العبد بالليل أو صدقته على الفقير في خلوةٍ، فإنّ الصلاة لله وحده، والصدقة على الفقير لا يضرّ صاحبها أنْ يجحدها الفقير بعد ذلك.
أمّا الوقف ففي تعريضه لإمكان الجحد إضرارٌ به وبكلّ منتفعٍ به في شأن الدّنيا أو الآخرة، فإشاعته وإذاعة خبره أصلح من كتمانه، بل الإشهار من وسائل حماية الوقف المباشرة.
القسم الثاني: التوثيقُ بالكتابةِ
ربّما لا يقفُ المتتبّع للنّصوصِ والآثار الواردةِ في أوقافِ الآل والأصحاب، على أنّ واحدًا منهم -رضي الله عنهم- قد اكتفى بالتوثيقِ بالكتابةِ وحدَها، وإنّما في العادةِ، يُذكر الشّهودُ على المكتوبِ وتُكتَب أسماؤُهم، كما سيأتي في النماذج التي سنختارها من الوقفيّات إن شاء الله.
والكتابة أبقى من الشهادة؛ لذهاب أعيان المستشهَد بهم، ففيها حفظٌ للوقف من الضياع مع مرور الأيام، وتعاقب السنين، وقطع الأطماع الحاملة على الاستيلاء على الوقف وإنكار وقفيته، باعتبار أن التوثيق يُعَدُّ من الوسائل القوية في إثبات الحقوق عند التقاضي.
وتوثيق الوقف -أي: كتابةً- هو: «تدوين ثبوت الوقف أو تسجيل إنشائه على وجه يحتج به شرعاً». وذلك دفعاً للارتياب والشكوك التي تحصل بمرور الزمان حول مصارف الوقف، والشروط الجعلية للواقف، وسائر ما يلزم مما هو موثق في صك الوقف ونحوه، مما يكون له عظيم الأثر على ضبط التصرفات من التغيير والأهواء.
فمن أعظم أسباب حفظ الأوقاف واستمرارها توثيقها من بعد الإشهاد بالكتابة، أو بالكتابة والإشهاد عليها مباشرةً، مما يدفع أيدي المعتدين والطامعين فيها، وهو السبيل الذي يحقق مقاصد الواقفين في بقاء أوقافهم مع تعاقب السنين، والحفاظ عليها من الضياع والاندثار، والتقيد بمصارفها كما نص عليها الواقف، وضبطها من التغيير والأهواء.
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|