
31-10-2022, 10:10 PM
|
 |
قلم ذهبي مميز
|
|
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,215
الدولة :
|
|
رد: قصيدة عبد يغوث بن الحارث بن وقاص "ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا" قراءة في المعا
قصيدة عبد يغوث بن الحارث بن وقاص "ألا لا تلوماني كفى اللوم ما بيا" قراءة في المعاني والأساليب
د. شاذلي عبد الغني إسماعيل
الشرح:
الذي يستحقُّ أن يوجَّه له اللَّوم حقيقةً هم قومُه، سواء مَن ينتمي إليهم بنسَب خالص أو حلفاؤهم، فهم الذين تَرَكوه حتى وقَع أسيرًا في يد أعدائهم، وبيَّن أنَّه لو أراد الهرب لفعل بفرسه التي تسبق الخيولَ القويَّةَ السريعة جميعها، لكنَّه يدافع عن شرَف قبيلته، في الوقت الذي كانت فيه الرماح تنوش مَن يدافع ويتقدَّم.
الأساليب:
• يسرد الشاعر هنا مشهدًا آخرَ يلتقطه مِن تلك الموقعة التي أُسر فيها، ويبدؤه بالدُّعاء على قومه بتجرع مرارات الملامة التي ذاقها؛ وهذا التعبير يشعرنا بقسوة اللَّوم على نفسه للدَّرجة التي صارت دعاء يَدعو بها على قومه الذين تركوه.
• الطِّباق بين صريحهم والموالي يأتي للتَّعميم؛ فالجميع خذَلوه، والجميع يستحقُّون أن يتذوَّقوا مرارةَ اللوم.
• حذف الشاعر المفعولَ به للفعل شئت؛ أي: لو شئتُ النَّجاة، كما حذف الموصوفَ الذي حلَّت الصفة محله في قوله: "نجتني من الخيل نهدة"، أي: فرس نهدة، ولا شك أنَّ الذكر هنا يكون مِن فضول الكلام؛ لأنَّ المحذوف معروف، وهو في موضع يضيق فيه الكلام عن الإطالة.
• استخدم الشاعر الفعلَ المضارع في عَرض مشاهد مِن الماضي "ترى خلفها الحُوَّ - أحمي ذمار أبيكم - يختطفن المحاميا"؛ ليجعلنا نَستحضر الصورَ، ونرى ما فيها من حيويَّة متجددة، وهو يعمد أن يشرك السامعَ فيجعل الفعلَ للمخاطب "ترى" ليجعله يعايش هذه المشاهد وكأنه يراها بعينيه، وهو يريد أن يجعلنا نَشعر بأن عِبءَ حماية الذمار كان عليه وحده، فيجعل المضارعَ للمتكلم المفرد "أحمي"، ثمَّ يؤكِّدُ ذلك ويضيف إليه أنَّ الرِّماح كانت تتناوشه وحده، فيأتي أيضًا بكلمة "المحاميا" بصيغة المفرد.
• في قوله: "الرماح يختطفن المحاميا" استعارة مكنيَّة، جعلَتْ مِن الرماح كائنًا حيًّا، تترك الجميعَ وتختطف ذلك المحامي عن ذمار القبيلة.
• في قوله "أَحمي ذمارَ أبيكم" الْتفاتٌ مِن الغائب في قوله: "جزى الله قومي" إلى المخاطب، وإنَّ الالتفات هنا يعكس الحالةَ النفسيَّةَ التي تجعل عقلَه الباطن يستدعيهم ويؤنِّبهم ويتباهى عليهم.
أقول وقد شَدُّوا لساني بنِسعةٍ
أمعشرَ تَيْمٍ أطلِقوا عن لِسانيا 
أمعشر تَيمٍ قد ملكتمْ فأسجِحوا
فإنَّ أخاكم لم يكن مِن بَوائيا 
فإن تقتُلوني تقتُلوا بيَ سيدًا
وإن تُطْلِقوني تَحْربُوني بماليا 
أحقًّا عبادَ اللهِ أنْ لستُ سامعًا
نشيدَ الرِّعاءِ المُعْزِبينَ المَتاليا 
معاني الكلمات:
بنِسـعةٍ: النِّسعة، بكسر النون: القطعة مِن النسع، وهو سير مِن جلد.
أسجِحـوا: أحسنوا العفوَ وتكرَّموا.
بَوائيا: مِن قولهم: (باء فلان بفلان)؛ إذا قُتل به وصار دمه بدمه، يريد أنِّي لم أَقتل صاحبَكم حتى تريدوا قتلي به، أو البواء: السواء، قال أحمد: أي لم يكن أخوكم نظيرًا لي فأكون بواء له.
تَحْربُوني: تأخذون مالي وتتركونني بلا شيء.
الرِّعاءِ: جمع راع.
المُعْزِبينَ: المعزب المتنحي بإبله.
المَتاليا:التي قد نتج بعضها وبقي بعض.
الشرح:
رُوي أنَّه عندما كان أسيرًا شدُّوا لسانَه بجلدةٍ مخافة أن يهجوهم، وكانُوا سَمِعُوهُ ينشد شعرًا فَقالَ: أطْلِقُوا لي عَن لساني، أذُمُّ أَصْحَابِي وأنوح على نَفسِي، فَقالوا: إِنَّك شَاعِر ونحذر أَن تهجونا، فعاهدهم أن لَا يهجوهم، فأطلقوا لَه عن لِسَانه.
قال الجاحظ: وَبلغ من خوفهم من الهجاء أَن يبْقى ذِكره فِي الأعقاب، ويسب بِهِ الْأَحْيَاء والأموات أنَّهم إذ أسَرُوا الشَّاعِرَ أخذُوا عَلَيْهِ المواثيقَ، وَرُبما شدُّوا لِسانَه بنِسعة كَما صَنَعُوا بِعَبْد يَغُوث بن وَقاص الْحارِثِيِّ حِين أسَرتْه تيمٌ يَوْم الْكلاب.
ثم بدأ يتودَّد إليهم علَّهم أن يطلقوا سراحَه، وأنَّهم قد ظفروا به، والكريم إذا ظفر فإنه يحسِن ويعفو، خاصَّة أنه لم يقتل أخاهم، أو أنه ليس نظيرًا له فهو سيِّد قومه، ثم إنهم بين أمرين؛ إمَّا أن يقتلوه فسيقتلون سيدًا يموت دون أن يُعاب بشيء، وإما أن يتركوه يفتدي لنفسه فسيحصلون على ماله وسيتركونه متحسرًا عليه، ثمَّ تصدر الصرخة التي تظهر أنَّه لا يكاد يصدق أنه مقبِل على الموت، وأنه لن يسمع أناشيد الرعاة حين يتنحون بإبلهم مرة ثانية.
الأساليب:
• استخدام الشاعر هنا الهمزةَ التي هي للمنادى القريب، وتكرار النِّداء لمعشر تيم يجسِّد لنا حالةَ الضَّعف التي تدفع إلى التودد والترجي، إنه يستخدم ما يمكنه أن يلين به قلوبهم، ثم نداؤه عباد الله يشعرنا أنَّه يريد أن يصِل نداؤه لكلِّ الناس، إنه لا يكاد يصدِّق ما هو فيه.
• المقابلة بين قوله: "فإن تقتلوني تقتلوا بي سيدًا = وإن تطلقوني تحربوني بماليا" تمثِّل محاولة لإقناعهم، تضع أمامهم الخيارين، مع وجود ما يدعوهم إلى إبقائه حيًّا؛ حيث سيحصلون على الأموال، بينما سيعاني هو جرَّاء افتقاده لماله.
• الاستفهام هنا يجعلنا أمامَ حالة لا تريد أن تصدِّق واقعَها، هو لا يريد أن يصدِّق أن القتل مأسورًا هو نهايته، ثمَّ إنه ينادي عبادَ الله مع حذف أداة النِّداء، فكأنَّهم جميعًا مطالَبون أن يجيبوه، وكأنَّه يتوقَّع أن تكون الإجابة أن ذلك ليس حقيقة وأنَّه يعايش كابوسًا مؤلمًا، وما نستشعره أنَّ حذف النداء هنا لضيق المقام.
• الشاعر هنا يَستدعي من الماضي صورةً صوتيَّةً؛ حيث كان الشاعر يحسُّ بالراحة النفسيَّة وهو يستمع لصوت أناشيد الرعاة، فهو يتذكَّر أكثرَ ما كان يمنحه الإحساس بالطمأنينة النفسيَّة في الوقت الذي يحاسره فيه الخوفُ والنَّدمُ والألمُ، وهو ما يحاول الهروب منه باللُّجوءِ إلى الماضي.
• أما كلمة المتاليا التي تعني الإبل التي نتج بعضها وبقي بعضها فلها دلالتها هنا؛ لأنَّها تمثِّل الحياة المستمرَّة في مقابل الموت الذي يواجِهه الشاعر.
وتضحكُ منِّي شيخةٌ عبشميَّةٌ
كأنْ لم تَرَى قلبي أسيرًا يَمانيا 
وظلَّ نِساء الحيِّ حوليَ رُكَّدًا
يُراوِدْنَ منِّي ما تُريد نِسائيا 
وقد عَلمَتْ عرسي مُلَيْكَةُ أنني
أنا الليثُ مَعْدُوًّا عليَّ وَعاديا 
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
|