عرض مشاركة واحدة
  #5  
قديم 24-10-2022, 10:21 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم غير متصل
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 179,362
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ الْكَهْفِ
الحلقة (358)
صــ 115 إلى صــ 122




.
نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا [ ص: 115 ] شططا هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا .

قوله تعالى: " نحن نقص عليك نبأهم " ; أي: خبر الفتية " بالحق " ; أي: بالصدق .

قوله تعالى: " وزدناهم هدى " ; أي: ثبتناهم على الإيمان، " وربطنا على قلوبهم " ; أي: ألهمناها الصبر " إذ قاموا " بين يدي ملكهم دقيانوس، " فقالوا ربنا رب السماوات والأرض " وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، فعصم الله هؤلاء حتى عصوا ملكهم . وقال الحسن: قاموا في قومهم فدعوهم إلى التوحيد . وقيل: هذا قولهم بينهم لما اجتمعوا خارج المدينة على ما ذكرنا في أول القصة . فأما الشطط فهو الجور . قال الزجاج: يقال: شط الرجل وأشط: إذا جار . ثم قال الفتية: " هؤلاء قومنا " يعنون: الذين كانوا في زمن دقيانوس، " اتخذوا من دونه آلهة " ; أي: عبدوا الأصنام، " لولا " ; أي: هلا، " يأتون عليهم " ; أي: على عبادة الأصنام، " بسلطان بين " ; أي: بحجة . وإنما قال: " عليهم " والأصنام مؤنثة ; لأن الكفار نحلوها العقل والتمييز، فجرت مجرى المذكرين من الناس .

قوله تعالى: " فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا " فزعم أن له شريكا .
وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك [ ص: 116 ] من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا .

قوله تعالى: " وإذ اعتزلتموهم " قال ابن عباس: هذا [ قول ] يمليخا، وهو رئيس أصحاب الكهف، قال لهم: وإذ اعتزلتموهم ; أي: فارقتموهم، يريد: عبدة الأصنام، " وما يعبدون إلا الله " فيه قولان:

أحدهما: واعتزلتم ما يعبدون إلا الله، فإن القوم كانوا يعبدون الله ويعبدون معه آلهة، فاعتزل الفتية عبادة الآلهة ولم يعتزلوا عبادة الله، هذا قول عطاء الخراساني والفراء .

والثاني: وما يعبدون غير الله، قال قتادة: هي في مصحف عبد الله: ( وما يعبدون من دون الله )، وهذا تفسيرها .

قوله تعالى: " فأووا إلى الكهف " ; أي: اجعلوه مأواكم، " ينشر لكم ربكم من رحمته " ; أي: يبسط عليكم من رزقه، " ويهيئ لكم من أمركم مرفقا " قرأ ابن كثير، وأبو عمرو ، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ( مرفقا بكسر الميم وفتح الفاء . وقرأ نافع وابن عامر: ( مرفقا بفتح الميم وكسر الفاء . قال الفراء: أهل الحجاز يقولون: ( مرفقا ) بفتح الميم وكسر الفاء، في كل مرفق ارتفقت به، ويكسرون مرفق الإنسان، والعرب قد يكسرون الميم منهما جميعا . قال ابن الأنباري: معنى الآية: ويهيئ لكم بدلا من أمركم الصعب مرفقا، قال الشاعر:


فليت لنا من ماء زمزم شربة مبردة باتت على طهيان
[ ص: 117 ]

معناه: فليت لنا بدلا من ماء زمزم . قال ابن عباس: " ويهيئ لكم " : يسهل عليكم ما تخافون من الملك وظلمه، ويأتكم باليسر والرفق واللطف .

قوله تعالى: " وترى الشمس إذا طلعت " المعنى: لو رأيتها لرأيت ما وصفنا . " تزاور " قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو : ( تزاور ) بتشديد الزاي . وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ( تزاور ) خفيفة . وقرأ ابن عامر: ( تزور ) مثل: ( تحمر ) . وقرأ أبي بن كعب، وأبو مجلز، وأبو رجاء، والجحدري: ( تزوار ) بإسكان الزاي وبألف ممدودة بعد الواو من غير همزة مشددة الراء . وقرأ ابن مسعود، وأبو المتوكل، وابن السميفع: ( تزوئر ) بهمزة قبل الراء مثل: ( تزوعر ) . وقرأ أبو الجوزاء وأبو السماك: ( تزور ) بفتح التاء والزاي وتشديد الواو المفتوحة خفيفة الراء، مثل: ( تكور ) ; أي: تميل وتعدل . قال الزجاج: أصل " تزاور " : تتزاور، فأدغمت التاء في الزاي . و " تقرضهم " ; أي: تعدل عنهم وتتركهم، وقال ذو الرمة:


إلى ظعن يقرضن أجواز مشرف شمالا وعن أيمانهن الفوارس


يقرضن: يتركن، وأصل القرض: القطع والتفرقة بين الأشياء، ومنه قولك: أقرضني درهما ; أي: اقطع لي من مالك درهما . قال المفسرون: كان كهفهم بإزاء بنات نعش في أرض الروم، فكانت الشمس تميل عنهم طالعة وغاربة، لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها وتغير ألوانهم، ثم أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف ينالهم فيه برد الريح ونسيم الهواء، فقال: " وهم في فجوة منه " قال أبو عبيدة: أي: [ في ] متسع، والجميع: فجوات وفجاء، بكسر الفاء . وقال الزجاج: إنما [ ص: 118 ] صرف الشمس عنهم آية من الآيات، ولم يرض قول من قال: كان كهفهم بإزاء بنات نعش .

قوله تعالى: " ذلك من آيات الله " يشير إلى ما صنعه بهم من اللطف في هدايتهم، وصرف أذى الشمس عنهم، والرعب الذي ألقى عليهم، حتى لم يقدر الملك الظالم ولا غيره على أذاهم . " من آيات الله " ; أي: من دلائله على قدرته ولطفه . " من يهد الله فهو المهتد " هذا بيان أنه هو الذي تولى هداية القوم، ولولا ذلك لم يهتدوا .
وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا .

قوله تعالى: " وتحسبهم أيقاظا " ; أي: لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظا . قال الزجاج: الأيقاظ: المنتبهون، واحدهم: يقط ويقظان، والجميع: أيقاظ، والرقود: النيام . قال الفراء: واحد الأيقاظ: يقظ ويقظ . قال ابن السائب: وإنما يحسبون أيقاظا ; لأن أعينهم مفتحة وهم نيام . وقيل: لتقلبهم يمينا وشمالا . وذكر بعض أهل العلم أن وجه الحكمة في فتح أعينهم، أنه لو دام طبقها لذابت .

قوله تعالى: " ونقلبهم " وقرأ أبو رجاء: ( وتقلبهم ) بتاء مفتوحة، وسكون القاف، وتخفيف اللام المكسورة . وقرأ أبو الجوزاء وعكرمة: ( ونقلبهم ) مثلها، إلا أنه بالنون . " ذات اليمين " ; أي: على أيمانهم وعلى شمائلهم . قال ابن عباس: كانوا يقلبون في كل عام مرتين، ستة أشهر على هذا الجنب، وستة أشهر على هذا الجنب ; لئلا تأكل الأرض لحومهم . وقال مجاهد: كانوا ثلاثمائة عام على شق واحد، ثم قلبوا تسع سنين . [ ص: 119 ]

قوله تعالى: " وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد " أخبر أن الكلب كان على مثل حالهم في النوم، وهو في رأي العين منتبه . وفي " الوصيد " أربعة أقوال:

أحدها: أنه الفناء فناء الكهف، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والفراء . قال الفراء: يقال: الوصيد والأصيد لغتان، مثل: الإكفاف والوكاف، وأرخت الكتاب وورخت، ووكدت الأمر وأكدت، وأهل الحجاز يقولون: الوصيد، وأهل نجد يقولون: الأصيد، وهو الحظيرة والفناء .

والثاني: أنه الباب، رواه عكرمة عن ابن عباس، وبه قال السدي . وقال ابن قتيبة: فيكون المعنى: وكلبهم باسط ذارعيه بالباب، قال الشاعر:


بأرض فضاء لا يسد وصيدها علي ومعروفي بها غير منكر


والثالث: أنه الصعيد، وهو التراب، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير ومجاهد في رواية عنهما .

والرابع: أنه عتبة الباب، قاله عطاء . قال ابن قتيبة: وهذا أعجب إلي ; لأنهم يقولون: أوصد بابك ; أي: أغلقه، ومنه قوله: إنها عليهم مؤصدة [ الهمزة: 8 ] ; أي: مطبقة مغلقة، وأصله أن تلصق الباب بالعتبة إذا أغلقته، ومما يوضح هذا أنك إذا جعلت الكلب بالفناء كان خارجا من الكهف، وإن جعلته بعتبة الباب أمكن أن يكون داخل الكهف، والكهف وإن لم يكن له باب وعتبة، فإنما أراد أن الكلب موضع العتبة من البيت، فاستعير .

قوله تعالى: " لو اطلعت عليهم " [ وقرأ الأعمش وأبو حصين: ( لو اطلعت ) [ ص: 120 ] بضم الواو ]، " لوليت منهم فرارا " رهبة لهم، " ولملئت " قرأ عاصم، وابن عامر، وأبو عمرو ، وحمزة، والكسائي: ( ولملئت ) خفيفة مهموزة . وقرأ ابن كثير ونافع: ( ولملئت ) مشددة مهموزة . " رعبا " ; [ أي ]: فزعا وخوفا، وذلك أن الله تعالى منعهم بالرعب ; لئلا يدخل إليهم أحد . وقيل: إنهم طالت شعورهم وأظفارهم جدا، فلذلك كان الرائي لهم لو رآهم هرب مرعوبا، حكاه الزجاج .
وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم أعلم بما لبثتم فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا .

قوله تعالى: " وكذلك بعثناهم " ; أي: وكما فعلنا بهم ما ذكرنا، بعثناهم من تلك النومة، " ليتساءلوا " ; أي: ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم، فيفيد تساؤلهم اعتبار المعتبرين بحالهم . " قال قائل منهم كم لبثتم " ; أي: كم مر علينا منذ دخلنا هذا الكهف ؟ " قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم " وذلك أنهم دخلوا غدوة، وبعثهم الله في آخر النهار ; فلذلك قالوا: ( يوما )، فلما رأوا الشمس قالوا: ( أو بعض يوم ) . " قالوا ربكم أعلم بما لبثتم " قال ابن عباس: القائل لهذا يمليخا رئيسهم، رد علم ذلك إلى الله تعالى . وقال في رواية أخرى: إنما قاله مكسلمينا، وهو أكبرهم . قال أبو سليمان: وهذا يوجب أن تكون نفوسهم قد حدثتهم أنهم قد لبثوا أكثر مما ذكروا . وقيل: إنما قالوا ذلك ; لأنهم رأوا أظفارهم وأشعارهم قد طالت جدا .

قوله تعالى: " فابعثوا أحدكم " قال ابن الأنباري: إنما قال: " أحدكم " ، [ ص: 121 ] ولم يقل: ( واحدكم ) ; لئلا يلتبس البعض بالممدوح المعظم، فإن العرب تقول: رأيت أحد القوم، ولا يقولون: رأيت واحد القوم، إلا إذا أرادوا المعظم، فأراد بأحدهم: بعضهم، ولم يرد شريفهم .

قوله تعالى: " بورقكم " قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم: ( بورقكم ) الراء مكسورة خفيفة . وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وأبو بكر عن عاصم ساكنة الراء . وعن أبي عمرو: ( بورقكم ) مدغمة يشمها شيئا من التثقيل . قال الزجاج: تصير كافا خالصة . قال الفراء: الورق لغة أهل الحجاز، وتميم يقولون: الورق، وبعض العرب يكسرون الواو فيقولون: الورق . قال ابن قتيبة: الورق: الفضة، دراهم كانت أو غير دراهم، يدلك على ذلك حديث عرفجة أنه اتخذ أنفا من ورق .

قوله تعالى: " إلى المدينة " يعنون: التي خرجوا منها، واسمها دقسوس، ويقال: هي اليوم طرسوس .

قوله تعالى: " فلينظر أيها " قال الزجاج: المعنى: أي أهلها . " أزكى طعاما " وللمفسرين في معناه ستة أقوال:

أحدها: أحل ذبيحة، قاله ابن عباس وعطاء، وذلك أن عامة أهل بلدهم كانوا كفارا، فكانوا يذبحون للطواغيت، وكان فيهم قوم يخفون إيمانهم . والثاني: أحل طعاما، قاله سعيد بن جبير . قال الضحاك: وكان أكثر أموالهم غصوبا . وقال مجاهد: قالوا لصاحبهم: لا تبتع طعاما فيه ظلم ولا غصب . والثالث: أكثر، قاله عكرمة . والرابع: خير ; أي: أجود، قاله قتادة . [ ص: 122 ]

والخامس: أطيب، قاله ابن السائب ومقاتل . والسادس: أرخص، قاله يمان بن رياب . قال ابن قتيبة: وأصل الزكاة: النماء والزيادة .

قوله تعالى: " فليأتكم برزق منه " ; أي: بما تأكلونه . " وليتلطف " ; أي: ليدقق النظر فيه وليحتل ; لئلا يطلع عليه . " ولا يشعرن بكم " ; أي: ولا يخبرن أحد بمكانكم . " إنهم إن يظهروا " ; أي: يطلعوا ويشرفوا عليكم، " يرجموكم " وفيه ثلاثة أقوال:

أحدها: يقتلوكم، قاله ابن عباس . وقال الزجاج: يقتلوكم بالرجم . والثاني: يرجموكم بأيديهم استنكارا لكم، قاله الحسن . والثالث: بألسنتهم شتما لكم، قاله مجاهد وابن جريج .

قوله تعالى: " أو يعيدوكم في ملتهم " ; أي: يردوكم في دينهم، " ولن تفلحوا إذا أبدا " ; أي: إن رجعتم في دينهم لم تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة .
وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا .

قوله تعالى: " وكذلك أعثرنا عليهم " ; أي: وكما أنمناهم وبعثناهم، أطلعنا وأظهرنا عليهم . قال ابن قتيبة: وأصل هذا أن من عثر بشيء وهو غافل، نظر إليه حتى يعرفه، فاستعير العثار مكان التبين والظهور، ومنه قول الناس: ما عثرت على فلان بسوء قط ; أي: ما ظهرت على ذلك منه

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.51 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 47.88 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.29%)]