عرض مشاركة واحدة
  #2  
قديم 27-10-2022, 11:54 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 166,603
الدولة : Egypt
افتراضي رد: علاقة الأدب بالدين والأخلاق

علاقة الأدب بالدين والأخلاق



د. إبراهيم عوض



وقد شرح الأستاذ الدكتور في مقال له عنوانه "تحليل الذَّوق الفني" المذهب الذي يجري عليه في نقد الأدب، وهو مذهب "مؤدَّاه أن ينصبَّ تحليل الناقد الأدبي على العمل الفني نفسه لا لننفُذَ خلاله إلى نفس الفنان ولا إلى العالم الخارجي بماضيه وحاضره، بل لنقف عنده هو ذاته فنرى كيف تأتلف عناصره مما قد أدَّى إلى حسن وقعه على ذوق المتذوق، نعم نحصر أنفسنا في العمل الفني نفسه فلا نسمح لأي عامل خارجي أن يتدخل في حكمنا كنفس الفنان ومشاعره أو حوادث التاريخ أو الأساطير الدينية[12] وغير الدينية أو المبادئ الخلقية أو الأفكار الفلسفية أو المذاهب السياسية، فلا يجوز للناقد... أن يسأل عن لوحة مثلًا قائلًا: ما مغزاها؟ أو ما معناها؟ لأنه لا مغزى ولا معنى في الفنون؛ إذ الفن "خلق" لكائن جديد، هل نسأل عن جبل أو عن نهر أو عن شرق أو غرب قائلين: ما مغزى؟ وما معنى؟ أو هل ترانا ننظر إلى التكوين وحده معجبين أو نافرين؟... وهكذا ينبغي أن يكون موقفنا إزاء العمل الفني؛ لأنه خَلْق وإنشاء، وليس كشفًا عن أي شيء كان موجودًا بالفعل ثم جاء الفن ليصوره، العمل الفني... معياره هو الفن نفسه: فمعيار الشعر هو الشعر، ومعيار الموسيقا هو الموسيقا، ومعيار التصوير هو التصوير... وهكذا، أعني أن تقاليد كل نوع من أنواع الفنون وقواعده الخاصة به هي السَّند في أحكامنا النقدية، ولا يجوز لناقد اللوحة التصويرية مثلًا أن يقومها على أساس من موقعة حربية أو من أسطورة أو من كلمة فلسفية أو من مبدأ خلقي، كل هذه أشياء لها قيمتها في مضمارها، لكنها ليست من فن التصوير ذاته، فمادة التصوير لون، أعني أن مادته هي الضوء، كما أن مادة الموسيقا هي الصوت، ولا بد أن نحاسب الفنان على الطريقة التي وزع بها هذا اللون أو هذا الضوء على لوحته بغض النظر عن الشيء المرسوم؛ لأن هذا الشيء لا يزيد عن كونه تكأة اتخذها الفنان اتفاقًا ليرتكز عليها في تكوين الكُتَل الضوئية على اللوحة"[13].


هذا هو مذهب الأستاذ الدكتور في النقد عرضناه من خلال ما كتبه هو نفسه بقلمه وبيَّنا ما فيه من مغالطات وتناقضات وأخطاء، وأرَيْنا القارئ فوق هذا كيف أنه، في نقده التطبيقي، لم يجرِ البتة على ما دعا إليه، بل كان يردد ما نقوله ونرى أنه الحق الذي لا مرية فيه، ألا وهو أن الشاعر، بل الأديب بوجه عام، حينما ينظم قصيدة أو يؤلف رواية مثلًا إنما يريد أن يعبر عن شيء ما وأن يوصله إلينا، وهذا الشيء قد يكون فكرة أو شعورًا أو صورة لشيء في الطبيعة من حوله أو في داخل نفسه أو خيالًا تخيله... إلى آخر ما يمكن أن تقوله لنا القصيدة أو الرواية أو المقال أو الخطبة، أما الزعم بأن الشاعر مثلًا إنما يقف عند الكلمات لا يعدوها إلى شيء وراءها؛ إذ كل غايته من شعره العكوف على الكلمات وما يمكن أن تنطوي عليه من أنغام موسيقية تلَذُّها الأذن، فقد بان لنا خطؤه وخَطَلُه، وظهَر مملوءًا بالثقوب الفاغرة، بل لقد رأينا الأستاذ الناقد نفسه وهو يحاول سدَّ هذه الثغرات دون جدوى، ولست أدري في الواقع ما الذي يحدو بكاتب كبير، كالدكتور زكي نجيب، إلى هذه المكابرة وتلك السفسطة في الدفاع عن مذهب في النقد متهافت كالمذهب الذي يدعو إليه ويُعلي من شأنه ويزعم أنه هو وحده المذهب الصحيح!


والآن، وبعد أن فرغنا من مناقشة الأستاذ الدكتور وأظهرنا ما في رأيه من ثغرات واسعة لا يمكن رتقها، لا نجد لزامًا أن نقف بهذا التريث إزاء ما يقوله د. عبدالمنعم تليمة، وبخاصة أنه لا يقول جديدًا، بل يردد ما سمعناه لدى د. زكي نجيب محمود من أن مهمة الشاعر إنما هي مهمة "تشكيل" لا "توصيل"، فهو "لا يتوجه بمعنى مسبق يسعى إلى توصيله، كما أنه لا يتوجه إلى غرض يسعى إلى التعبير عنه، ولكن توجهه إنما إلى أن يثير اللغة نشاطها الخالق حتى يكتمل له التشكيل الجمالي الذي يوازي به رمزيًّا واقعه النفسي والفكري والروحي والاجتماعي"[14]، وأرجو من القارئ أن يلاحظ هذه الموازاة التي يشير إليها الكاتب؛ فهي تومئ إلى ما لا يريد أن يُقر به صراحة أولئك الذين يزعمون أن الشاعر ليس عنده شيء يريد توصيله للآخرين، إنهم يدورون ويلفون حول أنفسهم محاولين شغل القارئ بهذه الحركة الدائرية عن تهافت موقفهم وفهاهة فكرتهم، ولو أنصَفوا لأراحونا واستراحوا معنا وأقروا بالحق الذي يعلو ولا يُعلى عليه، لكنه العناد والمكابرة!


وسوف يقول الباحث بعد ذلك: إن التشكيل اللغوي في الشعر يرتبط بأدوار دلالية، وهذه الأدوار الدلالية تمثل الجانب الثاني في السياق الشعري، وكذلك سوف يتكلم عن معنى القصيدة وبنائها الفكري[15]، ولهذا وذاك دلالته التي لا تخفى، وفي موضع آخر نراه يقول: إن الشاعر إنما "ينتج ... شكلًا معرفيًّا خاصًّا، هذا الشكل المعرفي هو نفسه ثمرة لتعرُّف خاص على الواقع؛ أي: إن الشاعر يتعرف على واقعه تعرُّفًا خاصًّا وينتج ضربًا من المعرفة بهذا الواقع... إن ماهية هذا الضرب الخاص من المعرفة ماهيةٌ جماليةٌ، ومادته الطبيعة والمجتمع بمظاهرهما وظواهرهما، ومجاله الحياة النفسية العاطفية الروحية، وأداته القوة المدركة والطاقات الذائقة"[16]، ويلاحظ القارئ هنا أيضًا نفس الحيرة والتخبط اللذين شاهدناهما لدى د. زكي نجيب محمود، ونفس المحاولة الفاشلة لإقناع القارئ بما ليس فيه مقنع، لكن دون أن يكون هناك الأسلوب المحكَم الأنيق أو الشرح الواضح والأمثلة المضيئة التي تتميز بها كتابات الأستاذ الدكتور!


العمل الأدبي إذًا، شعرًا كان أو نثرًا، هو شكل ومضمون، والتذوق إنما ينصبُّ عليهما جميعًا، وهذا أشبه بطبق من الطعام وُضِع أمامي لأتذوقه وأقول رأيي فيه، فلا أظن أن هناك من يمكن أن يجادل في أن عملية التذوق لا تقتصر على إلمامي بالطريقة التي أُعد بها، بل لا بد أن أمد يدي للطبق وأذكر اسم الله عليه وأغمس اللقمة وآكل، وعندئذ (وعندئذ فقط) أستطيع أن أقول: إنني قد تذوقته، وأن أصدر حكمي عليه داعيًا لمن طبخته أن يسلِّم الله يدها، أو مقطبًا جبيني ومشيحًا بوجهي عنه وعمَّن أعدَّتْه، ونفس الشيء يصدُقُ على العمل الأدبي؛ إذ لا يمكن اقتصار التذوق فيه على الشكل الفني، وإلا فالسؤال هو: أين ذلك الشكل الفني منفصلًا عن الموضوع؟ وسرعان ما يأتي الجواب باترًا كالسيف: أن الشكل الفني بهذا الوضع لا وجود له، إنه رابع المستحيلات، بل هو في الحقيقة أولها، كما أن موضوع العمل الأدبي ليس مجرد مادة تاحت للأديب فأظهر من خلالها الشكل الفني الذي كان في ذهنه طبقًا لما يريد منا د. زكي نجيب أن نسلم به، إن ثمة تلاحمًا بين الشكل والمضمون لا يمكن انفصامه، وهذا التلاحم قد أرَّق الأديب وعذَّبه زمنًا إلى أن خرج إلى نور الوجود فأحس عندئذ براحة الخلاص من هذا العناء الثقيل المبرِّح، فكيف تسوِّل لكاتبنا نفسه أن يتجاهل ذلك كله ويزعم أن الأمر برُمته في التذوق الأدبي إنما مردُّه إلى الشكل الفني ليس غير؟


ولقد يسأل سائل: ولماذا هذا الخلاف كله؟ وما الذي سيترتب على أخذنا بهذا الرأي أو ذاك؟ الواقع أن لكل من الرأيين نتائجه التي لا تخطر على بال المتعجلين؛ ذلك أننا إذا قلنا: إن العمل الأدبي ليس إلا مجرد شكل فني، وإن التذوق من ثم لا يتعلق إلا بهذا الشكل الفني، ولا علاقة له بمضمون العمل، فإننا نحصر أنفسنا في مسألة الشكل، الذي قلنا: إنه لا وجود له مستقل عن ذلك المضمون، ولا نبالي حينئذ بأي شيء يتضمنه العمل الأدبي أيًّا كانت مصادمته للعقيدة التي نعتقدها، أو للأخلاق التي نتمسك بها ونرى أنها هي السبيل لسعادتنا وسعادة الأمة التي ننتمي إليها، وأيًّا كانت إساءته للتاريخ الذي نتشرف بالاعتزاء إليه، أو للرموز الدينية والوطنية والإنسانية التي نضعها دائمًا نُصْب أعيننا، ونتخذ منها مثلنا العليا... إلخ.


تُرى كيف يمكن مثلًا أن يسكت مسلم على الصورة التي رسمها جرجي زيدان لمحمد بن أبي بكر الصديق المشهور بالزهد والورع في روايته "عذراء قريش"، وهي صورة العاشق الذي يتدلَّه في هوى فتاة تدلُّهًا يدفعه إلى الثورة على عثمان، ويدخل من ثَمَّ في منافسة مع الحسين بن علي على حبها وتقع بينهما الغيرة العنيفة بسببها، مع أن ذلك كله لا حقيقة له باعتراف المؤلف نفسه الذي قال: إنه قد أدخل في كل رواية من رواياته الإسلامية حكاية غرامية كي يغريَ القراء بمطالعتها؟ أم ترى كيف يقبَل المسلم النهاية الغريبة التي يزعم زيدان في روايته "شارل وعبدالرحمن" أن قائد الفرسان المسلمين في معركة بواتييه جنوب فرنسا قد وضعها لحياته؛ إذ قام بإغراق نفسه في النهر يأسًا بعد هزيمة المسلمين أمام شارل مارتل؟[17]، إن ذلك لهو المستحيل بعينه؛ لأنه بكل بساطة لم يقع! ومثل هذه الحادثة ليست من التفاهة وهوان الشأن بحيث يمكن للضمير المسلم أن يمر عليها مر الكرام فلا ينبس ببنت شَفَة!


لقد هاج صنيعُ زيدان في رواياته عن تاريخ الإسلام الغيارى على هذا التاريخ، فانتقدوه وأظهروا أخطاءه، بل خطاياه، وعبثًا يحاول كاتب مادة "زيدان" في "The Encyclopaedia" أن يعزو هذا النقد إلى تعصب المسلمين المحافظين الذين ضايقهم، كما يقول، تناول أحد المؤلفين النصارى لموضوعات إسلامية[18]، وهو رد متهافت؛ فإن أولئك النقاد قد ساقوا الأسباب التي حَدَتْ بهم إلى انتقاد زيدان، وهي أسبابٌ جدُّ مقنعة على ما فصلت في الفصل الرابع من كتابي "نقد القصة في مصر: 1888 - 1980م"[19]، ثم إنهم لم ينهَوه عن الكتابة في تاريخ الإسلام، بل كل ما طالبوه به هو ألا يفتئت على الحقيقة التاريخية، أو يفتري عليها بالأحرى، أما حكاية "المحافظين" و"الثوريين" فهي لعبة مكشوفة لا تجوز عندنا، فنحن نعرف أن المستشرقين والمبشرين ومَن يلوذ بهم من الذيول في بلادنا من كل من تورَّم قلبه بغضًا لدين محمد يتهمون كل مَن يغار على دينه منا بأنه "محافظ"؛ أي: رجعي متخلف، أما من يشايعهم على كراهية الإسلام وتاريخه ورجاله فإنه من العباقرة المتنورين.


وفصل القول في هذه القضية أن الإنسان لا يمكن أن ينقسم على نفسه فيمدح عملًا أدبيًّا يسيء إلى ما يؤمن به من دين أو يستمسك به من خُلُق، وإن لم يعنِ هذا بالضرورة أن عليه مدح أي عمل يعلي من شأن هذا أو ذاك حتى لو كان مستواه رديئًا، ليس من المعقول أن أومن بالإسلام وأن محمدًا رسول من رب العالمين وأنه كان على خُلق عظيم ثم أتلقى بعصَبٍ باردٍ الهجومَ عليه أو على دينه بحجة أني أطالع عملًا أدبيًّا، وأن كل ما يهم في العمل الأدبي هو جانبه الفني ليس إلا، كذلك ليس من المعقول أن ينفر المسلم بطبيعة دينه من الزنا وشرب الخمر ثم لا يبالي بمسرحية تدعو إلى حرية الفاحشة أو تزين أم الخبائث، إن من يفعل ذلك إما أن يكون مصابًا بانفصام في شخصيته، أو ضعيف الوازع الديني لا يجد حرجًا في مقارفة المعصية وتزيينها، أو منافقًا يُظهِر الإسلام ويُبْطن خلافه.


ومن المناسب أن أذكر في سياقنا هذا ما قاله د. محمد حسين هيكل في كتابه "ولدي" عن مسلم ومسلمة كانا يشاهدان في الكوميدي فرانسيز في عشرينيات القرن الماضي مسرحية تاريخية تدور حول الحروب بين مسلمي الأندلس ونصارى أوربا، ويقوم بدور شارلمان فيها ممثل فرنسي يسبُّ المسلمين ودينهم واصفًا إياهم بالكفار وداعيًا إلى قتالهم، فبلغ من إعجابهما بالممثل وأدائه أن أخذا يصفقان رغم كل الإهانات والشتائم الموجهة لدينهما، وكان تعليق الدكتور هيكل على ذلك أن "سمو فن الكاتب وعظمة الممثل وبراعته قد أنسَتِ السامعين كل ما سوى الفن والإعجاب به؛ ذلك بأنه أخذ بالمشاعر جميعًا فأنساها الحياة الوضيعة، وسما بها إلى حيث لا يقدِّر شيئًا غيره كائنة ما كانت المعاني التي يعبر عنها والصور التي يجلوها والعواطف التي يُجيشها"[20].


هذا تعليق كاتبنا على سلوك هذا المسلم وتلك المسلمة اللذين أرجو من الله سبحانه ألا يكونا هما هيكل وزوجته، التي كانت ترافقه في هذه الرحلة، أما تعليقي أنا فهو (بالفم الملآن) أن هذا كلام فارغ؛ إذ لا يمكن أن يطغى الشعور الفني لدى المسلم الحق على شعوره الديني أبدًا، إن مثل هذين الشخصين لا يمكن أن يكونا مسلمين صادقين، وعجيب أن يفسر هيكل سلوكهما ذاك بأنه سموٌّ عن الحياة الوضيعة! أية حياة وضيعة تلك التي يشير إليها، وإنما هو الدين والغَيرة عليه عند كل مسلم ينبض قلبه بحرارة الإيمان؟ أهذه هي الحياة الوضيعة في نظره؟ حَرِيٌّ بالذكر أن هيكل في ذلك الوقت كان بعيدًا عن الإسلام، يدعو بدعوة الفرعونية قبل أن تعود جذوات الإيمان التي كانت مطمورة تحت الرماد في أعماق قلبه إلى الاشتعال من جديد بعد أعوام قلائل، فينتضي قلمه ويشرع في الكتابة مدافعًا عن الإسلام ونبيِّه، مسفِّهًا ما يزعمه بشأنه المستشرقون والمبشرون[21].


وعلى ضوء ما قلناه الآن نستطيع أن نفهم موقف أولئك المنتسبين إلى الإسلام، الذين وقفوا إلى جانب سلمان رشدي في روايته "الآيات الشيطانية"، وحيدر حيدر في روايته "وليمة لأعشاب البحر" بشبهة الانتصار لحرية الإبداع الأدبي رغم أن الروايتينِ مفعمتانِ بالإساءات البذيئة المتجاوزة لكل الحدود إلى ربنا ورسولنا والقرآن الذي أُنزل عليه والدِّين الذي جاء به والقيم الخُلقية التي نغار عليها ونؤمن أنْ لا نجاة لنا في الدنيا والآخرة إلا بالتزامها، إنهم يزعمون أن دفاعهم عن هذين العملين إنما هو دفاع عن حرية التعبير، وأن العبرة بالجانب الفني في المسألة، وهذا كذب وتدجيل، والحقيقة أنهم يبتهجون بكل ما يسيء إلى الإسلام ويرحبون بكل من يتطاول عليه، هذه هي القضية في وضعها الحقيقي، ولو كانت الرواية تهاجم شيئًا مما يؤمنون به لانهالوا عليهما وعلى صاحبيهما تمزيقًا، ولقد غَبَرَ على كثير منهم زمن كانوا يلحون على الأدباء والشعراء أن يهاجموا الإقطاعيين والرأسماليين وعلماء الدين المسلمين، أما من يشتمُّون في كتاباته رائحة الخروج على اتجاهاتهم التخريبية فكانوا يسلقونه سلقًا! أما في مواجهة الإسلام فيرفعون لافتة "الحرية الإبداعية"، مع أن الأمر لا يخرج عن كونه اختلافًا بين ما نؤمن به نحن أو نعتنقه من قِيَم وما يؤمنون به هم أو يعتنقونه من قِيَم، إن كان لأمثالهم قِيَم! هذه هي خلاصة الموضوع برُمته دون لف أو دوران مفضوح!


وتحضرني هنا رواية "حين تركنا الجسر" لعبدالرحمن المنيف وما فيها من تطاولات على الذات الإلهية من صياد ينفق وقته سعيًا وراء إسقاط طائر من طيور الليل، وهي تطاولات لا مسوغ لها؛ إذ ليس الصيد بالميدان المناسب لمثل هذا التجديف الوقح، كما أن حياة الصياد تخلو تمامًا مما يمكن أن يدفعه إلى تلك السفاهة، فضلًا عن أنه لم يحدث على مدى الرواية ما نستطيع أن نقول: إن الصياد قد فقد بسببه عقله وحياءه على هذا النحو[22]، ومعروف أن أبطال الرواية شيء، ومعتقدات كاتبها شيء مختلف، والخلط بين الأمرين هو علامة على الركاكة الفنية قبل أن يكون علامة على أي شيء آخر!


ولقد سبق أن درستُ هذه القضية بشيء غير قليل من التفصيل في كتابي "وليمة لأعشاب البحر بين قيم الإسلام وحرية الإبداع - قراءة نقدية"، ويستطيع القارئ الرجوع إلى ما كتبته هناك، ولكني أود أن أضيف هنا ملخصًا سريعًا للفصل الذي كتبه جيروم ستولنتز في كتابه "النقد الفني - دراسة جمالية وفلسفية" بعنوان "النقد والأخلاق"، رغبة مني في إلقاء مزيد من الضوء على هذه القضية مستعينًا بناقد أمريكي معاصر؛ كيلا يظن من ليسوا ملمين بالموضوع أن ما قلناه في الصفحات الماضية إنما يعكس كلام المتحمسين للإسلام لا غير، وهذا الفصل يستغرق زهاء خمسين صفحة من القطع الكبير، يستعرض فيها الكاتب هذه المسألة النقدية منذ أيام أفلاطون حتى عصرنا، مع التوقف بوجه خاص أمام ثلاثة من أعلام الفلسفة والنقد الذين يغلِّبون الأخلاق على اعتبارات الجمال الفني، وهم أفلاطون الفيلسوف الإغريقي، وليو تولستوي الروائي الروسي، ورالف بارتون الكاتب الأمريكي، عارضًا أفكارهم ومناقشًا وجهة نظرهم في أناة، ونستطيع نحن بدورنا أن نضم ستولنتز إلى القائمة التي ترى أنه لا بد من وضع الاعتبارات الأخلاقية في الحسبان، وإن لم يتشدد تشدُّد أفلاطون وتولستوي مثلًا[23]، وهو يصور القضية على أنها صراع بين الذين يُعلون من شأن القيم الأخلاقية ويخشون من تأثير الأعمال الفنية التي لا تبالي بتلك القيم، وبين أولئك الذين لا يهتمون إلا بأن يعيشوا حياتهم بتلذُّذ وامتلاء غير ملقين بالًا إلى ما يسمَّى: "الأخلاق"، ولا إلى ما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من مشاكل فردية واجتماعية[24]، وفي رأيه أنه لا بد، في أمور الفن والأدب، من مراعاة الجانب الجمالي والجانب الخُلقي معًا، على ألا يكون هناك تشدد من قِبَل الأخلاقيين أكثر مما ينبغي، ورغم هذا فهو يرد على دعاة الحرية المطلقة في الفن بأنه ليس من حق الفن المطالبة بوضع متميز، بل تنبغي معاملته كأي نشاط بشري آخر، ومن ثَمَّ فلا بد من خضوعه للرقابة إذا جر وراءه ضررًا، لكنه يشترط في الرقيب مع ذلك أن يجمع بين احترام الحرية والحساسية المرهفة لقيم الجمال الفني وبين التقدير الواعي لمصلحة المجتمع[25].


ومن قبلُ كتبتُ في هذا الموضوع أن "بعض الناس ينادون بالحرية المطلقة للإبداع والمبدعين، لكن ليس هناك في الحقيقة حرية مطلقة في أي ميدان من ميادين الحياة؛ إذ ما من إنسان إلا وتحيط بمعصمه القيود من كل لون، مع قدر لا بأس به من الحرية، والعاقل هو الذي لا يتجاهل هذا أو ذاك، والذين ينادون بحرية الإبداع المطلقة إما يقصدون أنهم لا ينبغي أن يطالبوا بالخضوع لمبادئ وقواعد أخلاقية معينة؛ لأنهم يعتنقون مبادئ وقواعد أخرى، هذا كل ما هنالك دون لف أو دوران ودون مماحكات لفظية زائفة"[26]، ويمكن ترجمة كلام ستولنتز في رفضه المطالبة بإعطاء الفن وضعًا متميزًا، ودعوته إلى معاملة الإبداع الفني مثل أي نشاط بشري، بما نقوله في حياتنا اليومية من أنه "ليس على رأسه ريشة"! والواقع أن الدعوة إلى معاملة الأدب على أنه فوق الدين والقانون والأخلاق هي، في حقيقتها، دعوة إلى تأليهه، مع أنه لا يوجد إلا إله واحد! أما بالنسبة للرقابة الرسمية على الأعمال الأدبية فقد اكتفيتُ في كلامي المومأ إليه بعرض جهتي النظر المتعارضتين فيها[27].


وبالمناسبة فكاتب هذه السطور لا يذهب مع المتشددين إلى المدى الذي يوجبون فيه على الأدباء أن يطرقوا موضوعات بعينها ويتجنبوا موضوعات بعينها أخرى، بل أقول: إن من حق الأديب أن يتناول أي موضوع يحلو له، بشرط واحد هو أن يبتعد عن التطاول على الله ودينه ورسوله، وعن تزيين الفجور والشذوذ وخيانة الوطن والأمة وما إلى ذلك، من حقه مثلًا أن يعالج موضوع الإيمان والإلحاد أو الخيانة الزوجية، لكن دون أن يدفع شخصياته إلى التجديف في حق الله، أو يغرق في تفصيلات الفواحش بما يهيج الشهوات، فيصبح بذلك من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا[28].


إننا نعرف جيدًا أن في الإنسان ضعفًا فطريًّا، وأن المجتمع، مهما تكن درجة تمسُّكه بالخُلق الكريم، لن يكون أبدًا مجتمعًا من الملائكة، وأن الشر كان ولا يزال وسيظل موجودًا في كل مكان يوجد فيه بشر، بيْدَ أن هذه الحقيقة لا يمكن أن تكون مسوغًا للعمل على تحويل الناس إلى شياطين من خلال تجريئهم على مقام الألوهية أو النفخ في جمرات غرائزهم حتى تستحيل نارًا تتلظى وتأتي على الأخضر واليابس، إن القضاء على الشر قضاءً مبرمًا وإلى الأبد لهو أمر مستحيل، لكن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى ترك الحبل له على الغارب، بل لا بد من العمل على محاصرته في أضيق نطاق ممكن: فعشرة في المائة شرًّا خيرٌ من خمسة عشر، وهذه أفضل من عشرين، وعشرون أفضل من خمسة وعشرين... وهلم جرًّا.

يتبع
__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.


التعديل الأخير تم بواسطة ابوالوليد المسلم ; 30-10-2022 الساعة 11:29 PM.
رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 31.64 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 30.98 كيلو بايت... تم توفير 0.66 كيلو بايت...بمعدل (2.08%)]