وبهذا يكون الشعر المغربي وثيقة تاريخية جسدت نضال المغاربة، وبلاءهم في الحرب وقدرتهم على مواجهة أعدائهم ودحرهم.
الشعر العربي والبكاء على فقدان الأندلس:
لم يعبر الشعر العربي دائما عن الانتصارات، بل عبر كذلك عن الهزائم وما تخلفه من آثار. ولعل كارثة فقدان الأندلس وما خلفته من آثار نفسية واجتماعية، فقد اضطر المسلمون إلى مغادرة الأندلس مكرهين، نتيجة المعاملة السيئة التي تعرضوا لها على يد النصارى، ولقد عبر الشعراء عن هذه الكارثة وصوروا آثارها في عدة قصائد لتصبح وثيقة تاريخية عن تلك الحقبة الزمنية. وتعد قصيدة أبي البقاء الرندي خير مثال على ذلك فبعد أن يعبر في بداية قصيدته بالحديث عن تحولات الزمن وجبروته وقوته، وأنه لا يبقي أحداً على حاله، وأنه صاحب اليد الطولى في التبديل والتغيير فيقول
[33]:
لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانُ

فلا يُغرُّ بطيب العيش إنسانُ
هي الأيامُ كما شاهدتها دُولٌ

مَن سَرَّهُ زَمنٌ ساءَتهُ أزمانُ
وهذه الدار لا تُبقي على أحد

ولا يدوم على حالٍ لها شان
وبعد أن أنهى الشاعر حديثه ونظرته إلى الزمن وأثره، شرع في بيان المأساة الحقيقية المتمثلة في سقوط المدن الأندلسية قائلا:
دهى الجزيرة أمرٌ لا عزاءَ له

هوى له أُحدٌ وانهدْ ثهلانُ
أصابها العينُ في الإسلام فامتحنتْ

حتى خَلت منه أقطارٌ وبُلدانُ
فاسأل (بلنسيةً) ما شأنُ (مُرسيةً)

وأينَ (شاطبةٌ) أمْ أينَ (جَيَّانُ)
وأين (قُرطبة)ٌ دارُ العلوم فكم

من عالمٍ قد سما فيها له شانُ
وأين (حْمص)ُ وما تحويه من نزهٍ

ونهرهُا العَذبُ فياضٌ وملآنُ
تبكي الحنيفيةَ البيضاءُ من أسفٍ

كما بكى لفراق الإلفِ هيمانُ
على ديار من الإسلام خالية

قد أقفرت ولها بالكفر عُمرانُ 1996
فأبرزت فتحاً دوخ الأرض صيته

وزين أشتات المعالي نظام