رد: الأدب والفنون الأخرى
حيث استخدم صيغة التصغير: "قُمير" بدلًا من "قمر"، والمصدر "غُيوب" بدلًا من "مغيب" أو "غياب"، والفعلين: "روَّح" و"نوَّم" بدلًا من "راح" و"نام"، والجمعين: "رُعيان" و"سُمَّر" بدلا من "رُعاة" و"سامرون" أو "سُمار"، وكذلك قول إبراهيم ناجي في قصيدته "العودة":
دارُ أحلامي وحبي لقيتنا 
في وجوم مثلما تلقى الجديد 
أنكرتنا، وهي كانت إن رأتنا 
يضحك النور إلينا من بعيد 
فعبثًا نبحث في جملة "يضحك النور" (وهي خبر "كانت") عن ضمير يعود على اسم هذا الفعل الناسخ، ومع ذلك فإن النغم الموسيقي للبيت يغطِّي على ما فيه من كسرٍ لهذه القاعدة التركيبية.
إن الشِّعر ليشبه المرأة الجميلة الأنيقة التي يُغتفر لها ما لا يُغتفر للعاطلات من الجمال والأناقة جميعًا: هذه لفتنتها وجمالها، وذاك لسحر أنغامه وموسيقاه، ومن هنا أيضًا نستطيع أن نفهم مثلًا كيف أنه لا ملام على الشاعر إذا خاطب الملوك بأسمائهم المجردة، أو إذا استعمل معهم فعل الأمر بضمير المفرد عاريًا عن عبارات الترجي والخضوع التي كثيرًا ما نُضطر للجوء إليها حتى في مخاطبة مَن ليسوا ملوكًا، على الأقل من باب اللياقة الاجتماعية، إنه سحر الموسيقا العجيب!
هذا عن علاقة الأدب بالموسيقا، أما بالنسبة لعلاقته بالزخرفة فمن الواضح الذي لا يحتاج إلى تدليل أن معظم الشواهد الماضية تصلح تمام الصلاحية للاستشهاد بها هنا أيضًا، كل ما في الأمر أن إدراك الجانب الموسيقي في الإبداع الأدبي يتم عبر الأذن، أما الجانب الزخرفي فندركه بالعين، والزخرفة، كما نعرف، تقوم على تناظر الأشكال والصُّور أو تكررها، وهذا ملحوظ تمامًا في الموازنة والتشريع والتسميط، وكذلك في رد العجُز على الصدر إذا استُخدمت نفس الكلمة في أول الجملة وفي آخرها، ثم قبل ذلك كله في الوزن والقافية، وفي هذا المعنى يقول د. علي شلق: إن "فن البديع في الكلام يجري على نمط من الزخرف في النقوش والمنمنمات والخط في جميل تكوينه وحلاوة التواءاته ولطف مستوياته... مثل المعماري الذي يزوِّق تاج العمود عند اكتماله كذلك المتكلم يزوِّق تعبيره بعد أن يستوفي مداه من الحضارة"، وإنه "بعد أن بدأ نجم الكتابة يسطع بأسلوب عبدالحميد وحبكة الجاحظ بعده جماليًّا، نما لدى العرب شعور بجمال الشكل فكتبوا خطوطًا، ورسموا أشكالًا، وزخرفوا جدرانًا، وزينوا الكلام ورصَّعوه بالتحاسين القائمة على اللفظ الجميل والتركيب المتناغم والإيقاع البديع"[11]، وينبغي في هذا السياق ألا ننسى أن ألوان البديع ومحسناته كثيرًا ما يُطلق عليها: "الزخارف البديعية".
وننتقل إلى فن التصوير، والواقع أن إمكانات الأدب في هذا المضمار أكبر وأثرى من إمكانات الريشة؛ إذ إن الرسم لا يستطيع أن ينقل لنا إلا لقطة واحدة، ومن ثم لا يمكن أن يكون المشهد المرسوم إلا ساكنًا؛ ففن التصوير فن مكاني، أما الأدب ففن زماني؛ ولذلك فبمُكْنته أن يصور لنا الأحداث المتتالية مهما استغرقت من زمن، وإن كان من الممكن بطبيعة الحال أن يقتصر، متى أراد، على تزويدنا بمشهد من لقطة واحدة، بل إننا في فن الرسم قد نُحرم مما عدا الأبيض والأسود من ألوان كما هو الحال في الرسم بقلم الرصاص أو الفحم، أما الأدب فلأنه يعتمد في إدراكه على الخيال، كما سبق توضيح ذلك، فإنه لا يقف في طريقه أية عقبة تمنعه من نقل المشهد بألوانه الطبيعية، بل إنه ليمضي أبعد من ذلك كثيرًا؛ إذ بمقدوره، إلى جانب نقل الملامح والألوان مما يستطيع الرسام أن يفعله، أن ينقل لنا كذلك الأصوات والروائح والملموسات، وأن يتغلغل أيضًا إلى أطواء الضمير فيعرِّفنا بما يدور في عقول الأشخاص الموجودين من أفكار، وما في قلوبهم من مشاعر وأهواء، وما في ضمائرهم من رضًا أو حرج أو حيرة أو ندم، بل إن في استطاعته، فوق هذا، أن يُطلعنا على ما ينوون أن يفعلوه في مقبل الأيام، وعلى ما يستعيدونه من ذكريات الماضي، قريبًا كان ذلك الماضي أو بعيدًا، وهو، حين يفعل هذا، يستطيع أن يراعي الترتيب الزمني الطبيعي متجهًا إلى الأمام، أو أن يعكس الأوضاع فيولي وجهه من الحاضر إلى الماضي، أو أن يراوح بين هذا وذاك على أي ترتيب، أو قل: على أي عدم ترتيب، يريد!
كما يتفوَّق الأدب أيضًا على التصوير، فهذا الفن الأخير لا يستطيع، في تقديمه للشخص أو المكان، أن يذكر لنا مثلًا اسمه أو جنسيته، على عكس الأدب، الذي يمكنه ذلك بمنتهى السهولة، كذلك فإن التصوير الأدبي لا يتم دفعة واحدة، بل شيئًا فشيئًا، مثيرًا بذلك شوقنا إلى معرفة ما سيأتي، أما في تصوير الريشة فإن المشاهد يرى اللوحة في لمحة واحدة دون أن تتاح له الفرصة لتجرِبة لذة التشويق الأدبي، وفضلًا عن ذلك فباستطاعة الأدب أن يقدم لنا المشهد أو الحدث بأكثر من عين، كما هو الحال في القصص مثلًا؛ إذ نراه مرة بعين إحدى شخصيات القصة، وأخرى بعين شخصية ثانية.. وهكذا، ثم إن الأدب يتقبل من المبالغات ما لا يستطيعه التصوير، كمثل رحا عمرو بن كلثوم التي تطحن الأعداء طحنًا، والتي:
يكون ثفالها شرقيَّ نجد ♦♦♦ ولهوتها قُضاعة أجمعينا
أو كقول بشار بن بُرد:
إذا ما غضِبْنا غَضْبةً مُضَريَّةً ♦♦♦ هتَكْنا حجاب الشمسِ أو قطَرَتْ دمَا
وعلى نفس النحو تقف اللوحة إزاء بعض ألوان التهكم على الأقل متبلدة لا تستطيع أن تحير شيئًا، وإلا فماذا يمكن الرسام فعله أمام قول محمود طاهر لاشين، متهكمًا ببطل من أبطال قصصه، إنه "لم يمت تمام الموت؟"، وهذا مجرد مثال، بل إن السينما نفسها بكل قدراتها ومرونتها لا تستطيع أن تباري قلم الأديب فتنقل لنا الروائح وإحساسات اللمس، كما أنها، حين تريد أن تجوس خلال العقول والضمائر والقلوب، لا تتمتع بذات الطلاقة التي أودعها الله فن الأدب.
كذلك يمتاز الأدب على فنَّي التصوير والسينما باعتبار آخر، فهذان الفنان يُرياننا ما يريدان أن يُطلعانا عليه كما هو؛ إذ ها هي ذي الصورة، أو ها هي ذي المشاهد المتتابعة أمام عينيك كما يريد لك المصور السينمائي أن تراها، أما الأدب فإنه يترك لخيالك مساحة من الخصوصية في تصوُّر الخطوط والألوان والحركات والأصوات والمشمومات والملموسات وخلجات الفكر والشعور بطريقتك أنت، إنه مثلًا يقول لك: إن عينَيْ هذا الشخص أو ذاك زرقاوان، وقد يحدد لك درجة الزرقة، لكن خيالك أيها القارئ هو الفيصل في إدراك هذا اللون والشيَة التي هو عليها، أما المصور السينمائي فإنه لا يخبرك بشيء ثم تقوم أنت بتخيله حسب خبراتك الشخصية وإمكاناتك الإدراكية، بل يعطيك اللون الذي يريد ودرجته فتعاينهما معاينة مباشرة ببصرك، إنه يقيِّد عينيك فلا تريان إلا ما هو ماثل أمامهما، على عكس الخيال، الذي لا يستطيع قلم الأديب أن يقدِّم له إلا الخطوط العامة، أما التفاصيل والخصوصيات فلا مناص له من أن ينهض بعبء تصورها مرتكنًا في ذلك، كما قلنا آنفًا، على خبراته في الماضي وإمكاناته في مجال الإدراك.
وشيء آخر يمتاز به الأدب عن هذين الفنين، ألا وهو أنه، في تصويره للأشياء والأشخاص والحوادث، لا يكتفي بتصويرها في ذاتها فحسب، بل يشبهها في ذات الوقت بغيرها، فهو، فضلًا عن تصويره للشيء كما هو في الواقع، يستحضر في الوقت نفسه ما يشبهه من أشياء أخرى، أو يستعير له سمات تلك الأشياء استعارة؛ أي: إنه يقدِّم لنا الشيء باعتبارين في وقت واحد، وهو ما لا يستطيعه الفنانان المنافسان على أن الأمر في الأدب لا يقتصر على التصوير الطبيعي، بل يمتد ليشمل أيضًا التصوير الكاريكاتوري، وهذا كله دليل على غنى إمكانات هذا الفن وخصوبته، والآن مع التمثيل، وإلى القارئ هذا الأبيات التي اقتطفناها من مواضع متفرقة من معلقة عنترة:
هل غادر الشعراءُ من مُتردَّم؟ 
أم هل عرفتَ الدار بعد توهُّمِ؟ 
يا دار عبلةَ بالجواء تكلمي 
وعِمي صباحًا دارَ عبلة واسلمي 
وتحلُّ عبلةُ بالجواء، وأهلُها 
بالحَزْن فالصِّمَّان فالمُتثلَّم 
وكأن فارة تاجر بقسيمة 
سبقت عوارضها إليك من الفم 
أو روضةً أُنفًا تضمن نبتها 
غيثٌ قليل الدمن ليس بمعلَم 
جادت عليه كل عين ثرَّةٍ 
فترَكْنَ كلَّ قرارة كالدرهم 
سحًّا وتَسكابًا، فكل عشية 
يجري عليها الماء لم يتصرَّم 
وخلا الذباب بها فليس ببارح 
غَرِدًا كفعل الشارب المترنِّم 
يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟ فبكى رحمه الله ثم قال : أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.
التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 03-11-2022 الساعة 08:42 AM.
|