عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 31-10-2022, 10:26 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 170,566
الدولة : Egypt
افتراضي رد: الشيب والموت في الشعر



ألَا إنَّ القَتِيرَ وَعيدُ صِدْقٍ

لنا لو كانَ يَزْجُرُنَا القَتِيرُ



نذيرُ الموتِ أَرسَلهُ إلينا

فكذَّبنا بما جَاءَ النَّذيرُ



وقُلنا للنفوسِ لعلَّ عُمْرًا

يطولُ بنا وأطْولُهُ قَصِيرُ



متى كُذِبتْ مِواعدُها وخانت

فأوَّلُها وآخرُها غُرُور



... الخ الأبيات.



فشتَّان بين نجوم المشيب، التي لا فلَك لها، ولا تغيب، وبين نجوم السماء؛ فالأولى تدفع فَتَاءَةَ الشباب ونضارته، والأخرى تقع على ظلام الليل وحُلكَته.

وخصَّ الشاعر المَفارق بالذكْر؛ إذ إنها أول ما يظهر فيه الشيب، نذير الموت، ودليل الفوت، وزاجر النفسِ عن الآمال والأماني.



وهذه الأبيات - في مُجمَلها - توحي بجَزَعِ المرء من المشيب، عظيمِ العدْو في عمود البَدَن، وتدعو الشِّيبَ اللاهين إلى عدم الركون إلى الدنيا والاطمئنان بها؛ فهي خوَّانة، غدَّارة، غرَّارة.



وله – أي: ابن عبد ربه - "عندما وَهَتْ شِدَّته، وبليَتْ جِدَّته، وهو آخر شِعر قال، ثم عثَر في أذيال الردى وما استقال، وقد بلغ سنَّ عوف بن محلم، واعترف بذلك اعتراف متألمِّ"، فيقول:[9] [من الطويل]



كِلَاني لِمَا بي، عاذليَّ، كَفَاني

طَوَيْتُ زَمَاني بُرْهةً وطَوَاني



بَليتُ وأبْليْتُ الليالي مُكرهَا

وصِرْفانِ للأيام مُعْتورانِ



وما لِيَ لا أَبْلى لِسَبْعين حِجَّةً

وعشرٍ أَتَتْ مِنْ بَعْدِها سنَتانِ



فلا تسألاني عَنْ تباريحِ عِلَّتي

ودونكما مِنِّي الذي تَرَيانِ



وإني بحول الله راجٍ لفضْله

ولي مِن ضمانِ اللهِ خيرُ ضَمَانِ



ولستُ أُبالي مِن تباريحِ عِلَّتي

إذا كان عقلي باقيًا ولساني






نستشعر في هذه الأبيات - خاصة خواتيمها - جمالَ معنى قولِ الرسولِ
- صلى الله عليه وسلم -: ((لا يموتَنَّ أحدُكم إلا وهو يُحْسِن الظنَّ بالله))[10]؛ فهو راجٍ لفضْله، سبحانه وتعالى، ورجاؤه خيرُ ضمان مِن عذابه، جل شأنه.




وبعد هذا أو ذاك، يصرِّح بعدم مُبالاته مِن تباريح علَّته وآهاتِه، وما دام عقلُه ولسانُه مشغوليْن بذكْر الله – تعالى - ودعائه، ورحمته، وحسْن ثوابه، وصدَق اللهُ العظيم، إذ يقول: ﴿ يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 87][11].



نُدرك من هذا، تبرُّمَ الكثيرِ - مِن الشعراء خاصة، والناس عامة - بالمشيب، وذمَّه، فهو بمثابة راحلةِ الأوجاع والآلام والأسقام، ونذُر المنَايَا، ورسُلها التي لا ترحم صغيرًا، ولا توقِّر كبيرًا.



وقديمًا قالو: "هل بَعد الغايةِ منزلةٌ، أو بَعد الشيب سوى الموتِ مرحلةٌ؟ ما الذي يُرجى ممن كان مثله في تعاجُز الخُطا، وتخاذُل القوى، وتداني المَدى، والتوجُّه إلى الدار الأخرى، أبَعْد دقَّة العظم، ورقَّة الجلد، وضعْف الحسِّ، وتخاذُل الأعضاء، وتفاوُت الاعتدال، والقرْب مِن الزوال..."[12].



ولمَّا كان الموتُ هو المصير المحتوم، كان عُزوفُ العقلاء - خاصة الشِّيب منهم - عن الدنيا وشهواتها، وتمسُّكهم بالهدى والفلاح، وإنكار الطلاح.
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 18.56 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 17.93 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (3.38%)]