عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 31-10-2022, 10:10 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,355
الدولة : Egypt
افتراضي رد: قصيدة عبد يغوث بن الحارث بن وقاص "ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا" قراءة في المعا

معاني الكلمات:
عبشميَّة: نسبة إلى (عبد شمس).
رُكَّـدًا: ثابتات حوله.
يُـراوِدْنَ: يغرينه بفعل الفاحشة.
مُلَيْكـَةُ: اسم امرأته.


الشرح:
تَروي كتبُ الأدب أنَّ الذي أسَر عبد يغوث فتًى مِن بني عمير بن عبد شمس، وكان أهوج، فانطلق به إلى أهله، فقالت أمُّه لعبد يغوث، ورأَتْه عظيمًا جميلًا: مَن أنت؟ قال: أنا سيد القوم، فضحكَتْ وقالت: قبَّحك الله مِن سيد قوم حين أسَرك هذا الأهوج! فحكى عبد يغوث ذلك في هذا البيت، وهو يصوِّر بعد ذلك نِساءَ الحيِّ وقد أقمن حوله مشدودات لجماله وعظمته يراوِدْنَه عن نفسه، والحقيقة أنَّني أرى في هذا البيت إشكاليَّة؛ فهو بهذا الأسلوب يهجوهم في أعزِّ ما يملكون، وهو قد وعدهم أنَّه لن يفعل، أمَّا قول البعض بأنه يقصد أنَّهم سلَّطوا عليه البغايا والإماء فهذا ممَّا تستبعده صياغةُ البيت؛ فهو لم يقل بغايا الحي أو إماء الحي - مع أنَّ الوزن يتيح له - وإنَّما قال: نساء الحيِّ، وفي هذا مِن التعميم ما فيه، وبعد هذا البيت يعود إلى الماضي، ويتذكَّر زوجتَه التي تعلم أنَّه كالأسد يَعتدي ويُعتدى عليه.

الأسلوب:
في قوله "كأن لم ترى" إشكالية لغويَّة؛ حيث إنَّه لم يحذف حرفَ العلَّة في الفعل المضارع المجزوم، وظهرت تأويلاتٌ مختلفة لذلك؛ منها أنَّه للضرورة، وقيل: هذه الألف ناتجة عن إشباع الفتح، ويروى (كأن لم ترأ)، إلى غير ذلك مِن آراء، لكن هناك رأي يجعل ترى للمخاطبة؛ وبذلك يكون في البيت الْتفاتٌ مِن الغيبة للخطاب، وهذا العدول تبدو دلالته في الاستهانة بتلك المرأة بالحديث عنها بصيغة الغائب التي أظهرَتْ وصفها؛ فهي امرأة قد شاخَتْ وهي من قبيلة عدوٍّ، ثمَّ يوجه إليها الردَّ، فكأنَّ قبيلتها لم تـأسر يمانيًّا مِن قبل لتراه، فوجود أسير يماني عندهم جديد لم يَحدث مِن قبل؛ لذلك ثار ضحكها.

استخدام الفعل ظَلَّ الذي يفيد الدَّوامَ والبقاءَ على الحالة مع الاسم ركدًا، يؤكِّد ثَبات هذه الصورة.
استخدم الشاعر اسمَ الموصول مفعول ليراودن "ما يريد نسائيا"، وكأنَّه تعفَّف عن ذِكره صريحًا.
ذِكر الشاعر لاسمِ امرأته يعكس تلذُّذه بذِكرها وشوقه لها، ثمَّ إن اسمها "مُليكة" هو تصغير لملكة، فكأنَّها ملكة يدلِّلها بهذا التصغير.

وقد كنتُ نَحَّارَ الجَزور ومُعمِل ال
مَطِيِّ، وأمضي حيثُ لا حيَّ ماضيا

وأنحَرُ للشَّرب الكرام مَطِيَّتي
وأصدعُ بين القَينَتَيْنِ رِدائيا

وكنتُ إذا ما الخيلُ شَمَّصها القنا
لَبيقًا بتصريف القناةِ بَنانيا

وعاديةٍ سومَ الجراد وزعتُها
بكفِّي، وقد أنْحَوا إليَّ العَواليا

كأنِّيَ لم أركب جوادًا ولم أقلْ
لخيليَ: كرِّي، نفِّسي عن رجاليا

ولم أسبأ الزَّقَّ الرَّويَّ، ولم أقل
لأيسارِ صدق: أعظِموا ضوءَ ناريا



معاني الكلمات:
الجَزُورُ:ما يَصْلُحُ لأَن يُذْبح من الإِبل.
للشَّـرب: الشرب جمع شارب.
وأصدعُ: أشق.
القينة: الأَمَة، مُغنِّيةً كانت أو غير مغنية، وهي ههنا مغنِّية.
شَمَّصـها: نفرها.
لَبيـقًا: حذقًا، من اللباقة.
وعاديةٍ: وربَّ خيل راكضة.
سومَ الجـراد: انتشاره في طلب المرعى؛ يريد أنَّ الخيل كالجراد في كثرتها.
وزعتها: كففتها، والوازع: الْكاف والْمانِع.
أنحوا الرِّماح: أمالوها وقصدوا بها نحوي، من النَّحْو وَهُوَ الْقَصْد.
العَواليا: العالية من الرمْح: أَعْلاهُ.
أسبأ: السِّباء بِالْكَسْرِ والْمدِّ: اشْتِراء الْخمر للشُّرْب.
الزَّق: وِعاءٌ مِنْ جِلْدٍ، يُمْلأُ بِالْماءِ أَوِ اللَّبَنِ أَوِ الْخَمْرِ وَنَحْوِها.
الرَّوي: الممتلئ الذي يروي صاحبه.
الأيسارِ: الذين يلعبون الميسر، جمع ياسر.


الشرح:
كانت القصيدة مِن أولها حتى وصولها إلى هذه الأبيات تتراوح بين مشاهد مِن الماضي الجميل ومِن الواقع المرِّ، أمَّا هذه الأبيات فإنها تأتي من آفاق الماضي، وهي تتحدَّث عن ثلاثة أشياء: شجاعته، وكرمه، والنَّعيم الذي كان يحيا في ظِلاله.

أمَّا صور كرمه فتتمثَّل من أنه كان يُكثر مِن نَحر الإبل، وينحر مطيَّتَه لأصحابه الذي يَشربون معه، وكان يأمر أصحابَه أن يعظموا ضوءَ ناره حتى يراها المارَّة، فيَعلموا أنَّ هناك من يريد ضيافتهم.

أمَّا صور شجاعته فتتمثَّل في أنَّه كان يطلب المجدَ ويصِل إلى أماكن لم يصل إليها أحد، وفي الوقت الذي تَنفر فيه الخيل خوفًا مِن رماح الأعداء، يظلُّ راسخًا فوقها حاذقًا في تصريف قناته بين أصابعه دون خوف أو محاولة للفرار؛ بل هو يعطينا صورةً يبالِغ فيها في تصوير قوَّته وشجاعته؛ فهو يرى الخيلَ تركض نحوَه وهي تنتشر مثلَ انتشار الجراد، فيكفها بكفِّه وأصحابُه يوجِّهون رماحهم نحوها، وقد مرَّت هذه الأيام بسرعة كأنَّه لم يركب جوادًا وكأنَّه لم يكرَّ على الأعداء لكي ينفِّس عن رجاله في مواطن القتال الحرجة.

أما مُتَعُه فكانت في حبِّه للخمر الذي يَشتري منه ما يُشبع نهمه لها، ولأنَّ كل كريم طروب فإنَّه كان يطرب للسَّماع حتى يشقَّ رِداءه نصفين بين الجاريتين متعة وطربًا.

الأساليب:
نلاحظ أنَّ الشاعر يكرِّر صورتَه وهو على الخيل في المعركة كثيرًا، ويبدو أنَّه عَبْر هذا التَّكرار يريد أن يؤكِّد أنَّه فارس شجاع، وأنَّه لم يؤسَر لضعف أو جُبن؛ فهو يلحُّ في الوصول إلى هذا الغرض مِن خلال تلك الصور، كما أنَّه يستعيد بخَياله وقتَ قوَّته وهو في هذه الحالة مِن الضَّعف فهو بمثابة إحساس تَعويضي عمَّا يفتقده الآن، كما أنَّ مشهده والرماح تقصده دون غيره يتكرَّر مرَّتين في النصِّ في قوله:
ولكنَّني أَحمي ذمارَ أبيكمُ ♦♦♦ وكان الرِّماحُ يختطفنَ المُحاميا

وفي قوله:
وقد أنحوا إليَّ العواليا

وفي هذا القول تأكيد على أنَّه فارسُ قومِه المقصود مِن الأعداء لشدَّة بلائه، كما أنَّه لا يَهاب الموتَ ويواجهه ببَسالة، أمَّا حزنه وألَمه هنا فليس خوفًا مِن الموت، ولكن مِن موته أسيرًا وقد تركه قومُه لمصيره يواجهه وحده.
التكرار أيضًا لصوَر الكرم؛ فهو نحَّارٌ للجزور، وهو ينحر للشَّربِ الكرام مطيَّتَه، كما أنه يطلب مِن أصحابه على الميسر أن يعظِّموا ضوءَ ناره، فهل يَطلب منهم عَبر هذه الصور أن يكونوا كرامًا مثله وأن يطلقوه؟!

وقد تعدَّد أيضًا تصويرُ لحظات الرَّاحة النفسيَّة والمتعة التي عاشها والتي يستعيدها في هذا الوقت العصيب؛ لأنَّها تنقله ولو خيالًا إلى أحاسيس الرَّاحة التي كان يحياها؛ فهو يستعيد أناشيدَ الرِّعاء، ويتذكَّر شربَه للخمر ولعبه الميسر، وطربه لغناء الجاريتين.


التناص في البيتين الأخيرين:
كأنِّيَ لم أركب جوادًا ولم أقلْ
لخيليَ: كرِّي، نفِّسي عن رجاليا

ولم أسبأ الزَّق الرَّويَّ، ولم أقل
لأيسارِ صدق: أعظِموا ضوءَ ناريا


مع قول امرئ القيس:
كَأَنِّيَ لَم أَركَب جَوادًا لِلَذَّة
وَلَم أَتَبَطَّن كاعِبًا ذاتَ خِلخال

وَلَم أَسبَأ الزقَّ الرَّويَّ وَلَم أَقُل
لِخَيلِيَ كرِّي كَرَّةً بَعدَ إِجفالِ


والتناص هنا مَرجعه إلى الإحساس بتَشابه الحالة، أو إلى التأسِّي بالملِك الضِّلِّيل الشاعر الذي كان يبحث عن ثَأر أبيه ويسعى للمجد، لقد عاشا حياتين متشابهتين؛ حيث الشِّعرُ والشجاعة، والمتعة والقيادة، والنِّهاية المؤلمة.


من أهمِّ سِمات النصِّ:

هذه القصيدة واحدة مِن عيون قصائد الشِّعر العربي، والتي تجسِّد مشاعرَ حقيقيَّة للحظات مؤلِمة عاشها الشاعرُ قبل قتله، فكأنَّ الصِّدق الوجدانيَّ التي خرجَتْ في ظلاله هو أحد أسباب روعتها، وكانت كل جُمَله بكلِّ محتوياتها التعبيريَّة تجسِّد هذا الألَم النَّفسي العميق الذي يقبع الشاعرُ تحت وطأته، وقد اختار الشاعرُ (بحرَ الطَّويل) الذي يضمُّ ثمانيةً وأربعين صوتًا، ويتلاءم مع هذا الغرَض الذي يحتاج فيه الشاعر إلى بثِّ مشاعره، كما أنَّ القافية جاءت لتجسِّد هذه المشاعر؛ فقد جاء الشاعرُ بالياء رويًّا، وبعدها الألف وصلًا، وقبلها حرف مكسور هو الدَّخيل، وقبله الألف تأسيسًا، والألف التي تكرَّرتْ مرَّتين والياء حرفا مدٍّ يعكسان رغبةَ الشَّاعر في توسيعه للمدى الذي يريد أن يصِل إليه صوته، كما يعكسان امتدادَ الحزن في أعماقه (أكثر العبارات إخبارية)، كما أنَّ الصور واقعيَّة، فهو يحكي عن حاضِر مؤلم يعانيه، وماضٍ مشرِّف وممتِعٍ عاشه، أمَّا الإنشاء المتمثل في الاستفهام والنِّداء والأمر فقد تخلَّل الأبيات، ليعكس لنا ظلالَ الأمَل الخافت الذي يحاول أن يستظلَّ به.


__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 25.35 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 24.72 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (2.48%)]