عرض مشاركة واحدة
  #356  
قديم 24-10-2022, 11:15 PM
الصورة الرمزية ابوالوليد المسلم
ابوالوليد المسلم ابوالوليد المسلم متصل الآن
قلم ذهبي مميز
 
تاريخ التسجيل: Feb 2019
مكان الإقامة: مصر
الجنس :
المشاركات: 169,414
الدولة : Egypt
افتراضي رد: تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى ____ متجدد



تفسير القرآن " زَادُ الْمَسِيرِ فِي عِلْمِ التَّفْسِيرِ" لابن الجوزى
جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي
الجزء الخامس

سُورَةُ الْكَهْفِ
الحلقة (356)
صــ 99 إلى صــ 106






قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا .

قوله تعالى: " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن . . . " الآية . هذه الآية نزلت على سببين: [ نزل ] أولها إلى قوله: " الحسنى " على سبب، وفيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تهجد ذات ليلة بمكة، فجعل يقول في سجوده: " يا رحمن يا رحيم " ، فقال المشركون: كان محمد يدعو إلها واحدا، فهو الآن [ ص: 99 ] يدعو إلهين اثنين: الله والرحمن، ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعنون: مسيلمة، فأنزل الله هذه الآية، قاله ابن عباس .

والثاني: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب في أول ما أوحي إليه: باسمك اللهم، حتى نزل: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم [ النمل: 30 ]، فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال مشركو العرب: هذا الرحيم نعرفه، فما الرحمن ؟ فنزلت هذه الآية، قاله ميمون بن مهران .

والثالث: أن أهل الكتاب قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك لتقل ذكر الرحمن، وقد أكثر الله في التوراة هذا الاسم، فنزلت هذه الآية، قاله الضحاك .

فأما قوله: " ولا تجهر بصلاتك " فنزل على سبب، وفيه ثلاثة أقوال:

أحدها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع صوته بالقرآن بمكة، فيسب المشركون القرآن ومن أتى به، فخفض رسول الله صلى الله عليه وسلم صوته بعد ذلك حتى لم يسمع أصحابه، فأنزل الله تعالى: " ولا تجهر بصلاتك " ; أي: بقراءتك، فيسمع المشركون فيسبوا القرآن، " ولا تخافت بها " عن أصحابك فلا يسمعون ، قاله ابن عباس .

والثاني: أن الأعرابي كان يجهر في التشهد ويرفع صوته، فنزلت هذه الآية، هذا قول عائشة .

والثالث: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي بمكة عند الصفا، فجهر بالقرآن في صلاة الغداة، فقال أبو جهل: لا تفتر على الله، فخفض النبي صلى الله عليه وسلم صوته، فقال [ ص: 100 ] أبو جهل للمشركين: ألا ترون ما فعلت بابن أبي كبشة ؟ رددته عن قراءته، فنزلت هذه الآية، قاله مقاتل .

فأما التفسير، فقوله: " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن " المعنى: إن شئتم فقولوا: يا ألله، وإن شئتم فقولوا: يا رحمن ; فإنهما يرجعان إلى واحد . " أيا ما تدعوا " المعنى: أي أسماء الله تدعوا، قال الفراء: و " ما " قد تكون صلة، كقوله: عما قليل ليصبحن نادمين [ المؤمنون: 40 ]، وتكون في معنى: " أي " معادة لما اختلف لفظهما .

قوله تعالى: " ولا تجهر بصلاتك " فيه قولان:

أحدهما: أنها الصلاة الشرعية . ثم في المراد بالكلام ستة أقوال:

أحدها: لا تجهر بقراءتك ولا تخافت بها، فكأنه نهي عن شدة الجهر بالقراءة وشدة المخافة، قاله ابن عباس . فعلى هذا في تسمية القراءة بالصلاة قولان ذكرهما ابن الأنباري ; أحدهما: أن يكون المعنى: فلا تجهر بقراءة صلاتك . والثاني: أن القراءة بعض الصلاة، فنابت عنها، كما قيل لعيسى: كلمة الله ; لأنه بالكلمة كان .

والثاني: لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس، قاله ابن عباس أيضا .

والثالث: لا تجهر بالتشهد في صلاتك، روي عن عائشة في رواية، وبه قال ابن سيرين .

والرابع: لا تجهر بفعل صلاتك ظاهرا، ولا تخافت بها شديد الاستتار، قاله عكرمة .

والخامس: لا تحسن علانيتها وتسئ سريرتها، قاله الحسن .

والسادس: لا تجهر بصلاتك كلها ولا تخافت بجميعها، فاجهر في صلاة الليل وخافت في صلاة النهار على ما أمرناك به، ذكره القاضي أبو يعلى . [ ص: 101 ]

والقول الثاني: أن المراد بالصلاة: الدعاء، وهو قول عائشة، وأبي هريرة، ومجاهد .

قوله تعالى: " ولا تخافت بها " المخافتة: الإخفاء، يقال: صوت خفيت . " وابتغ بين ذلك سبيلا " ; أي: اسلك بين الجهر والمخافتة طريقا . وقد روي عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية بقوله: واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول [ الأعراف: 205 ] . وقال ابن السائب: نسخت بقوله: فاصدع بما تؤمر [ الحجر: 94 ] . وعلى التحقيق وجود النسخ هاهنا بعيد .

قوله تعالى: " ولم يكن له شريك في الملك " وقرأ أبو المتوكل، وأبو الجوزاء، وطلحة بن مصرف: ( في الملك ) بكسر الميم . " ولم يكن له ولي من الذل " قال مجاهد: لم يحالف أحدا ولم يبتغ نصر أحد، والمعنى: أنه لا يحتاج إلى موالاة أحد لذل يلحقه، فهو مستغن عن الولي والنصير . " وكبره تكبيرا " ; أي: عظمه تعظيما تاما .
[ ص: 102 ]

سُورَةُ الْكَهْفِ

فَصْلٌ فِي نُزُولِهَا

رَوَى أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ سُورَةَ ( الْكَهْفِ ) مَكِّيَّةٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَقَتَادَةُ . وَهَذَا إِجْمَاعُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ أَنَّ مِنْهَا آَيَةً مَدَنِيَّةً، وَهِيَ قَوْلُهُ: وَاصْبِرْ نَفْسَكَ [ الْكَهْفِ: 28 ] . وَقَالَ مُقَاتِلٌ: مِنْ أَوَّلِهَا إلى قَوْلِهِ تَعَالَى: صَعِيدًا جُرُزًا [ الْكَهْفِ: 8 ] مَدَنِيٌّ، وَ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ [ الْكَهْفِ: 107، 108 ] الْآَيَتَانِ مَدَنِيَّةٌ، وَبَاقِيهَا مَكِّيٌّ . وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آَيَاتٍ مِنْ أَوَّلِ الْكَهْفِ، ثُمَّ أَدْرَكَ الدَّجَّالَ لَمْ يَضُرَّهُ، وَمَنْ حَفِظَ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْكَهْفِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " . [ ص: 103 ]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْـزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلا لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: " الْحَمْدُ لِلَّهِ " قَدْ شَرَحْنَاهُ فِي أَوَّلِ ( الْفَاتِحَةِ ) . وَالْمُرَادُ بِعَبْدِهِ هَاهُنَا: مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَبِالْكِتَابِ: الْقُرْآَنُ، تَمَدَّحَ بِإِنْزَالِهِ ; لِأَنَّهُ إِنْعَامٌ عَلَى الرَّسُولِ خَاصَّةً، وَعَلَى النَّاسِ عَامَّةً . قَالَ الْعُلَمَاءُ بِاللُّغَةِ وَالتَّفْسِيرِ: فِي هَذِهِ الْآَيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُا: أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ " قَيِّمًا " ; أَيْ: مُسْتَقِيمًا عَدْلًا . وَقَرَأَ أَبُو رَجَاءٍ، وَأَبُو الْمُتَوَكِّلِ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَابْنُ يَعْمُرَ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالْأَعْمَشُ: ( قِيَمًا ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْيَاءِ، وَقَدْ فَسَّرْنَاهُ فِي ( الْأَنْعَامِ: 161 ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: " وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا " ; أَيْ: لَمْ يَجْعَلْ فِيهِ اخْتِلَافًا، وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُ الْعِوَجِ فِي ( آَلِ عِمْرَانَ: 99 ) .

قَوْلُهُ تَعَالَى: " لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا " ; أَيْ: عَذَابًا شَدِيدًا، " مِنْ لَدُنْهُ " ; أَيْ: مِنْ عِنْدِهِ، وَمِنْ قَبْلِهِ، وَالْمَعْنَى: لِيُنْذِرَ الْكَافِرِينَ، " وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ " ; أَيْ: بِأَنَّ لَهُمْ " أَجْرًا حَسَنًا " وَهُوَ الْجَنَّةُ . " مَاكِثِينَ " ; [ ص: 104 ] أَيْ: مُقِيمِينَ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ . " وَيُنْذِرَ " بِعَذَابِ اللَّهِ " الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا " وَهُمُ الْيَهُودُ حِينَ قَالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَالنَّصَارَى حِينَ قَالُوا: الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وَالْمُشْرِكُونَ حِينَ قَالُوا: الْمَلَائِكَةُ بَنَاتُ اللَّهِ، " مَا لَهُمْ بِهِ " ; أَيْ: بِذَلِكَ الْقَوْلِ " مِنْ عِلْمٍ " ; لِأَنَّهُمْ قَالُوا: افْتَرَى عَلَى اللَّهِ، " وَلا لآبَائِهِمْ " الَّذِينَ قَالُوا ذَلِكَ، " كَبُرَتْ " ; أَيْ: عَظُمَتْ " كَلِمَةً " الْجُمْهُورِ عَلَى النَّصْبِ . وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَأَبُو رَزِينٍ، وَأَبُو رَجَاءٍ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ، وَابْنُ مُحَيْصِنٍ، وَابْنُ أَبِي عَبْلَةَ: ( كَلِمَةٌ ) بِالرَّفْعِ . قَالَ الْفَرَّاءُ مَنْ نَصَبَ أَضْمَرَ: كَبُرَتْ تِلْكَ الْكَلِمَةُ كَلِمَةً، وَمِنْ رَفَعَ لَمْ يُضْمِرْ شَيْئًا، كَمَا تَقُولُ: عَظُمَ قَوْلُكَ . وَقَالَ الزَّجَّاجُ: مَنْ نَصَبَ فَالْمَعْنَى: كَبُرَتْ مَقَالَتُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا كَلِمَةً، وَ " كَلِمَةً " مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمْيِيزِ . وَمَنْ رَفَعَ فَالْمَعْنَى: عَظُمَتْ كَلِمَةً هِيَ قَوْلُهُمْ: اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا .

قَوْلُهُ تَعَالَى: " تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ " ; أَيْ: إِنَّهَا قَوْلٌ بِالْفَمِ لَا صِحَّةَ لَهَا، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، " إِنْ يَقُولُونَ " ; أَيْ: مَا يَقُولُونَ " إِلا كَذِبًا " . ثُمَّ عَاتَبَهُ عَلَى حُزْنِهِ لِفَوْتِ مَا كَانَ يَرْجُو مِنْ إِسْلَامِهِمْ، فَقَالَ: " فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ " وَقَرَأَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو الْجَوْزَاءِ، وَقَتَادَةُ: ( بَاخِعٌ نَفْسِكَ ) بِكَسْرِ السِّينِ عَلَى الْإِضَافَةِ . قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَاللُّغَوِيُّونَ: فَلَعَلَّكَ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ، وَقَاتَلٌ نَفْسَكَ، وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِذِي الرُّمَّةِ:


أَلَا أَيُّهَذَا الْبَاخِعُ الْوَجْدُ نَفْسَهُ لِشَيْءٍ نَحَتْهُ عَنْ يَدَيْهِ الْمَقَادِرُ


أَيْ: نَحَّتْهُ [ ص: 105 ]

فَإِنْ قِيلَ: كَيْفَ قَالَ: " فَلَعَلَّكَ " وَالْغَالِبُ عَلَيْهَا الشَّكُ، وَاللَّهُ عَالِمٌ بِالْأَشْيَاءِ قَبْلَ كَوْنِهَا ؟

فَالْجَوَابُ: أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَكٍّ، إِنَّمَا هِيَ مُقَدَّرَةٌ تَقْدِيرَ الِاسْتِفْهَامِ الَّذِي يَعْنِي بِهِ التَّقْرِيرُ، فَالْمَعْنَى: هَلْ أَنْتَ قَاتِلٌ نَفْسَكَ ؟ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَطُولَ أَسَاكَ عَلَى إِعْرَاضِهِمْ، فَإِنَّ مَنْ حَكَمْنَا عَلَيْهِ بِالشِّقْوَةِ لَا تُجْدِي عَلَيْهِ الْحَسْرَةُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ .

قَوْلُهُ تَعَالَى: " عَلَى آثَارِهِمْ " ; أَيْ: مِنْ بَعْدِ تَوَلِّيهِمْ عَنْكَ، " إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ " يَعْنِي: الْقُرْآَنَ، " أَسَفًا " وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: حَزَنًا، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ قُتَيْبَةَ . وَالثَّانِي: جَزَعًا، قَالَهُ مُجَاهِدٌ . وَالثَّالِثُ: غَضَبًا، قَالَهُ قَتَادَةُ . وَالرَّابِعُ: نَدَمًا، قَالَهُ السُّدِّيُّ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: نَدَمًا وَتَلَهُّفًا وَأَسًى . قَالَ الزَّجَّاجُ: الْأَسَفُ: الْمُبَالَغَةُ فِي الْحُزْنِ أَوِ الْغَضَبِ، يُقَالُ: قَدْ أَسِفَ الرَّجُلُ فَهُوَ أَسِيفٌ، قَالَ الشَّاعِرُ:


أَرَى رَجُلًا مِنْهُمْ أَسَيْفًا كَأَنَّمَا يَضُمُّ إِلَى كَشْحَيْهِ كَفًّا مُخَضَّبًا


وَهَذِهِ الْآَيَةُ يُشِيرُ بِهَا إِلَى نَهْيِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كَثْرَةِ الْحِرْصِ عَلَى إِيمَانِ قَوْمِهِ ; لِئَلَّا يُؤَدِّيَ ذَلِكَ إِلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ بِالْأَسَفِ .
إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا .

قوله تعالى: " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها " فيه أربعة أقوال:

أحدها: أنهم الرجال، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس . والثاني: العلماء، [ ص: 106 ] رواه مجاهد عن ابن عباس . فعلى هذين القولين تكون " ما " في موضع ( من ); لأنها في موضع إبهام، قاله ابن الأنباري . والثالث: أنه ما عليها من شيء، قاله مجاهد . والرابع: النبات والشجر، قاله مقاتل . وقول مجاهد أعم، يدخل فيه النبات، والماء، والمعادن، وغير ذلك .

فإن قيل: قد نرى بعض ما على الأرض سمجا وليس بزينة .

فالجواب: أنا إن قلنا: إن المراد [ به ] شيء مخصوص، فالمعنى: إنا جعلنا بعض ما على الأرض زينة لها، فخرج مخرج العموم ومعناه الخصوص . وإن قلنا: هم الرجال أو العلماء، فلعبادتهم أو لدلالتهم على خالقهم . وإن قلنا: النبات والشجر ; فلأنه زينة لها تجري مجرى الكسوة والحلية . وإن قلنا: إنه عام في كل ما عليها، فلكونه دالا على خالقه، فكأنه زينة الأرض من هذه الجهة .

قوله تعالى: " لنبلوهم " ; أي: لنختبر الخلق، والمعنى: لنعاملهم معاملة المبتلى . قال ابن الأنباري: من قال: إن " ما على الأرض " يعني به: النبات، قال: الهاء والميم ترجع إلى سكان الأرض المشاهدين للزينة، ومن قال: " ما على الأرض " الرجال، رد الهاء والميم على " ما " ; لأنها بتأويل الجميع، ومعنى الآية: لنبلوهم فنرى أيهم أحسن عملا، هذا أم هذا . قال الحسن: أيهم أزهد في الدنيا . وقد ذكرنا في هذه الآية أربعة أقوال في سورة ( هود: 7 ) . ثم أعلم الخلق أنه يفني جميع ذلك، فقال تعالى: " وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا " قال الزجاج: الصعيد: الطريق الذي لا نبات فيه . وقال ابن الأنباري: قال اللغويون: الصعيد: التراب ووجه الأرض . فأما الجرز فقال الفراء: أهل الحجاز يقولون: أرض جرز وجرز، وأسد تقول: جرز وجرز، وتميم تقول: أرض جرز وجرز بالتخفيف . وقال أبو عبيدة: الصعيد الجرز: الغليظ الذي لا ينبت شيئا .

__________________
سُئل الإمام الداراني رحمه الله
ما أعظم عمل يتقرّب به العبد إلى الله؟
فبكى رحمه الله ثم قال :
أن ينظر الله إلى قلبك فيرى أنك لا تريد من الدنيا والآخرة إلا هو
سبحـــــــــــــــانه و تعـــــــــــالى.

رد مع اقتباس
 
[حجم الصفحة الأصلي: 48.91 كيلو بايت... الحجم بعد الضغط 48.29 كيلو بايت... تم توفير 0.63 كيلو بايت...بمعدل (1.28%)]